الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات، محمد العيد رائد الشعر الجزائري الحديث

Share

لا إخالنى أكون مبالغا إذا قلت أن الأخ أبا القاسم سعد الله يقف فى طليعة شبابنا المثقف . وقد عرفناه شاعرا قبل أن نعرفه ناقدا أو دارسا وذلك حين كانت جريدة البصائر وبعض الجرائد التونسية توافينا بقصائده الرائعة .

وفي علمي أنه أول من غرد على القوالب  الشعرية المتحجرة ، وطرق باب الشعر الحديث الحر ، وحاول أن يمد الشعر الجزائري بنسغ جديا يرتفع به عن الانحطاط والإسفاف والضحالة ، ويقربه من مستوى الآدب الإنسانى . وبذلك فتح الطريق لشعرائنا الشباب الذين ساروا على نهجه ، واقتفوا أثره فيما بعد .

ولكن طموح شاعرنا وحبه للثقافة  ، بمجالاتها المختلفة ، لم يقفا به عند هذا الحد ، بل أبيا عليه إلا أن يقتحم موضوعا آخر ، لم يسبقه اليه غيره فى تاريخ حركتنا الآدبية ، وهو موضوع البحث والدراسة . فقد كتب سعد الله عدة أبحاث عن تطور الأدب العربى فى الجزائر ، باعتبارها جزءا من خدمته للقضية الوطنية فى إطاراتها المختلفة ، ونشر تلك الابحاث في مجلات أدبية راقية تصدر في الشرق العربي . فعرف الأدباء و الكتاب لأول مرة أن للجزائر أيضا شعراءها وأدباءها .

وقبل مدة أصدر سعد الله كتابا رائعا عن حياة شاعر الجزائر محمد العيد . وقد حاول المؤلف آن يتبع فى ذلك أحدث طرق البحث والدراسة الأدبية ، ووفق فيها إلى أبعد حد . فقدم لنا صورة حية عن حياة الشاعر من خلال إنتاجه وتعبيره .

وقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام . فيحدثنا فى القسم الأول عن أشكال البيئة السياسية و الإقتصادية والإجتماعية التى رافقت نمو الشاعر وتطوره ، ثم عن نوع الثقافة التى تشبع بها ، والمدارس الأدبية التى تأثر بها ، والرحلات التى قام بها ، والتجارب التى إكتسبها فى خلال ذلك . و لا ينسى المؤلف أن يقدم لنا نماذج من شعره توضح آراءه وخبراته فى كل

مرحلة من هذه المراحل . وفى القسم الثاني يقدم لنا المؤلف محمد العيد شاعرا وإنسانا يحس ويتاثر ويتألم ويعيش فى زحمة العواطف المرهفة والمشاعر النبيلة فيحلل شعره ويعرض آراءه ، ثم يحاول ربطها بالأحداث والوقائع والمناسبات ، كل ذلك بأسلوب مشرق لا تشوبه أدنى شائبة ، و لا يعتريه ادنى غموض او إلتباس . وقد آتاحت للمؤلف ثقافته العالية وفهمه الصحيح وإطلاعه الواسع أن يكشف لنا عن خفايا شاعرية محمد العبد ومعطياتها الثرة الغزيرة ، ويبرز لنا سماته الواضحة المميزة .

اما فى القسم الثالث فيقدم المؤلف نماذج من شعر محمد العبد اختار عناوينها بنفسه . وهذه النماذج إن دلت على شىء فإنما تدل على حسن تذوق المؤلف للشعر وتقييمه له . و لا غرابة في ذلك ، فأبو القاسم سعد الله شاعر قبل كل شىء يدرك معنى الحرف وحرارة الكلمة .

ومع أن المؤلف قد شتكى في المقدمة من قلة المراجع ، فإن هذا لا يمنعنا من ان نلاحظ انه لم يبين لنا مدى تأثر محمد العيد بمدرسة شوقي ومدرسة المهجر ، لا سيما فلسفة جبران ، رغم أنه أكد ذلك أكثر من مرة . فحبذا لو عقد المؤلف فصلا لمقارنة شعره بشعر هاتين المدرستين واخيرا فالكتاب لا يخلو من الاخطاء المطبعية ، وقد كان يمكن تفاديها لو آن المؤلف أشرف على طبع الكتاب بنفسه ، و لكن وجوده بأمر نكا حال بينه وبين ذلك .

ومن الطبيعى ان ملاحظتى السابقة لا تنقص من قيمه كاثر فني خالد جاد به قلم ابى القاسم سعد الله . و لا يسعى إلا أن نهنىء المؤلف على هذه الدراسة الواعية التى تعتبر أول لبنة فى صرح شعرنا الحديث بكل انطلاقه واندفاعه . ومن حقنا ان نقول ان عصرنا الذهبي قد بدأ يوم أن انطلقت اول رصاصة فى جبال الأطلس الشامخة ، وما دراسة سعد الله هذه إلا ثمرة من ثماره الناضجة

اشترك في نشرتنا البريدية