الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات، لمحات خاطفة عن ديوان المدني (*)

Share

-2-

مواضيع الديوان :

لقد تناول الديوان أساسا القيم الاسلامية الخالدة ولكنه بالاضافة الى ذلك كان متنوع المواضيع ومعظمه ينفح بالوطنية الصادقة والغيرة المتحمسه الى تراث البلاد ومجدها ولقد وجدت العروبة منه محلا .

ووجدت الاخلاق فيه مكانها ووجد الغزل فيه موضعا . ووجد الشعر فى هذا الديوان منزلة عظيمة . ووجد القرآن الكريم فيه محلا .

ووجدت المواضيع الاجتماعية الخاصة بالحياة الحاضرة مقاما ودعا الشاعر ايضا الى تعليم المرأة وتسليحها بالاخلاق الفاضلة . وتغنى الشاعر بجمال الطبيعة .

وربما طرق هذه المعاني كلها فى القصيد الواحد بحيث إنك لا تجد الموضوع في القصيدة مستقلا بنفسه فتعددت الاغراض فى القصيد الواحد جريا على عادة القدامى ولكن متخلصه مما كان في الجاهليه يعتبر أصلا في بناء هيكل القصيد أعني الوقوف على الاطلال وبكاء الحبيبة ووصف الراحلة قبل الوصول الى أصل الغرض الذي من أجله كتب القصيد .

ورغم كل ذلك فقد صاحب الشاعر في كل ما قال الجد والاحتشام فلم أره استملح الحياة ولا نظر الى ملذاتها نظر منهوم ولا

حاول أن يصف ما قد يجد فيها من نعمى وجمال زائفين اذا علمنا أنه مغبوط الوضعة ماديا وأدبيا بالنسبة لما كان عليه عموم الناس في هذه البلاد فجده هو الطاغي على كل ما يأتي من الامور الموجهة للنزعة فيما يدعو اليه الناس اللهم الا اذا آستثنينا بعض أمثلة قليلة لا اظن أن الشاعر راض عنها كل الرضا ولكنه لما كان انسانا فهو أيضا يحب الجميل ويحب المرأة ويحب كل نبيل فلم تستغلق عاطفته عن الحنو والحنان والحنين فمن ذلك قصيده ص 42 زوديني ببسمة اذ يقول فيها .

لى فؤاد كالمزن هش وعندي       خطرات مثل الزلال المعين

وقريض كنسمة الفجر هبت       فوق روض الريحان والياسمين

وققصد آخر عنوانه بسمة ص 47 وقد وقع له فيه المعنى الجميل اللطيف

أيها الباسم اللعوب أمانا          لفؤاد آلامه تكفيه

وقد قرأت له من الشعر في هذا الصدد ما لم يصاحبه التوفق دائما الى تصوير المعنى المراد بالوضوح الذي يجب فاستمع اليه في قصيده يا فجر ص 46 .

يا فجر أيقظت أحزاني وآلامي      وذدت طيب الكرى عني وأحلامي

وهذا الكلام لا يخلو من ابهام فشان الفجر تجليه الاحزان والانساء بعد طول السهر ومكابدة الارق ومن طبع ذي المعشق الا ينام اللهم الا اذا كان الكرى وسيلة الحلم الجميل أما إذا كان ينام ويحلم وهو يقظان فيكون من أولائك الذين يفقدون الحس وهم أحياء فلا يعنون بمن حولهم ضرورة ولا يقولون الشعر أيضا ومن خاصية الشاعر أنه يقظ لما حوله فلا تمر به الاحداث دون أن يفهمها فهمها الذي يخالف بقية الناس ويكون الى المواقع والجمال والتنبه أقرب .

وآستمع اليه أيضا :

كان قلبي يهفو اليها وكانت       تجتبيني بنظرة وآقتراب

وسما الحب فى الفؤاد كما يسمو على الزنجبيل عذب الحباب

فهذا البيت الثاني ضعيف أصلا لان الحب إذا سما في الفؤاد فمعناه أنه أوغل فيه إيغالا فما وجه الشبه اذن بين ذلك وسمو عذب الحباب على الزنجبيل ؟ ألا ترون أن في ذلك أثرا للصناعة على حساب المعنى ألا ترون أنه تأثر بقول آمرى القيس اذ قال :

سموت اليها بعدما نام أهلها       سمو حباب الماء حالا على حال

ولكن الفرق بين المقامين ظاهر      كل الظهور وجاء فى لامية المدنى ص 38 ما كان مزيجا بين الشعر والغزل اذ يقول :

وكم سبيت به فتانة برزت       تسبي الورى برشيق القد معتدل

ولا أظن أن ذلك صحيح لان المرأة عندنا ولا سيما في العهد الذي قيل فيه القصيد لم تكن عامة من المستوى فى اللغة والادب والتذوق بما جرى له من قول ولا سيما إذا كان السابي هذا القريض البليغ في مفهومه العميق معنى في مدلوله فأنى لنا هذا النوع من النساء

وجاء فى ص 39 من نفس اللامية

يا غادة كمحيا الصبح طالعها       رفقا بقلب بنار الحب مشتعل

قد كاد قد كاد يا سمراء يقتلني      سحر بجفنيك بين الغنج والكحل

رفقا بمضناك اني شاعر دنف      آلامه فى الهوى استعصت عن الحيل

مالي أراك فدتك النفس باكية     أرسلت دمعا أصاب النهد بالبلل

فهي كمحيا الصبح ! وهي أيضا سمراء ! وهي ذات سحر بجفنها وهي تلوح باكية حتى أرسلت دمعا أصاب النهد بالبلل .

فهل كان صدرها عاريا أم هل اخترق الدمع الثياب فسال على صدرها أنهارا بلل الصدار ونفذ الى النهد فآبتل . أكانت تلبس الفوطه والتقريطه والقبقاب العالي وتجري في وسط الدار بين الغرف لشؤونها أم كانت تلبس الخف الصقيل وتجرى في الشارع عارية العراقيب كفئة من بنات اليوم المتبرجات ؟

ثم ألا ترون أن الصورة المقدمة أصاب النهد بالبلل ضعيفة بعض الضعف فلو جعل الشاعر مثلا وفي نفس النفس المدامع تطفيء مما آحتدم في ذلك الصدر من حرقة الاشواق لكان المعنى أوقع والشعر أيضا عنده وصف للحالة الاجتماعية :

فآستمع اليه فى قصيده ( الدمع ) وهو قديم وعالج فيه صاحبه مواضيع شتى تسيل فيها الدموع .

أو دمعه فوق خد   اليتيم فى يوم عيد

رنا بطرف كسير    لطفل جار سعيد

أو فى قوله من نفس القصيد :

يبكى اندراس المعالي ودوس مجد عتيد

فيضرم الدمع في القو   م جذوة من وقود

أو فى قوله عند تلاوة القرآن :

يتلو ودمعه صاف   كاللؤلؤ المنضود

أو في الفيلسوف :

حتى اذا لاح سر   بكى بكاء الوليد

فهذه الابيات لا تخلو من شاعرية حق رغم أنها قيلت فى عهد تجربة الشاعر الاولى .

الشعر وأغراضه عند المدنى :

أصل هنا الى نقطة جوهرية من النظر فى هذا الديوان وأورد بعض أبيات حاول أن يحدد بها الشاعر الشعر عامة وشعره خاصة كنها وحتى وظيفة . فاستمع اليه يقول :

وهل الشعر وهو ذوب ضمير    غير حصن حماته البلغاء

رويها عربي غير ذى عوج         أعباق نهلان تزجيها وتوحيها

أنشد قصيدك آيا فى مفصلها      للضاد فيض من اللألاء منسكب

أنشده جزلا - فلبنان الاشم به    لحاكة القول جزلا معقل أشب

أنشده كاللؤلؤ المصقول شع به     فى جيد حوراء عقد سلكه ذهب

عربي أعراق نبله من كعب       وأعلاق نسجه من لبيد

وللشعر أسرار وفيه تمائم        وعندى أنا أسراره وتمائمه

وللشعر طير حائم عز صيده    وفي شركي قد طالما حل حائمه

وشعره هو ذلك الذى :

يطارح حسانا ويسقيه كوثرا       فيؤمن بالاعجاز فيه ويشهد

فهو اذن اعجاز بياني يستمد روحه من ذلك الاعجاز القرآني ولا يأتى ولو ببعض من مثله من غير شك . ذلك الاعجاز الوارد في قوله تعالى مع مراعاة الفارق الشاسع والابعاد : قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن ياتوا بمثل هذه القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا .

ويكفى الشاعر أن تفوق قصائده قصائد حسان معنى ومبنى ولو في عهد لا يفهم فيه العربية شاهدوه فهم حسان لها وفهم الاعرابي لها وفهم معظم من كان ينطق بالضاد في صدر الاسلام لييقن يقين آطمئنان

انه بلغ الغاية الى ما وراءها غاية في نظره أعني الإبداع ولو كان مفضيا الى التعتيق فاستمع اليه في قصيد عنوانه أنا شاعر مضنى لا تتعجبوا ص 57 يقول :

وشعري بويلات الليالي معتق      معانيه للاجيال بعد ستسكب

فهذا شعر على حد قوله عتقته ويلات الليالي ولا شك أن هذه الويلات هي ما كان يلاقيه أصحاب الاقلام الوطنيون من مقاومة الاستعمار سواء في ذلك الشعراء والكتاب وهذا البيت في حد ذاته عندى من أصدق الابيات الواصفة لشعر المدني وذلك من وجوه كثيرة أذكر منها هذه المقاومة المشار إليها .

وأذكر منها أيضا أنه بلغته وتراكيبه وقوة بيانه لا ينفذ الى كافة القلوب بسهولة حتى يؤثر فيها التأثير المرجو .

وأذكر منها أيضا ما شهد به التاريخ اذ هو يظهر معظمة مكتوبا في هذا العهد وقدم أيضا لهذا الجيل وللأجيال المقبلة ولعله يحظ بدراسة أضفى فيما يستقبل من الزمان .

ولكني رغم تجردي الممكن عن الاعتبارات الانفة الذكر لا يمكنني أن أتغاضى عن الاشارة إلى أن الصورة البيانية في البيت المستخلصة مما تجود به الخمرة وتكرم فتمدح ألا وهو معنى التعتيق لا تصح في هذا المضمار اذا ما أضفى مفهومها على الشعر : لان الشعر اذا تعتقق . رغم ويلات الليالي . لا يؤدى وظيفته الاجتماعية ولا يؤدى وظيفته الانسانية عامة باعتبار أن الشعر الجيد اذا ما جرى على الالسنة يسهم ذلك الاسهام المباشر والدائم في التعبير عن الخلجات النفسية الصادقة التى تؤثر في السامع له والواقف عليه التأثير الذى يدل ويوجه ويرسم الخطة ويعلم ويمكن من الاخذ ثم هو أيضا ذلك الذي يصطفيه الزمان واذا ما اصطفاه فلا يتعتق لانه ينشد ويتمثل به ويجري على الالسن فيكتسب اذن صبغة الجدة التي لا تبلى رغم مضيه في الزمان وتباعد الراوي له عن عهد قائله . فما يكون الشاعر قد قصد ؟ لا يكون قد قصد الا

الى ذلك المعنى الجميل المستروح من وصف الخمر عندما تنعت بأنها عتيقة ولا يسمح المجال بهذا والا فلا يلبس الشعر لكل حال لبوسها على ما عهدناه له ولا سيما فى عصور آزدهار الاسلام الاولى وفى الفترات التى شعر الشاعر بأن له رسالة لا مندوحة له من آدائها في القوم الذي ينتمي اليه .

ويصف ما يعتريه عند الانشاد فيخلص للوصف ويجيد :

واني لتعروني اذا قمت منشدا      من الشعر هزات بها أنتم أدرى

وخير الشعر عنده هو :

وخير الشعر ما قد كا    ن فتاكا وفتانا

والشعر بالنسبة للشاعر :

ايه يا شعر أنت هادي فى حيــــــــــــــــــــــرة نفسي ومرشدي فى ضلالي

أنت نوري وأنت أنت دليلي         وبيانى فى حجتي ومقالي

لست أسلوك عوض ما دمت حيا   أنت سري وأنت نور خيالي

ولكن من وظيفة الشاعر ان يحطم التقليد ، الا ان الشاعر لم يف الى هذا المعنى كل الوفاء . يقول :

تبا لمن لم يحطم          عن شعره تقليده

الشعر ما ان تقل تر   وه العقول السديده

وتصغه في فم الدهــــ     ر مبديا تريدده

فهذه المعاني جميلة ومتقدمة ولكنها لا تخلو من تناقض وقع للشاعر عامة لاسيما عندما تستمع اليه يقول فى قصيده الى النيرين فى وصفه لقصيده

ويسمو بأعراق تمتة ليعرب      كريم نجار منتقى صافي الورد

أما النفحات الشعرية القويه فما أكثر ما وجدت في هذا الديوان الثر على ما فيها من تعقيد لفظي أحيانا .

يقول في قصيد عنوانه : وانك للانسان أهدى وأنجد

ومر عرمنا يستنزل العصم انه       صلود أتي والسبيل ممهد

أبا المجد أعيي المجد ما أنت فاعل    وأعياه للأجيال ما أنت تقصد

ويقول فى قصيده : ياطه حيالك أمة .

واني وثوب للخوالد كلما         أضاء الحنايا لاعج يتوقد

وباتت وفي القلب الجريح تطلع  لالاق لمح قد يشع به الغد

وهذا من الرفيع من غير شك .     ومن قبيله أيضا هذا البيت .

ومن تهن نفسه هانت منازعه     وجره السيل اذا ثارت سواقيها

وقوله :

تعالوا نطارحكم حديث قلوبنا      وعلكم أدرى بما جال في القلب

وقوله :

سترجع أيامنا من جديد   ونحيا كراما ويحيا الوطن

وقوله فى قصيد طالعه : فتى الشعر انشدنا فللحق رايه ص 120 و 121

أولئك آبائي الكرام ذكرتهم      وان كنت مما نابهم أتحرق

سمو للذرى لما توحد جمعهم      وباتوا بقيد الاسر لما تفرقوا

وقوله :

والشعب أحرى بالفخار اذا بنت     صرح الفخار نساؤه ورجاله

وهذا من السحر الحلال .

وفيما يشبه هذ المعنى يقول أيضا :

وأحرى بخلد أمة شطر مجدها   بناه رجال والنساء بنت شطرا

وكأنه فضل النساء على الرجال لانه خصص في الرجال باستعماله التذكير وعمم في النساء باستعمال التعريف المستغرق .

وفي العروبة والاسلام والحضارة والعلم .

ص 120 من نفس القصيد :

سلوا في ديار الغرب عن جامعاتها     وجوسوا خلال الجامعات ودققوا

تروا أفق الغرب الذى كان مظلما     أضاءه من بعد الدجنة مشرق

وان بنى الاسلام بالعدل حرروا       جميع الالى في ظلمة الظلم أطبقوا

ص 126 .

أولئك الذادة الامجاد ما اتخذوا   سوى العزائم في أهدافهم سببا

هم المساميح الا أنهم عرب       ومن يطاول في احساسه العربا

ص 130 .

ما في حضارتنا الغناء من شية   فاملأ بها السمع أو فاملأ بها البصرا

ويعتز بحضارتنا الاسلامية التونسية ص 170 .

سلوا ها هنا فالقيروان تجبكم     خزائن تحوى الخالد المنتقى البكر

هنا قرأ التاريخ سفرا من النهى    به دوت الدنيا ومن أدب سفرا

في العدل ص 157 .

والعدل أن يرد المصفى ضامىء   للعدل عالقه به آماله

واذا المدارك في القضاء تألقت    ظفر القضاء بما يعز مناله

و هذا البيت الثاني من أحكم الابيات على وجه الدهر بعض مآخذ :

ص 56 : كفى ما قد مضى

ودع عنك الضغينة والتعدي  فقد ولى زمان الاضطغان

ص 54 : رب اني آمنت

كذب القائلون أنا آنتهينا       للغيزاء دهرنا بالمفهوم

لى أحاديث لو أبوح بها للنا     س حزوا بسيفهم بلعومي

ص 53 انظروا للنساء في الغرب قد أصبحن بالعلم في قرار مكين

ص 49 كم تغنيت في صباي بليلي

إن من عاش في شقائه أحرى   به نوم يطول تحت التراب

ص 37 لامية المدني وهو قصيد يجسم عناء القافية وتكلف العبارة

لولا تراكم غيم الافق ما هطلت

                    غمامة تنقذ الدنيا من القحل

ولا تلوح خفيات الحقائق لو

                     لم يكتنفها آصطدام الفكر والجدل

ودع صديقا إذا ما جئت تودعه

                  سرا ترا السر في الافواه عن عجل

ص 35 : والقصيد طالعه : رئاسة شعب صنته تتجدد

ويصغي القماري في سنا الفجر لحنها

                    فيثنيه غصن في سنا الفجر أملد

برناتها وافيتك اليوم صادحا

                واني على العهد الذى أنت تعهد

فهذا الكلام وان كانت رناته هازة فان معانيه لا تخلو من ابهام فعجز البيت الاول غير واضح المعنى وعجز البيت الثاني من قبيل الكلام الموجه .

وقال ص 94 .

حي أرضا قد أنبتته ولازا       لت على العهد منبت الاشبال

وأرى أن السياق يكون أبلغ اذا كان الى الاخبار أقرب منه الى الدعاء لانه لا يلجأ الى الدعاء الا عند غلبة اليأس .

وقال في قصيد طالعة الى النساء المسلمات ص 95 .

يدعو النساء المسلمات بأن تعد على ضياء الشرع خير شباب والصواب يدعو الى ولما كان الوزن لا يستقيم فالأقل خطأ يدعو ... لــ... ... لا : يدعو ... بـــ ...

قال ذو الرمة

دعاه الله من رجل بأفعى   اذا نام العيون سرت اليه

ووقع له فى القصيد ص 102 من الديوان خطأ في صرف لفظتين

أ أشبال آبن خلدون عليكم           تحايا عاطرات عابقات

فلا يقال عاطرات الا في معنى معلوم ولا يقال عابقات .

وصواب اللفظتين : عطرات عبقات وان قيلتا هكذا آختل الوزن

أما العبارة الصعبه ففى الديوان منها الشيء الكثير . آقرأ في قصيد طالعة : آستفق وتهيأ . قوله :

قد رمتنا ألحاظها من على بعد       فأجرت فيض الشؤون سخيا

والمعنى مستغلق اذا لم ننتبه الى أن معنى الشؤون هنا هو عروق الدموع

صالوا صيالا قد أشطان الهوى

                 بجراز حق قد كل مهند

وهذا ايضا من المستغلق .

وما هذا التركيب ؟

ما بالهم بتشتت وكتابه    سبحانه يدعوهم لتوحد

فستقولون لي انه الاضمار ليهيمون بتشتت فهل نطالب اليوم الاديب أن يقف على كل هذه الاسرار ؟

ورايت للشاعر أبياتا ينتهى معناها بانتهاء الصدر أو فى غضون العجز فيكمل فاذا هي تنطلق قوية وتنتهي فاترة فمن ذلك قوله :

ألا وثبة للمجد أخرى جموحه       يواكبها جد ويهجرها الدد

ومن هذا القبيل قوله :

يوحدنا حب أفاض شؤوننا     وأجرى دموع العين كالوابل السكب

فالعجز زائد لان الشؤون اذا فاضت جرت لا محالة .

ويقول أيضا في أوزان الشعر :

وأوزانه في نسجها عربية   مبرأة جرس بغر المنى أغرى

ولو جعل لفظة جرس منصوبة على أنها تمييز لكان المعنى عندي

أوقع اذا اعتبرنا أن لفظة جرس يكون معناها هنا " أصلا " وتكون تبرئة الاوزان من التصرف الحر أو " المتحرر " على حد قول بعضهم .

هذه قبسات من الديوان اجتهدت أن أبين فيها وجهة نظري فى هذا الاثر العظيم الذي يشهد لصاحبه بالشاعرية الحق والاقتدار الحق والاستطاعة الميسورة تسخير اللفظ " اللموع " على حد قوله إلى الاغراض المطروقة .

ولعل في اقبال الشبان المتأدبين على قراءته وتفحص ما جاء فيه ما يدعوهم إلى التروي من هذا الاثر الاصيل بمعناه ومبناه وجمال نزعته وما يعدل من ميل بعضهم إلى ضرب من تجديد لا يقوم على صحة انطلاق ودراية حق باللغة العربية ومجالاتها وامكانات تصريفها فيما جد من الشؤون تصريفا يعتمد الرشاد ويقوم على المتانة والاصالة والا فلا يصح فيهم الا قول من قال :

ان الجديد اذا ما دس فى خلق      تبين الناس أن الثوب مرقوع

وما أبشع الرقعة غير المجانسة فى الثوب البالى المأروض وإنى لامل أن أكون بهذه اللمحات والاضواء الوادقة قد اهتديت إلى الاشارة إلى الاهم بتوسعي في المحاسن والماعى إلى المساوى مرددا هذا المصراع الذي سمحت لنفسي بأن أتصرف فيه بالابدال : كفى الشعر نبلا أن تعد معايبه .            : انتهى

اشترك في نشرتنا البريدية