اتفق النقاد والقراء على أن نجيب محفوظ أكبر كاتب روائى فى المنطقة العربية بأسرها . . وازدادت شهرته فى هذا المجال حتى كادت تطغى على أعماله الادبية الاخرى .
والحقيقة ان نجيب محفوظ فى الوقت الذى كانت أضواء المسرح تجتذب اليها الطلائع من كتاب المسرحية والقصة القصيرة ، ظل هو مخلصا لفنه الروائى بناضل من أجل أن يقدمه كأروع وأجمل شكل من أشكال التعبير . . ورغم المكانة التى يتمتع بها نجيب محفوظ فى عالم الادب عامة بحكم أعماله الجادة فى مجال القصة القصيرة ومحاولاته الصائبة فى ميدان المسرحية . . رغم كل ذلك قال فى احدى المناسبات بكل تواضع :
" أفكارى تجد نفسها فى القصة دائما . . ولكن لا مانع أن أرتاد المسرح رغم انه كان يجب أن أعد نفسى له اعدادا مناسبا بما لا يقل عن ربع قرن " .
ولعل كلمته هذه بمثابة الجسر الحصين للعبور من الشكل الروائى الى الفنون الاخرى المناسبة للعصر . . وفى هذا الصدد يقول البعض أن نجيب محفوظ رسم لنفسه خطا منطقيا لامتداد تطويره الفنى . . ومن المعروف أن نجيب بدأ حياته الادبية بالترجمة ، ثم الرواية التاريخية ، الى أن أصبح مدرسة للابداع الروائى . وهو حاليا يقوم بجولات رائعة فى ميدان القصة القصيرة - التى هى موضوع مقالتنا هذه - وانه قد ينتهى حتما الى المسرح .
أما ما أريد أن أقوله على وجه التدقيق ، هو أن نجيب محفوظ ليس أكبر روائى فقط ، بل انه أكبر كاتب قصصى فى تاريخ الادب العربى . . وجزمى هذا ليس مبناه شهرة نجيب محفوظ المفرطة . . بل هذه حقيقة يلتمسها كل نزيه يصير يقرأ أى لون من الادب القصصى كتبه نجيب محفوظ . .
وفى السنوات الاخيرة حينما عرضت بعض أعمال نجيب محفوظ على المسرح قال البعض : " ان نجيب محفوظ كاتب مسرحى ، فهذه ظاهرة تستدعى النقاش ولم يطل النقاش حتى قال الدكتور على الراعى : " فى ثرثرة فوق النيل . . يغازل نجيب محفوظ الروائى فن المسرح غزلا شديدا " . .
على كل حال ان قرائتى لقصته الاخيرة " تحقيق " التى ظهرت فى آخر السنة المنصرمة ، فى جريدة " الاهرام " . . هذه القصة هى التى جعلتنى - أكثر من غيرها - أقف فى اعاب مذهل أمام خيال هذا الكاتب العبقرى . . واعتقد أن كل من انتهى من قراءة هذه القصة بالذات ، ويحاول مثلى أن ينظر اليها نظرة وهو مغمض العينين يجدها حتما تحفة فنية ، متناسقة الشكل ، منطقية الاحداث رغم العقد المتلاحقة التى تبتدى من الاسطر الاولى ، وقبل أن تنحل عقدة تتولد ثانية . . الى آخر القصة التى تختم بالعقدة الكبيرة ، والتى تفرض عليك - رغم انتهائك من قراءة القصة - ألا تترك بطلها يتخبط فى مصيره وحده ، وتجعلك تلك العقدة الكبيرة تبحث وتفكر فى آلاف الضحايا الذين كان مصيرهم شبيها بمصير " السيد عمرو " بطل قصة " تحقيق " .
قبل التعليق والخوص فى أعماق قصة " تحقيق " يجدر بنا أن نعطى صورة لمن لم يسعفه الحظ بقراءتها . . القصة مليئة بالمفاجآة المتلاحقة . .
" السيد عمرو موظف جديد باحدى الوزارات . . كانت له علاقة غرامية مع زميلته " لطيفة " التى تسبقه عهدا فى هذه الادارة بعشر سنوات . . وذات ليلة وبينما كان زوج لطيفة فى سفر . اتفق عمرو ولطيفة على قضاء ليلة فى بيت الزوجية . . وبينما هما فى أسخن فترة من لقائهما ، واذا بالباب طارق . . اضطر عمرو للاختفاء تحت السرير . . وبعد دقائق ثقيلة لحظ " عمرو " من مكانه رجلا يدخل الغرفة فى هدوء ويتجه نحو الصوان ويفتحه ويقف أمامه دقيقتين ، ثم يمضى نحو الباب فى هدوء كما جاء . . كل ذلك كان يلاحظه
" عمرو " من تحت السرير وهو يتابع الحذاء الابيض ذا السطح البنى الذى يلبسه الرجل . . ومن الاشياء التى حيرت " عمرو " وهو فى ذلك المكان المخنق أن لطيفة لم تدخل مع الرجل الى الغرفة "
وبعد ما خرج الرجل المجهول ، أحس " عمرو " بالصمت العميق الذي يملأ البيت فشجعه على أن يخرج رأسه فى حذر كالسلحفاة . . حينما خرج " عمرو " من الزنزانة فوجئ بما أذهله ، وجعله يغادر البيت فى وثبة جنونية دفاعا عن النفس فى مغامرة مرتجلة يائسة . .
ترك " عمرو " مع جثة لطيفة . زجاجة الكونياك وعلبة الشيكولاته ، التى أبقى عليهما آثار بصماته بلا حساب ولا حذر . . . "
وهكذا تمضى أحداث القصة لتقدم لنا صورة لموضوع كبير الخطورة ، دقيق الحساسية ، رقيق الخبوط ، الى حد أنك لا تجد له ذيولا . . وقد بسط فن نجيب محفوظ جناحه ليحميه من انتلاشى ، ويجعله بارزا فى اطار ناصع ، فأحاله الى قضية تنبض بالحياة . .
الموضوع الكبير الخطورة هو :
كيف أن شخصا ما تتجمع حوله شبهات جريمة ، وقد ترتكز هذه الشبهات على جزئيات ثانوية مثل " زجاجة الكونياك وعلبة الشيكولاتة " وقد تتدعم هذه الشبهات الى حد اليقين . . وهكذا ترتكب جريمة ثانية نحو شخص فى الواقع برئ من التهمة . . " فأى قوة يمكن أن تدفع عنه التهمة أو تنقذه من حبل المشنقة مهما انكر واصر على الانكار ؟ . . " . . سوف يندفعون جميعا كالسكارى فى طريق الضلال ليرتكبوا جريمة أخرى . وقد جاءهم صاحب الحذاء بقدميه ولكنهم يتساءلون عن صاحب الخمر والشيكولاتة " . . " وثمة نسيان جاحد يسدل أهدابه على لطيفة ومأساتها ، وهو الوحيد الذى يعترف فى خفاء بذكرياتها " . بل ان " عمرو " يظل وحده يصارع قوى الظلام والغموض التى تحيط بالجريمة . .
هذا هو المجرى الرئيسى الذى يتدفع فيه تيار هذه القصة . . وانها تنتهى بنهاية قاتمة بالقبض على " عمرو " البرئ من جريمة القتل . . على انه هو القاتل الوحيد حسبما وصل اليه اجتهاد تحقيق النيابة . .
نعود إلى أدب نجيب محفوظ . . واذا كان قد جعل أهداف رواياته قومية وطنية منذ رواياته التاريخية . . وعرفنا كيف أن هذه الاهداف كانت تزداد متانة ووضوحا فى ثلاثيته الشهيرة ، وكذلك مع كل من رواية " اولاد حارتنا " و" القاهرة الحديدة وميرامار " الى غيرها من الروايات التى صورت بأمانة واقع مصرفى الربع الثانى من هذا القرن .
نجد مع مواكبة تطوير وتغيير شكل التعبير من الرواية الى القصة القصيرة كذلك نجد نفس التطوير والتغيير فى مضمون العمل نفسه . .
فقصة " تحقيق " ليست من مشاكل مصر وحدها . . ان المشكلة المعروضة فى هذه القصة ، أستطيع أن أقول أنها من المشاكل الازلية . . تتكرر منذوضعت على هذه الارض القوانين . . ولكن للاسف الشديد ما زالت تتكرر الى الغد . . وان لم ينفع جرس " قصة تحقيق " من يهمهم الامر . . فكلمتى الاخيرة لست للصم ، بل لنجيب محفوظ . . أطالبه أن يفجر القنابل قرب آذنهم لعلهم ينتبهون فيحتاطون .
