الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات، مشردة

Share

ديوان الشاعرة الفلسطينية الموهوبة

هذه المجموعة الشعرية " مشردة " تستحق عندها وقفة يملاها التأمل وحسن التفهم . ذلك بانها باكورة شاعرة يبزغ اسمها جديدا ليزيد في افق ادبنا النسائى ، نجمة تبشر على صفاء ألقها باشراق أغزر وابهى ضوءا .

الشاعرة كلثوم مالك عرابى قد تمرست فى حياتها تمرسا قاسيا وعانت معاناة موجعة . تمرست بالنكبة الهائلة التى فجع فيها اهلها ، ابناء فلسطين بارضهم وكيانهم بغيا وعدوانا كما لم يكد يسطر التاريخ برغم ما حفلت به احداثه من ظلم وعدوان .

وعانت الشاعرة بعمق ما يعانيه القلب الانسانى من لفح عواصف الحب المحرقة ونفح نسماته الرقيقة الشذية .

وأوتيت الى ذلك مشاركة طيبة فى الثقافة الادبية الغربية ولا سيما الانكلوسكسونية ووهب لها من مقومات الشاعرية حس رقيق رهيف ، وقدرة على تجسيد المشاعر فى صور غريبة تنزع فى أحيان نزعة الرمز ، وقد يكتنفها الغموض ، الا انها لا تفقد بحال وضوح الايماءة والدلالة . تقول الشاعرة فى قصيدة منذ اليوم :

ماذا بعد اليوم

آه . . ماتت فى أعماقى الوان الربيع

ونبتت زهور كآبة عارمة !

ففي قولها : " ماتت فى اعماقى الوان الربيع ونبتت زهور كآبة عارمة " طباق تصويري يلامس النفس ويشملها فى أسى الشاعرة وحزنها الدفين . ومن قولها فى قصيدة السأم :

مدينتى غانية مشوهة

مخدوشة الجبين ، ممصوصة الشفاه

تستعير الشعر والثديين واللون المثير

غانية عارية الافخاذ رقصها غرائز تثور

تبحث عن جياع .

الى قولها :

حافية اتيه فى الحقول

اقتلع الاشواك

والصوت ، هذه الاصوات فى صفيرها الصمم

تقطعني شطرين ، واحد يموء فى العراء

وآخر يغازل المدينة الشوهاء

تقودنى الاصوات

معصوبة العينين ، والظلام فيه قطة تموء .

والمقطعان يضجان بالصور فى قوة وعنف . ولا بد من التنويه بما فى المقطع الاخير من تصوير لنفس الشاعرة المنقسمة شطرين بلقاء مدينتها شطر لا تسد جوعه الروحى الحياة فى المدينة ، وآخر يغازل محاولا ان يرضى بما تبذله له المدينة الشوهاء . وفي قصيدة فلالى تتوالى هذه الصور الحافلة بالعاطفة ذات الانفاس الحميمة الدافئة .

بهية هى الساعات

التى اعيشها فى هذه الدائرة من الزمن

سرها هو أن الظلمة

لفظتنى ذات ليلة . . من البئر

وبقيت اتعثر فى خطاى

حتى لمحت آثار فجر

يقترب منى واقترب منه

فارتعشت شفتاى

وتمتمت بصلاة

وتهالكت ذراعاى من التعب

لتستلقى فى بطء بين امواج هذا الفجر الغريب

وانها لصور تذكر بوجد الصوفيين وتنزههم وانخطافهم ! وتتلون الصور فى هذه المجموعة فمن كئيبة متوشحة بالاسى والحزن الى اقل كآبة . وقد تعرض فيها بعض الصور ذات الملامح المشرقة كقولها :

أطلى مع الفجر يا حلوتى

بوجه ضحوك كوجه القمر

الى قولها :

وضمى جدائلك السمر فى .. شريط من الماس يغرى الدرر

وكونى مع الفجر انشودة .. يرتلها السهل والمنحدر

ويشدو بها العندليب الرشيق .. فتهتز شوقا غصون الشجر

الا ان الكثرة هى للصور المغرقة فى الكآبة ، النابعة من توجع الشاعرة واحساسها بنكبة وطنها الاول وبالغربة الموحشة .

وما العمر الا ربيع رفيقى حلمت به مرة فى الحياه

سكبت هنائى على راحتيه وقمت لاسمع حلو نداه

نثرت ورودى على جانبيه وعطرى تضوع يطوى شذاه

ولكن عمرى يفر سريعا وهذا الربيع ويا حسرتاه

يلملم اشياءه الذابلات ويعدو بعيدا لكى لا أراه !

وحسبنا من صورة موجعة مشهد هذا الربيع الذى يلملم اشياءه الذابلات ويتوارى بعيدا !

وبفعل هذه الكآبة التى توشك ان تتأثر بصور هذا الديوان ، يكثر فى قصائده دوران كلمات وتعابير بعينها من " الخيمة الدكناء الممزقة " التى دفع اليها اللاجئ الفلسطيني ، الى " التشرد " الى " الكهف " الى " الرماد " الى " قهقهة الآلام " الى " القبور " الى " العالم الضرير " انها حكاية الشاعرة :

خريدة انا في خيمتى .. حكايتى لم تدخل القصور

ومهما يكن الرأى ، من جهة المبدأ ، فى هذه الكآبة التى توشك ان تستبد استبدادا بمخيلة الشاعرة ، مهما يقل فى هذا السأم والضياع والعجز عن " تشيىء المصير " وعن الاهتداء الى المخرج من العالم الضرير ، مهما يقل فى هذا الشعور احيانا بتفاهة كل شئ فان كلثوم مالك عرابى صدى صادق لما تجيش به نفوس جانب من الجيل العربى المعاصر ، وسيما الجيل الفلسطينى , وما يعصف به من حيرة وغيظ ونقمة .

ولا ادري لم خصصنا جانبا من الجيل العربى المعاصر ، او الجيل الفلسطيني ولم نشرك معهما جانبا من الجيل العالمى الذى لم يتح له ان يجد المخرج من " العالم الضرير " الذى يدور فيه سئما قلقا يغلبه الشعور بالتفاهة والعجز عن التحكم فى مصير نفسه .

وبعد ، يبقى سؤال يتعلق بالصنعة والاداة فى هذه المجموعة . والذى يبدو ان الشاعرة ما زالت تتردد بين قالبين : قالب الشعر الطليق ، وقالب الشعر المنوالى المقيد بالوزن والقافية .

والحق ان شعرها المقيد بوحدة الوزن والقافية ما زال اكثره " بغوا " على لغة الفلاحين في وصف الثمر الذى لم يبلغ نضجه وربما وقفت فى هذا الشعر مخالفات لاصول الوزن والقافية ما كان يجوز ان تخفى على الشاعرة كما فى قولها :

وانا كالشاطىء المهجور .. احلم ملتقاك

فالوزن هنا وهو مجزوء الرمل لا يستقيم الا ان تسكن " أحلم " ولا وجه للتسكين . وفوق ذلك لا تصح تعدية " احلم " بدون الباء ، فكان الواجب ان يقل " احلم بملتقاك " ويلاحظ أن التجاوزات اللغوية تكثر فى شعر الشاعرة المقيد بوحدة الوزن والقافية ، فتمنع المنصرف مثلا ، لا تنونه ، كقولها :

بلادنا قربانها .. شموع من دموعنا

فحق " شموع " ان تنون ، ولكن الوزن عندئذ لا يستقيم .

وواضح ان هذا ناتج عن احراج الوزن والقافية للشاعرة ، فهى لم توفق بعد الى امتلاكهما وترويضهما . أما قالب الشعر الطليق فهى اقدر على التصرف به ، غير ان نجاحها فيه قائم بالدرجة الاولى على جمال التصوير الفنى ، كقولها في قصيدة " فلالى "

الاعوام المهاجرة تتكدس

فى حقيبتى الرمادية

وتلمع فى الظلمة كذرات الموقد

عندما ينفخ فيه عجوز يتدفأ !

فالصورة متناهية لطفا واثرا فى النفس . الا ان الايقاعية في هذا الكلام توشك ان تكون مفقودة . والذين يقبلون عنصر الايقاع فى الشعر لا يكادون يعدون هذا الكلام شعرا وانما يلحقونه بالنثر .

ولكن من الظلم للشعر ان نعتبره محض ايقاع . فالشعر صورة ايضا وعاطفة وفكرة وتعبير خاص . وقصائد كلثوم عرابي الطليقة غنية بالصور وبايماضات التعبير البليغ ، وتجيش وراءها عاطفة وفكرة وتجربة فى الحياة .

ومع هذا لا انكار ان عنصر الايقاعية يوشك ان يكون مفقودا فى الشعر الطليق فى هذه المجموعة وواجب الشاعرة بعد اليوم ان تعنى بهذا العنصر وتحمل على شعرها الذي تجيده والذى اقدر انه سيبقى مجالها لاوفق والانسب اعنى شعرها الطليق

وبعد ففى مجموعة " مشردة " معدن شاعرية اصيلة موهوبة . ولسنا نسرف اذا انتظرنا لها نموا وتصعيدا فى مراقى الابداع ، الا انها تعرض عوارض من تلك التى توقف ادباءنا واديباتنا عند حد احتدام النفس او تقلب عليهم الشعور بالوصول والاكتفاء . ويحسن بالشاعرة ان تقوى فى عزفها بعض النغمات المضيئة . ألم تقل :

كالمهاجر فى طريق الشمس

محترق . يجف عرقه

ولكنه يتلهف

ليلتمس خيط نور !

فمزيدا ايتها الشاعرة من الشمس خيط النور لتنطلق قصائدك بعد اليوم من سوى " العالم الضرير " .

اشترك في نشرتنا البريدية