فى صائفة هذا العام ، نشر السادة محمد المرزوقى ومحمد العروسي المطوى والجيلانى بن الحاج يحيى القسم المغربي من كتاب خريدة القصر وجريدة أهل العصر للعماد الأصفهانى والعماد الأصفهانى هو محمد بن محمد بن حامد الأصفهانى ، ولد باصفهان سنة 519 ه . وقدم مصر فى سن العشرين فمدح خلفاءها ، ثم اتصل بالأيوبيين فى الشام وقد قربه صلاح الدين ، فلما مات لزم الأصفهانى بيته بدمشق حتى توفى سنة 597 ه . وكتاب الخريدة ديوان ضخم جمع فيه المؤلف لشعراء المائتين الخامسة والسادسة فى الشرق والغرب ، ومنذ سنوات عني بعض المحققين والعلماء بنشر اجزاء هذا الكتاب ، فنشر أحمد أمين وشوقي ضيف واحسان عباس قسم شعراء مصر سنة 1951 و 1952 فى جزأين وحقق شكرى فيصل قسم شعراء الشام سنة 1955 ، وبقى الجزء المغرب غير مطبوع حتى هب للقيام بهذا العمل الجليل السادة محمد المرزوقى ومحمد العروسى المطوى والجيلانى بن الحاج يحيى ، ولما كان المحققون على وشك الانتهاء من الجزء الاول ، نشر نفس الجزء فى مصر بتحقيق على الدسوقى وعلى عبد العظيم وبالرغم من اننا لم نطلع على الطبعة المصرية فان الطبعة التونسية التى اشرفت عليها الدار التونسية للنشر تشرف هذه الدار والمحققين تقع الطبعة التونسية فى 425 صفحة خصصت منها سبعون صفحة للفهارس مما يدل على الروح العلمية التى اتصفت بها الطبعة ، وقد قدم للكتاب الاستاذ حسن حسنى عبد الوهاب ، فمجد المحققين وحث التونسيين على خدمة التراث مختتما بقوله : " وانى لارجو ان يكون صنيعهم هذا اسوة حسنة وقدوة خير لغيرهم من طلاب الاداب من ناشئة البلاد " .
وأما الأصفهانى فقد ترجم لثلاثة وعشرين ومائة شاعر من شعراء المغرب ، ويلاحظ ان هذا الجزء خال من ترجمة الحصرى القيروانى وابن رشيق القيروانى وبعض ممن نزح مثلهما الى بلاد الاندلس وقد عقد المحققون مقدمة نبهتنا الى اشياء اخرى تعين القارىء على التجول بين هذه التراجم الكثيرة وقبل الوقوف
على بعض جوانب الكتاب ، فان فى مقدمة الناشرين ما يستوقفنا قليلا لا لنشكرهم على هذا المجهود العظيم فحسب بل لنسجل بعض الملاحظات العابرة .
اولا : لقد رأى السادة المحققون ان الحاجة لا تدعو الى التعريف بأبى عبد الله عماد الدين محمد الأصفهانى ، كاتب الخريدة لان الاقسام التى نشرت في الشرق تعرضت الى هذه الترجمة ورأينا أن القارىء المغربي الذي قد يستغنى عن بقية اجزاء الخريدة يكون فى حاجة ماسة الى التعريف بالاصفهانى ، وقد كان بكفى مثلا لتلافى التكرار ان يقتصر على ذكر فقرات مما كتبه ياقوت عن الأصفهانى حتى يتمكن القارئ الاعزل من معرفة صاحب التأليف .
ثانيا : جاء فى مقدمة المحققين ما يلى اما من ناحية التصرف فى النص ، فقد حرصنا على نشره كما هو فى ترتيبه ومحتواه ولم نبح لانفسنا التصرف الا فى موضعين او ثلاثة اذ لم نثبت بعض النصوص التى تتنافى مع الذوق مقدرين ان الراغب في الاطلاع عليها بامكانه الرجوع اليها فى الاصل المخطوط ولو ان الكثير من المحققين يسلكون غير هذا وفي اعتقادنا ان واقع الكتاب اليوم في رواجه واتصال كل يد به يساند ما ذهبنا اليه ، وقد أثار هذا التصرف بعض الاستنكار فى الصحافة وتبين من رد المحققين ان عدد الابيات المحذوفة خمسة ومهما تكن كمية هذا المحذوف فان هذا الحذف يثير قضية الامانة العلمية التى لا تراعي فيها اذواق المحقق وميوله ، ومهما تكن قيمة هذه الابيات فان هذه الطبعة التونسية تعتبر ناقصة لانها ليست مطابقة للمخطوط وقد تكون ناقصة ايضا بالنسبة للطبعة المصرية التى لم نطلع عليها ولا نظن ان هذا الكتاب يصل الى غير النخبة المثقفة من الشباب والشيوخ ، الذين لا يسيئهم ان يعلموا ما قاله الشعراء كما قالوه وكما سجله صاحب الخريدة .
ثالثا : لقد اعتذر السادة المحققون عن عدم التعرض لترجمات المترجم لهم فى الخريدة حرصا على التقليل من الشروح والحواشى لكنهم ارجأوا هذه الاحالات الى خاتمة اجزاء الكتاب ولا يسعنا الا ان نعبر عن رغبتنا فى التنبيه الى هذا العمل الاكيد لحاجة الباحث ومقتضيات التحقيق العلمي فى الوقت الحاضر .
اما اذا تصفحنا الكتاب ، فاننا نرى فيه تقسيما لا يظهر فى الفهرس مثل جماعة من شعراء صقلية وباب ذكر محاسن جماعة من المغرب الادنى والقيروان وافريقية من أهل هذا العصر وباب ذكر جماعة وافدين الى مصر وغيرها من المغرب ، ولا يخفى ان هذه الاقسام لو ظهرت فى الفهرس ، لكانت تعين الباحث وتغنيه عن قراءة قائمة الشعراء . . . كلها للعثور على من يريد .
واذا تصفحنا لاحظنا ان المحققين شكلوا بعض الكلمات الا ان هذا الشكل لا يعين القارىء فى كل الحالات ، ففي قصيدة لأبى الصلت أمية بن عبد العزيز يصف فيها البكرة نجد هذا البيت :
فلما ان اصبت السماء صب العارض المسبل
وقد شكلت تاء اصبت بالضم وضاد العارض بالضم وقد لاحظ احد الناقدين لكتاب الخريدة غموضا فى البيت واقتضى منه ذلك ، حسب قوله اجراء تغيير في الصدر ولكنه لم يهتد ورأينا ان شكل الضاد فى العارض لا وجه له بل لعل الست حرفت فيه كلمة اصبت وظننا انها بالاصل (صبت) وعند ذلك تصبح العارض مجرورة بالاضافة ، اذ علينا ان نقرأ البيت اذاك على هذه الصورة :
فلما ان صببت الماء صب العارض المسيل
تنحيت ولم استحى من فعلى ولم اخجل
وفي باب ذكر محاسن جزيرة صقلية ، قرأنا بيتا لأبى الحسن على بن عبد الرحمن بن أبى البشر الكاتب الصقلى الانصارى استوقفتنا فيه اعادة غير مفهومة ، قال :
فيه لى جنة وفيه نعيم وعذاب اشقى به ونعيم
فقد اراد الشاعر ان يطابق بين النعيم والعذاب فاستكمل الصدر معنى النعيم وبقى للعجز معنى العذاب والشقاء ، ولكن قوله : ((نعيم - الثانية )) لا تناسب المعنى أولا ولا يرى وجه لتكرارها فى البيت ثانيا فلا يمكن ان تكون الا بمعنى الشقاء وبما ان الشاعر ذكر الجنة فى الصدر فلا عجب ان تكون نعيم الثانية حرفت عن جحيم ، فيكون الشاعر قد طابق بين هاتين الكلمتين المشتركتين في الوزن وفي الحرف الاخير ؟ ويتضح اذاك معنى البيت اذ تقول :
فيه لى جنة وفيه نعيم وعذاب اشقى به وجحيم
هذه بعض الملاحظات السريعة التى يسجلها القارىء اثناء تصفحه لكتاب الخريدة ونرجو ان نرى القسم الباقى فى ايام قريبة وللسادة المحققين فخر من يخدم تراث بلاده في جد وصمت ومجد العالم الذى لا يتعب حين يعمل .

