الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات، قصائد من نزار قبانى

Share

للشاعر السوري " نزار قبانى " فى عالم الشعر مكانة لا يزاحمه فيها مزاحم فالحاسية المرهفة ، والفن الاصيل المتقن ، والعبارة الانيقة المنتقاة ، والعاطقة المشبوبة المعدية ، اجتمعت كلها في قصائده لتجعل لها نكهة خاصة لا تجدها الا فى شعر نزار .

وفي زحمة الضجيج المثار حول الشعر العربي المعاصر ، اشكاله ومضامنه . طرقه واساليبه ، يشق شعر نزار قباني طريقه في ثقة وتوهج ، ليحتل العقول والقلوب جميعا فاذا بقصيدته تستحوذ عليك تماما ، فلا تستطيع التوقف عن الترنم بها ، حتى تصبح قطعة من نفسك ، ومعنى من معانى وجودك .

وقد صدرت هذه الباقة الجميلة . من شعر نزار فى اواسط العام الماضي ، عن دار الاداب في بيروت ، فلاقت من قبل القراء اقبالا قل ان يلاقيه ديوان شعر ، وفى اواسط هذا العام صدرت منها الطبعة الثانية ، وليس هذا بمستغرب على الاطلاق ، فنزار قباني شاعر بأوسع واصدق واعمق معانى هذه الكلمة فى آن واحد ، وفى هذه المجموعة يظهر لنا الكثير من خصائصه الفنية الرفيعة ، من شكل جميل أخاذ ومن مضمون واع يحمل الثورة القوية البناءة على ما تهرأ من قيم مجتمعاتنا الشرقية وما أسن من تقاليدنا ومعتقداتنا .

ومسألة الشكل ، كما يبدو لقارئ . هذه المجموعة ، لا تعتبر مشكلة في نظر الشاعر ، فهو يتحرر فى بعض قصائده من قيود الوزن والقافية دون اخلال بخصائص الشعر الموسيقية ، كما ان الوزن والقافية لا يقفان عائقا . فى حال من الاحوال ، بطريق المضمون ، لذلك فاللازمة المفتعلة اليوم في شعرنا العربى المعاصر هى - حسب رأينا - ازمة شعراء لا ازمة شعر

ويغلب الغزل على قصائد هذه المجموعة ولكنه غزل جميل لا تجد فيه اجترارا في معنى او تكرارا في صورة ، وغزليات نزار عبير وقائع عايشها ، فلا تكلف فيها ولا ادعاء , يقول في فاتحة المجموعة من قصيدة بعنوان " رسالة حب صغيرة " .

حبيبتي لدي شيء كثير . . اقوله ، لدي شيء كثير

من اين ؟ يا غاليتي ابتدي    وكل ما فيك امير امير

يا انت ، ياجاعلة احرفي   مما بها ، شرانقا للحرير

وتستمر القصيدة على هذا النحو فتحس في سياقها العذاب مشاركتك التامة للشاعر في عواطفه :

دعي حكايا الناس ، لن تصبحي كبيرة . . الا بحبي الكبير ماذا تصير الارض لو لم نكن لو لم تكن عيناك . . ماذا تصير ؟

وفي " عودة ايلول " التي تنساب كالجدول الرقراق تجد ان " الكلمة " عند نزار قباني , قد اعطيت حياة جديدة غنية تمكنها من حمل الشحنات العاطفية فى يسر , وتخالها ، لرنتها الموسيقية ، انها تكاد ترقص :

لا زيت لا قشه لا فحمة في الدار اوقد وجاق النار في حلمتي رعشه أيلول للضم . . . فمد لي زندك

هل اخبروا أبي اني هنا عندك ما اطيب الوحدة . . وطقطات الشوح والساعد المفتوح وهذه الرعدة . . .

وجميع قصائد المجموعة محببة للنفس ، ولكل منها عبير خاص ففي " العقدة الخضراء " و " عيد ميلادها " و " الى عينين شماليتين " و " طوق الياسمين " و " وجودية " و " رسالة من سيدة حاقده " مع سائر القصائد التى تضمها مجموعة نزار ، شاعرية قوية وجمال آخاذ لا نشعر بهما الا بالرجوع للديوان لان باجتزائنا الامثلة ظالم للشعر وللشاعر معا .

والمرأة في شعر نزار ليست مجرد وسيلة للهو والاسمتاع العابر ، بل هو ، حتى في لهوه واستمتاعه ، يثير في المرأة كرامتها وعنفوانها ، يثير فيها الحقد والاشمئزاز ممن يعبثون بأقداسها ثم يتنكرون لها في نذالة وخسة ، ويبلغ نزار قبانى القمة في التعبير عن مشاعر الامراة التي ديست كرامتها في قصيدته الانسانية الرائعة " حبلى " حيث يتمكن نزار الشاعر من النفاذ الى اعماق الضحية مصورا حرقتها والمها واشمئزازها وذلتها ، وشعورها المميت بالعار ، ثم ينتهى بتصوير ثورتها الحاقدة العارمة ، على هذا النوع من " الرجال " العاطلين من الضمير ، العاطلين من اي حس انسانى :

لا تمتقع ! هي كلمة عجلى إني لاشعر انني حبلى وصرخت كالملسوع بي " كلا " ! سنمزق الطفلا واردت تطردني واخذت تشتمني لا شئ يدهشني فلقد عرفتك دائما نذلا . . وبعثت بالخدام يدفعني في وحشة الدرب يا من

زرعت العار في صلبي وكسرت لي قلبي ويقول لي : " مولاي ليس هنا . . " مولاه الف هنا لكنه جبنا لما تأكد أنني حبلى ماذا ؟ اتبصقني ؟ والقيء في حلقي يدمرني واصابع الغثيان تخنقني ووريثك المشؤوم في بدني والعار يسحقني وحقيقة سوداء تملأني

هي انني . . حبلى .  . ليراتك الخمسون . . تضحكني . . لمن النقود . . لمن لتجهضني لتخيط لي كفني

هذا اذن ثمني ؟ . . ثمن الوفا يابؤرة العفن انا لم اجئك لمالك النتن " شكرا " . . " سأسقط ذلك الحملا . . " انا لا اريد له ابا نذلا . . "

واخيرا - وليس في الحديث عن شعر نزار من نهاية - لابد ايها القارئ ، من التوقف قليلا عند قصيدته " خبز وحشيش وقمر " التى تجيء في ختام المجموعة ، فقد اعتبرت هذه القصيدة - التي اثارت من الضجة ما لم تثره قصيدة ، من قبل - اعتبرت نقطة تحول هامة في شعر نزار قباني ، ففيها من الثورة ما يلهب ، ومن الجرأة ما يندر وجوده عند غيره فنزار لاول مرة يتجه نحو جماهير مواطنيه ليحدثهم عن ماساة وجودهم واسباب تخلفهم ويقول في كلمة قدم بها القصيدة : " هذه هي القصيدة كتبها في سبيل شرق اجمل وافضل . شرق يرمي بخوره ، وتعاويذه ، وقماقمه ، وقرقرة نراجيله . . الى الشيطان , وينصب كالمارد في موكب حضارة مستعجلة لا تنتظر الحالمين . " ولكن بالسلبية التي تغلب على القصيدة ، توهم القارئ ان الذين يتحدث عنهم نزار اموات لا يرجى منهم الخير ويعتقد ان الشاعر قد تحرر من هذه السلبية بعد ان لمس صمود شعبه البطل في سوريا وانتصابه كالمارد - ومن ورائه الامة العربية باسرها - في وجه المؤامرات والتهديدات المستمرة التي تزيده ايمانا بحقه واستبسالا في

الدفاع عن حياضه يقول نزار : عندما يولد في الشرق القمر . . فالسطوح البيض تغفو . تحت اطنان الزهر . . يترك الناس الحوانيت ويمضون زمر لملاقاة القمر . . يحملون الخبز . . والحاكي . . الى رأس الحبال

ومعدات الخدر . . ويبيعون . . ويشرون . . خيال وصور ويموتون . . اذا عاش القمر

ثم يهاجم خنوع هؤلاء القوم وتكاسلهم ، واتكالتهم ، وايمانهم بالاولياء . والقدر والقضاء ، " ومناداتهم للهلال " . . ياهلال . . ايها النبع الذي يمطر ماس . . وحشيشا . . ونعاس . . ايها الرب الرخامي المعلق ايها الشيء الذي ليس يصدق . . دمت للشرق . . . لنا عنقود ماس . .

للملايين التى قد عطلت فيها الحواس وتسير القصيدة على هذا النسق الجميل الى ان تنتهى بهذه الابيات : شرقنا المجتر . . تاريخا واحلاما كسوله . . وخرافات خوالي . . شرقنا ، الباحث عن كل بطولة . . فى ابى زيد الهلالى .

لا يا نزار قد تبدل الشرق تماما ووعت الامة العربية حقيقة وجودها فهي في المشرق صمود جبار وفي المغرب ثورة لاهبة ضد الاستعمار وضد رواسب الاستعمار

اشترك في نشرتنا البريدية