الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات، من وحي الفكر

Share

أخي الفاضل ، (*) لست من الذين يعرف إليهم الكتاب ، فقد عرفتنا به . ولكنى أود لو ألح على أهميته الموضوعية :

هذا الكتاب لن يسترعى انتباه القارىء العادى فى بلادنا ، لأنه لا يمشى على حبل ! ليس فيه للبهلوانية اللفظية أو الفكرية نصيب وافر أو قليل . هو مذكرات شعب كتبها شخص واحد جمع بين حرية الفكر والتزام المناضل . هذا الجمع أبطل ضرورة الاختيار ( ALTERNATIVE ) التى أنتجت - خطأ - من نسميهم عادة بالمتطرفين . من هذه الوجهة يعد الكتاب انتصارا فى البلدان النامية عموما .

وهو - إن نال حق قدره فى تونس - مرجع فريد للبحث الاجتماعى والتاريخى وحتى اللغوى . أسوق لك أمثلة لا يسعنى الوقت العجول لحسن اختيارها : يجد العالم الاجتماعى مفاهيم إيحائية بنى عليها الهيكل الاجتماعى التونسى :

المثلث التاريخى : اللغة والدين والوطنية . البعدان الأولان كثر فيهما القول . أما الثالث فمعروض فى الكتاب بشكل يدعو الى التأمل الفاحص القوى . أول سؤال يتبادر الى الذهن : كيف السبيل الى التوفيق بين تأكيد الشخصية التونسية ومتطلبات العروبة أو الأمة الاسلامية ، بين " الوطن الأصغر والوطن الأكبر " ؟ ذكر الاستاذ مزالى عوامل عديدة وملابسات دقيقة على القارىء أن يقف عندها . . .

العربى بين الأصالة وأسطورة الغرب : نلاحظ هنا أن كاتبنا قاوم الأسطورة ولاءم بين معطيات المفهومين . أن يتفتح العربى للغرب مع الحفاظ على ذاتيته ( رأس ماله القار ! ) ذاك ما يمكن الاتفاق معه عليه .

الانتقالية الاجتماعية : من الشهادة على المجتمع والعصر أن يقول سياسى مثقف عام 1968 : " من مميزات المرحلة الانتقالية التى تعيشها بلادنا التباس السبل واضطراب التحليل عند الكثير من الناس وحتى ( ولعله يريد أن يقول وخاصة ) عند بعض المثقفين " . بهذه المناسبة يمكن أن نتساءل عن اختلاف التسمية والمسمى واحد : شمال افريقيا . . . المغرب العربى . . المغرب العربى الكبير . والاجابة العلمية تطرح محض الصدفة . .

الظواهر الجديدة : مكانة الشباب والايمان بمستقبله . أهمية الاقتصاد الاشتراكى . فعل الديمقراطية . . . إذا وضعت هذه الأفكار فى خط تاريخى دلت على رغبات أمة بل أمم .

وللمؤرخ أن يرتب فى الزمان هذه المفاهيم ويبحث عن قرائنها الموازية لها سياسيا واجتماعيا ودينيا واقتصاديا الى غير ذلك . له أن يقارن مثلا بين ما سميته المثلث التاريخى بمقتضياته الحاضرة وبين هذا التصريح " هذه الأمة تقوم على ثلاثة أركان : الملك والشرع وجامع الزيتونة . يحفظها الصغار عن الكبار وستتناقلها عن بعضها ( البعض ) . وأما الركن الرابع فمعلوم للجميع وهو الحبس " " المجلة الزيتونية ، نوفمبر 1955 ، ص : 428 " أما اللغوى فمادته فى الكتاب وافرة أيضا : سيجد تطورا واضحا - بين دفتى كتاب واحد - لبعض المفردات والتعابير . وله فى ذلك أقوى شاهد على أن اللغة ليست الا تعبيرا عن معطيات حية . لينظر - مثلا لا حصرا - فيما تفيده كلمات : الأدب ( بالنسبة للقديم ) والتمشرق والتمغرب والوطنية والقومية والأمة والعروبة والالتزام ( الدين لا يفيد نفس المعنى فى بلدان أخرى ) . هذه الكلمات - على عكس ما تفيده ظاهرا - لا تخلو من التباس لا تذكره القواميس المعروفة عندنا .

ترى معى من خلال هذه الأمثلة القليلة المعروضة جزافا الى أى حد يمكن الباحثين أن يستثمروا هذا الكتاب استثمارا علميا مركزا . بقى أن نقول : كيف يكون ذلك . طبعا لكل فرع منهجه . وأهل مكة أدرى بشعابها . غير أنه ينبغى بدءا احترام بعض الاعتبارات الأولية يهملها القارىء العادى عادة :

أشرت فى تقديمك - بحثا عن التوازن - الى أن الكتاب " كل " وود الاستاذ مزالى " أن ينظر القارئ إلى الكتاب بوصفه كلا متكاملا ... يكمل بعض ( مقالاته ) بعضا . . . " . أعتقد - دون تبذير فى الكلمات - أن هذه

" الكمالية " تعلن الثورة فى ميدان النقد الأدبى فى تونس . وكلنا يعلم أن نفس المفهوم قد غير نظرة الناس الى انتاج الذهن البشرى منذ خمسين سنة على الأقل . فبعد دور كهايم ومن معه من الأتباع طالب مارسال موس ( M. Mauss ) باعتبار الانتاج الثقافى ( بالمعنى الشامل للكلمة ) ظاهرة اجتماعية كلية ( Fait social Total ) لأن العناصر المتفرقة فى مستويات مختلفة تعدم دلالتها حال عزلها عن البناء العام الذى برزت فيه . وقد استغل غيرفيتش ( Gurvitch ) بعد ذلك هذه الصورة ليشيع فى الناس ما يسميه بالتحليل  عمقا ( Anlyse en profondeur ) . ثم كان لهذا المنهج الاجتماعى تأثير متأخر على الأدب فظهر علم الاجتماع الأدبى الذى انعقد له أول ملتقى عالمى فى برووكسيل بين 21 و 23 ماى 1964 . ولم يخف عن المعهد التطبيقى للدراسات العليا بباريس أهمية هذا العلم فخصص له حصة يحضرها جمع غفير . وقد يكون لانشاء دروس مماثلة بجامعتنا يلقيها أساتذة الأدب العارفون بعلم الاجتماع أو أساتذة هذا العلم المتصلون بالأدب فاعلية كبرى فى إثراء المادتين معا وفى إصلاح النقد وتوسيع آفاقه .

لقد قرأننا وسمعنا من يرجع زهديات أبى العتاهية إلى زهده الشخصى واضعا كل ثقته فى نوادر أبى الفرج وتشاؤم المعرى إلى فقد بصره وجرأة الحداد إلى كفره وما شابه ذلك من الكيل ! بل أذكر لك نادرة كنت ذكرتها فى الفكر قبل ست سنوات : قرأ أستاذى - عافاه الله إن كان حيا وسامحه - بيتا لطرفة وطلب أن نستنتج . أجاب أحدنا : نستنتج من هذا البيت أن عنق ناقة طرفة طويل جدا ، قال الاستاذ : أنت أحسنت جدا ، ثم انتقل الى البيت الموالى . هذا النوع من الدراسة للادب أنتج أجيالا من القراء والنقاد ...

على هذا الأساس قلت لك إن كتاب الاستاذ مزالى لن يهم القارىء العادى . هذا القارىء الذى يدخل عالما من " المواقف الواضحة الصريحة يقفها صاحبها من كل القضايا القومية والإنسانية ثقافية كانت أو سياسية أو اجتماعية والتى تفرض نفسها على المثقفين فى ظرف معين وملابسات خاصة . . . " أعزل من ذهن ثقافى محلل مركب أو متحلل متركب كما يفضل ان يقول البعض . باختصار يجب متابعة الأبعاد المختلفة للنص ( والكتاب نص ) دون إهمال لشخصية المؤلف نفسه حتى لا ننتقل من الضد الى ضده . الكاتب كمن يسكن دارا . باستطاعته أن يصفها كما شاء أو يحدثنا عن أسلوب بنائها أو عن أهمية موقعها أو عن " فلسفتها المعمارية " ، ولكنه لا يبنيها بكلامه . الدار باقية على حالها . هذا - طبعا - بقطع النظر عما يقوم به المؤلف من أعمال تتجاوز الأثر الفنى .

من هذه الصورة المبسطة نستخرج - على أقل تقدير - عناصر ثلاثة لفهم الكتاب . أولا ، الموضوع : الاستاذ مزالى كفرد من المجموعة يقول على لسانها .

وبينهما علاقة جدلية شعورية ولا شعورية . العمل الاول اذا تحديد الموضوع الجماعى . فى نهاية الأمر المؤلف الفعلى ملايين البشر . كل التونسيين معا ... ثانيا ، بنائية الموضوع : وأقصد بالبناء مجموعة العناصر التى اذا أهمل بعضها تهدم كلها . هذا التأليف الذهنى يسلم بأن كل الهيئات الاجتماعية التى يشير إليها الكتاب أو كما يصورها ان كان موفقا منسقة البناء مربوطة بمعادلات على الناقد إيجاد ما جهل فيها . ( تواريخ ، حوادث داخلية أو خارجية تختلف طبيعة ودرجة زمانا ومكانا ) . وفى هذا عملية جد عسيرة لان المعادلة الاجتماعية لا تضبط مجاهيلها كالحسابية ... ثالثا ، وليس أخيرا - وظيفة البناء : اذ لا سبيل الى فهم الموجود دون تحديد غايته إيجابية كانت أم سلبية . وطبيعى أن لا ينظر الى هذه الغاية من ناحية اخلاقية أو سياسية . المقصود هنا منحى التطور الاجتماعى جملة . عندئذ يمكن اتخاذ موقف شخصى من الأثر بالمقارنة بين الواقع التجريبى أو الممكن وبين معطيات هذا الأثر المدروس .

و " من وحى الفكر " يعين الناقد الاجتماعى كثيرا على رسم تخطيط عام للمجتمع التونسى لأنه يقدم مجموعة كبرى من الارشادات ويتناول زمنا يمتد من 1955 الى 1969 حوفظ على تسلسله داخل كل فصل . واذا كنا - عجزا لا كسلا - لا نقدر على حصر المحيط الذى يجب وضع الكتاب فيه فعلينا أن نعمق التحليل ما وسعنا ذلك متجاوزين حدود الشكليات المخلة والقوالب القديمة .

واذا كنت أهملت عمدا الناحية الفنية ، وهى أيضا ذات صلة بالظروف العامة ، فلأنى أميل الى اعتبار " من وحى الفكر " مادة اجتماعية علمية . ولن يعثر أحد فى العلوم الانسانية على طريقة لا تهمل من المهم بعضه .

وأخيرا لا تعتبر هذه الملاحظات نقدا ، فالكتاب أبعد من ان تنصفه كلمات عابرة كما سيعلم كل من يتأمل فيه بامعان . .

اشترك في نشرتنا البريدية