الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات، من تاريخ الامثال . . .

Share

قديما وحديثا يعتنى الافراد والجماعات بتدوين اخبارهم ومشاهداتهم التاريخية ، ووقفاتهم الشعرية ، وخطبهم الحماسية . . تخليدا لمآثرهم وربطا للأعصر ببعضها لتكون الصلة وثيقة بين القديم والحديث والمستحدث ، واضحة المعالم فى تطورها ونموها . . .

وكانت مشقة كبيرة تواجه هؤلاء الجامعين والمدونين ، لأنها كانت تعتمد قديما على التنقل لمشافهة الناس ، واخذ الرواية عنهم ، وقد تيسر الجمع والتدوين الآن لتوفر البحوث والكتب . . . لكننا نسير فى جانب من هذه التدوينات على النهج القديم ، معتمدين التنقل والترحال ، والاحتكاك بالأفراد لتلمس الاحداث منهم ، وما يدور على ألسنتهم . .

وتبدو هذه الظاهرة حية لازمة ، عند كل من أراد ان يسجل خواطر الجماعة وما تنطق به قرائحهم وما تعالجه مجالسهم . . ومن هنا يأتى عمق هذا المجهود والصعوبة التى واجهها اناس كثيرون فى كافة الاقطار العربية عندما درسوا امثال امتهم وشرحوها وبسطوا القول فيها ، حتى تعمق بعضهم وربطها بغيرها او ارجع بعضها الى أصله العربى الفصيح ، وبين وجوه الشبه بين هذا وذاك من الامثال التى فصلت المسافات بين قائليها .

ولا يخفى ظهور بعض العيوب على فريق من هذه المجاميع كالتى أغفلت جانب شكل الكلمات وتحريكها ولم تتحر نطق الصوت والحرف اللازم نهجة عند تدوين هذه الاشياء . والامثال احدى ظواهر المجتمع فى عاداته وتقاليده ،  فقيمتها التاريخية لا يمكن ان نتغافل عنها لأنها ولا شك تقدم الصورة الواضحة عن تفكير تلك المجتمعات وما يسودها من صور الحياة وسبل العيش . . . وهي في صيغها وألفاظها تبرز اتجاه الأمة ومعالمها اللغوية وتأثرها بالتيارات التى عبرت محيطها او غزت ارضها ، لهذا كانت الأمثال خاضعة لقاعدة التطور والاحتكاك فيموت بعضها ويحيا الآخر وقد يكون متغيرا متطورا . .

ومن هذه الناحية كانت دراسات الظواهر الاجتماعية جديرة ان تستند على هذه المجامع لتلم بالصورة الصحيحة لمجتمع ما .

وليس بدعا اذا قدم لنا مؤلف كتابا فى الامثال ، فتلك سنة قد نهجها القدماء ابتداءا بالميدانى فى كتابه مجمع الامثال ، ثم سار القوم على غراره حتى العصور الحديثة التى شغفت بهذا الجانب المهم من تشخيص المجتمعات وتسجيل آثارها .

لكن من اللطيف ان يطالعنا كتاب الامثال البغدادية للشيخ جلال الحنفى البغدادى الذى هو استمرار لقضية الجمع القديمة فى صورة جديدة حديثة ، لقد كان المؤلف مسبوقا بعدة كتب كبيرة وصغيرة ضمت امثالا بغدادية واخرى موصلية وغيرها الا انه استفاد من سابقيه ايما استفادة ولاحظ حوانب الضعف التى ارتكبوها فتحاشاها ، كشكله لكلمات المثل ومراعاة نطقها الشعبي السليم والتعرض لتعدد رواياتها وشرحه للمعانى باللغة الفصيحة لتكون الفائدة أعم والمجهود أكمل وبهذا فقد طمس مجهوده الكبير خطوات سابقبه ، أضف الى ذلك نهجه القويم فى تصنيف محصوله وتقسيمه على الحروف الأبجدية تسهيلا للباحث والمراجع . . .

واذا اردنا ان نعرف مدى عمق هذا الجهد الذى بذله المؤلف في ابراز كتابه علمنا انه اهتم به منذ زمن بعيد وقد حدثنا فى المقدمة انه ابتدأ الجمع سنة 1935 ثم ضاع محصوله هذا فى مصر سنة 1939 - كشأن غالب المخطوطات - فأعاد العزم والجمع والاستقصاء حتى تكاثرت امثاله فبلغت ثلاثة آلاف مثل فبادر بطبع الجزء الاول منها ، وهو الذي ستحفل به المكتبة العربية بعد ايام . .

وما خفى هذا العمل المثمر عن معالي الشيخ محمد رضا الشبيبى عميد رجال الأدب فى العراق ، فقدم الكتاب مقدمة مستفيضة قيمة تعرض فيها لعمق الامثال واعتناء العلماء بها قديما وحديثا لانها ( عنصر من عناصر الادب وثروة لغوية كالشعر والخطابة وغيرهما من فنون الكلام ) .

وأنى أكبر الجهد اللاى بذله المؤلف فى تخليد هذا الرصيد الهائل للمجتمع البغدادى بتدوينه ، مكبرا فيه تلك الروح الباحثة المنقبة التى دأبت على الدرس والمثابرة ففاضت آثارها فى كتب كثيرة ومقالات عديدة وقصائد شتى . . ولا يسعنى المجال هنا لذكر ولو نبذة قليلة من آثاره لان فى ذلك تجنيا على

أدبه وهضما لحقه ، انما همى ان انقل اعجابى للآخرين بهذا الكتاب القيم الذى جاوزت صفحات الجزء الاول منه ( الثلاثمئة صفحة ) مع حسن التنظيم والتتبع الشامل للمعانى والتحرى العميق للموضوعات ، حتى بلغ شغفه الى مقارنه بعض الامثال ببعضها من كافة الاقطار العربية وذكر ما تشابه منها فى اصقاع اخرى ليقف عندها الدارس الاجتماعي يوما ملاحظا تشابه المجتمعات وتقاربها حتى في امثالها العامية ولغة الافراد الشعبية . . .

اعترافا بفضل هؤلاء العلماء كتبت هذه الكلمة القصيرة المتواضعة ولقصد الاستفادة من هذه الخطوات الثابتة التى تعرفت عليها حبرت هذه السطور ، ثم لبيان قيمة هذا الجهد الذى يعتبره البعض شيئا بسيطا ما حق لاقطاب العلم ورجال الرأي ان يعالجوه ويجتروا القول فيه . . . وانى أومن انه جدير بالدرس والبحث والتسجيل وهو عمل جماعى كبير لا يستطيع خوض غماره الا من توفرت له ادواته العديدة الصعبة المنال . واذ اقول هذا فانى اشير إلى ذلك الإعتراض الذي وجه للدكتور الطاهر الخميرى فى اعتنائه ب ( قاموس العادات والتقاليد التونسية ) ونشره حلقات مسترسلة فوق مجلة الاذاعة التونسية ، وأملى متين فى ان يستمر الدكتور الخميرى فى جمعه وبحثه مهملا تلك الاعتراضات التى قد تكون البراءة دافعا لها او سطحية الرأى وسذاجة الحكم ، واتمنى ان يطلع الدكتور الخميرى على نسخة من هذا الكتاب ليتحسس خطوات غيره ، وهذا ما وعدني به المؤلف نفسه من اهدائه نسخه له عند انتهاء الطبع ، وقد اورد اسمة في مقدمة الكتاب من ضمن الباحثين الدين  عنوا بمثل هذه البحوث . .

واتماما للفائدة ليسمح لى الدكتور الخميرى بهذه الملاحظة البسيطة حول ما ينشر وهي أنه من الانجع ان يشكل الكلمات التى يستعرضها وكذلك الامثال التي يتطرق اليها - غالبا - حتى يسهل على التونسى عامة وغيره خاصة التلفظ بها على وجهها الصحيح .

اشترك في نشرتنا البريدية