الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات، مشموم الفل

Share

عندما رأيت البشير خريف لاول مرة فى أواخر 1958 عند زيارته لاسرة " الفكر " فى لقائها الاسبوعي بنادى قدماء الصادقية ، وعرض قصته " حبك دربانى " أو " افلاس " للنشر تباعا على صفحات المجلة ، لم أكن أعرف عنه شيئا ذا بال ، اذ لم يسبق له ذكر فى الصحف الادبية ولا اشتهر بعمل ضمن النوادى والجمعيات الثقافية ، أو استقطب حوله نخبة من الطلبة والمريدين بفضل نشاط جامعي أو اشعاع مدرسي . ذكرت فقط أن أخاه مصطفى خريف ، صاحب ديوان " شوق وذوق " - رحمه الله - حدثني عنه ذات يوم من ستة 1957 مشفقا ان تنهار أعصابه وتضيع مواهبه الادبية بسبب عمله المرهق كمعلم بمدرسة نهج النفافتة المهنية للفتيات

وبدأ يتلو مخطوطه فى حياء وحماس معا . وما كاد يبدأ الحوار بالعامية وتترى الاشارات الى البيئة التونسية والسمات القومية حتى تضاحك البعض وتهامس آخرون . وكانت دقائق حرجة كادت تقع فيها القطيعة ، لان البشير خريف يجمع بين قوة الشخصية والثقة فى النفس وبين فرط الحساسية والشعور المرهف بالكرامة . وخشيت الصدمة والصدام فتسلمت النص ووعدت بقراءته وتقديم تقرير عنه .

والواقع انى ما كدت أطالعه مساء ذلك اليوم حتى جذبني له انجذابا وشدنى اليه شدا فما زلت به حتى فرغت منه دون توقف . لقد وجدت في " حبك دربانى " فنا ذا كثافة ورونق وصفاء ، وقصة زاخرة بأسباب التشويق ، خالصة من شوائن التكلف والتزيد . ولمست زواجا رائعة بين

التحليل الذكى العميق والكلمة الصائغة الرشيقة ، بين الوصف المشرق والملاحظة والروح الانسانية الرفيعة ، فآمنت بأنى ازاء أديب بالسليقة أسعفته الملكة واكتملت لديه التجربة وتوفرت له الادوات فصور مما أحس به واعتلج في نفسه وتجاوب مع وجدانه فى أمانة ودقة ولطف وباسلوب ينطق على السجية ويطفح بالسلاسة وخفة الروح فيملك لب القارىء ويشيع فيه المرح ويحمله كذلك على التأمل فى النفس والوقوف على أحوال الناس والمجتمع .

وأثار نشر هذه القصة على صفحات الفكر حفيظة بعض الاساتذة الذين يمسكوا بالقواعد والقوالب وأغفلوا الحياة فظلموا من يخلقون ويبدعون ويجددون فكالوا له الانتقادات كيلا وعدوه من " شرذمة المتطفلين على الادباء والمذبذيين " وذكروه بقول ابن رشيق القيروانى : ان الادب اهون ما يكون عن الجاهل وأهول ما يكون على العالم . . . ولكن البشير خريف صمد أمام نقعر المتقعرين وشك المتشككين ولم يحفل بسوء الادب ازاء الادب الحق ولا انساق مع من اشتبهت عليهم القيم والمسالك .

وسررت كثيرا عندما قدم البشير خريف ترشحه لنيل جائزة " على البلهوان " البلدية سنة 1960 ، فأرسل بمخطوط " برق الليل " لانه بذلك اقام الدليل على رباطة الجاش ومضاء العزيمة وبرهن على طول النفس وتواصل الجهد ، ورفض الانحناء أمام دعاة العجز والهزيمة وضحايا الانبتات الثقافي ، الذين لا يعتمدون الا المقلد المستعار من المقاييس الذوقية والقواعد الادبية والفنية وزاد سرورى عندما فاز صاحب " برق الليل " بالجائزة .

وأشهد للتاريخ - بعد مرور احد عشر عاما بوصفي رئيس اللجنة الثقافية لبلدية تونس حينذاك وبالتابع مشرفا على الهيئة المسؤولة عن هذه الجائزة . أن الامر لم يكن ميسورا لان بعضهم استهانوا بهذه الرواية التاريخية وتسرعوا فى الحكم عليها دون أن يحاولوا الافلات من قيودهم المدرسية ولو استقام لهم ذلك لكرعوا من روائها الشعرى وتفاعلوا مع شخصياتها فى عظمتهم وحقارتهم ، فى آلامهم وآمالهم ، فى قدرتهم وعجزهم ، فى توقهم الى الاعلى والاجمل ونزوعهم الى المطلق ، ولوجدوا فيها لمسات انسانية خالدة لانها صورت كأحسن ما يكون التصوير العواطف والخلجات البشرية الصميمة العالقة بالكيان الانسانى مهما اختلف المكان وتعاقب الزمان . فهي كغيرها من قصص البشير خريف قصة تونسية انسانية يدل على ذلك نجاوب الشعب مع الحلقات الاذاعية المقتبسة منها . ولو كتب لها أن تكون

موضوع شريط سينمائى وتظفر بالمخرج المقتدر لكان لها صدى بعيد يتجاوز حدود بلادنا بدون منازع .

وواصل البشير خريف انتاجه ونشرت له " الفكر " أثناء الاعوام العشرة الفارطة غالب القصص التى جمعها فى " مشموم الفل " الذي أتشرف اليوم بالتقديم له .

وصدرت له منذ حوالى سنتين - بعد مجهودات شاقة وتمشبات متوالية أعرفها حق المعرفة ولعلى شاركت فى بعضها بقسط متواضع - رواية طويلة بعنوان " الدقلة فى عراجينها " فكانت تتويجا لاكثر من عشرة أعوام من الجهاد الادبى والمعاناة الفنية دخل البشير خريف - بعدها - عالم الادب من أوسع أبوابه وأخذ مكانته المرموقة بين رجاله الافذاذ .

وان فيما سبق لعبرة لمن يريد أن يعتبر من بين القصاصين التونسيين الشبان الذين أعتقد ان تباشيرهم اووفر وأوفى من تباشير الجيل السابق الذي كان له على كل حال فضل الريادة والسبق . انهم قد يكونون محقين فى تمردهم على قصص من سبقهم ، ولا أقصد بالضرورة ادب البشير خريف ، وعزمهم تجاوزه مضمونا وشكلا . الا انه لا بد لهم أن يذكروا أمورا أهمها :

* أن البشير خريف كان فى الستين - وفي مقدمة نخبة من الأدباء نائرا بدوره على القصة القديمة ناقما على فنياتها العتيقة وقوالبها الجامدة ، خائقا لغلة حية جديدة ، واهبا الكلمات شحنة وجدانية موجية ومحتوى ذهنيا طريفا .

* وانه لم يقلد الغير ولا انبهر بالتيارات الحديثة المستوحاة من بيئة يمير البيئة التونسية ، ليقال انه منسجم مع أقرب المدارس الادبية الى روح العصر وأصقها بالطبيعة والطلائعية

* وهو - لئن طالع كثيرا وتغذى بأشهى ثمرات الثقافة الغربية والشرقية - لم يرض بالتبعية ولا ظل مشدودا يبصره ووحدانه وعقله الى الشمال أو الى الشرق بل نظر الى نفسه والى مجتمعه واستمد تجربته من تونس ، من البيئه التى عاش فيها طول شابه وعاشرها معاشرة الصدق وأحبها وأخلص اليها كأصفى وأروع ما تكون المحبة والاخلاص

وهذا معناه ان قصص البشير خريف ليست من النوع الذى ينعته البعض بالفلكلور أو الادب الاقليمي الضيق لانه يتجاوز الالوان المحلية والاطار المحدود وينفذ الى صميم الانسان ، فهو يحب تونس محبته للانسانية ويؤمن بها ايمانه بنفسه ، ويشع فيك هذه المحبة وهذا الايمان ويعرفك بنفسك وبخصائص وطنك معا ، وهو مع هذا يغذيك ويمتعك ويدفعك الى التأمل فى منزلتك .

وليس معنى ذلك أن أدباءنا الشبان مطالبون بالبقاء فى فلك البشير خريف والتقيد بمدرسته أو بأية مدرسة أخرى ، بل ان فى الابتعاد عنه اخلاصا له وبرا به . ولكنهم اذا راموا الاصالة وطمحوا الى الادب الكبير فهم مضطرون إلى رياضة أنفسهم على خصاله : الثقة فى النفس ، ورفض الولاء للاغبار وتحاشى " الخيانة " الحضارية ، والايمان بأننا على قدم التكافؤ الوحدانى والذهنى مع الاجانب ، ومضطرون أيضا الى استيحاء قصتهم - وأدبهم بصفة عامة - من تونس بقطع النظر عن النمط الفني الذى يختارونه فى كتابتهم ، بحيث يصورون خصائص بيئتهم ويستمدون أحداثها من محيطهم ويكونون فيها امناء لروح شعبهم ونظرته للوجود ويعمقون انسانيتهم من دون سباحة فى الوهم ولا شطحات فى الزيف .

ولا عليهم اذا هم نالتهم - بعد ذلك - التهم ، وقسا عليهم النقاد ، وظلمهم نفر من الاساتذة " والاختصاصيين " فطريق الخلق اللفني الحق محفوفة بالاشواك ولن بني الادب التونسى الاصيل الا بفضل المؤمنين القادرين على لتضحية أى على البذل والعطاء . ومن هدا كان الادب الاصيل من نوع الملحمة لانه جهاد مضن ومخاض هائل وتجاوز متواصل وخلق مستمر للذات وتقسم متجدد للكون وتنغيم لاشواق الوجود !

ولعلى ابتعدت عن القصد من هذه المقدمة اذ قدمت المؤلف اكثر مما درست التأليف واكتفيت بالكشف عن جوانب من قصة ميلاد الروائى البشير خريف دون الغوص على خصائص انتاجه ، وحسبه فضلا أنه بعد المساهمة الحاسمة فى بعث القصة التونسية بعثا غداة الاستقلال وربط الصلة مع على الدوعاجي الذي يعتبر الرائد الاول فى هذا الميدان قد دعم الايمان بالادب التونسي الصميم وهبأ السيل لجبل السبعينات الطموح كى يركز هذا الفن الطارف من فنون الادب ، ويبوىء القصة التونسية المنزلة اللائقة بين اداب الامم الأخرى .

ألا ترى أن قضية " المذهب " ثانوية فى آخر الامر ؟ وان الاهم هو قبل كل شئ ظهور القصاص الاصيل والاديب الكبير ، وهما اللذان يفرضان الاتجاه المتميز ويوحيان للنقاد والدارسين بالمذهب " الجديد " . كما أن الاهم فى اللغة هو الخلق والابداع وما يودعه الكاتب المقتدر فى الكلمات والعبارات من جديد المعانى وطريف المقاصد وحتى المضامين بحيث يبقى للمجامع والاختصاصيين التقعيد والتقنين و " تسجيل ما اشتهر والاعتراف بما فرض نفسه واستقر " !

وبعد فلئن اقتضى الحكم النزيه مجالا بصريا كافيا وابتعادا في المدى الزمنى فانى مقتننع بأن قصص أخينا فى الادب البشير خريف أصيلة وليست وافدة أو مستوردة ، وانه واحد من أولئك الذين ينهض بفضلهم الادب التونسى ، لا فقط بما ألف ونشر ، بل كذلك بما لا يزال يخلقه ويواصل معاناته فى شتى أبواب الادب ، لاني أنزهه من الغرور بما أفاءت عليه قصصه المنشورة من مجد وخلعت عليه من شهرة ، وأعرف أن من اضطرمت فى نفوسهم النار المقدسة لن تأتي على همتهم صروف الدهر العاتية وشؤون الحياة الزائلة

أما مشموم الفل ، فانى افضل أن يتشمم القراء شذاه مباشرة !

( أفريل 1971 )

اشترك في نشرتنا البريدية