الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات، ورقات عن الحضارة العربية بافريقية التونسية, (القسم الثاني)

Share

منذ عامين نشرت مكتبة المنار الجزء الاول من كتاب (ورقات عن الحضارة العربية بافريقية التونسية) للعالم الجليل الشيخ حسن حسنى عبد الوهاب فتلقته الاوساط الثقافية بشغف ولهفة واكبروا فى المؤلف همته التى لا تنى وعزمه الذى لا يفتر وعلمه الذى لا ينضب وبقينا على موعد مع بقية الدراسات الممتعة والاحاديث اللذيذة عن قصة الحضارة والثقافة فى تونس وها هو العالم الجليل يتحف التراث التونسى بكنوزه المكنونة ويجلو عن شخصيتنا الاصيلة ما علاها من غبار النسيان والشك، فقد ازدانت المكتبة التونسية منذ ايام بالجزء الثاني من ورقات الاستاذ حسن حسنى عبد الوهاب الذي اخرجته مكتبة المنار مثل الجزء الاول فى مظهر جذاب فجاء مشتملا على خمس وسبعين واربعمائة صفحة من الحجم الكبير انيق الخط والصور وحدثنا الشيخ فى هذا الجزء عن سوسة الاغلبية وعن الموسيقى وآلات الطرب وعن جزيرة قوصرة العربية وعن لطائف النوادر وطرائف الملح ونبهنا فى تصدير الكتاب الى ان حديثه عن سوسة الاغلبية مقصور على الناحية التاريخية دون العمرانية وقال:

(وقد توسعنا عند ذكر المعالم بنقل الاحداث التاريخية او تراجم بعض الرجال الذين كان لهم صلة بتأسيسها قاصدين بذلك زيادة الافادة وارشاد القارىء من خلال اخبارهم الى جانب مهم من الحياة الاجتماعية ومظاهرها فى ذلك العصر على انا لم نتعرض فى مقالنا هذا الى ذكر المحارس والرباط التي كانت بالمنستير وهى اعظم معاقل افريقية لانا وضعنا بحثا خاصا بها فى غير هذا ، ينشر قريبا بحول الله تعالى).

ولكن انى لقارئ الكتاب ان يرضى له وهذه الحدود الترسمها له صاحبه فى نواضعه المعهود ، والكتاب نبع ثر تتدفق فيه شتى المعارف وتفيض على جوانبه العلوم صافية غزيرة فما زلت تتنقل من معالم سوسة الاثرية وتحيا فى عصور بني الاغلب الزاهية حتى ترى قلم الشيخ يرسم لك الف طريق جديدة، فتارة

القيروان ورقادة والعباسية وتارة الى الاندلس الاسلامية الزاهبة وتارة احرى الى الجزر الايطالية وجنوب اوروبا حيث تضع حضارة القير وان على الغرب ولا اخالك الا ماخوذا بهذا الاسلوب الحي الذي بربك حياة الامس كانك بحياها فتعلم عن ادوات الكتابة فى افريقية وانتشار المصاحف وتنوع اساليب الخط ما يكفيك للالمام بالحياة الثقافية هناك ويعيد اليك ثقتك بحضارتك واصالتك ومجدك ويغذى خيالك بالوان زاهية من الماضى الذى تخاله اندو وإذا به ينبض بالحياة كانه الحاضر فاذا بك فى سوق الوراقين بالقيرواوان ويرجح ان يكون موقعها قرب جامع عقبة بن نافع وتدخل الى دكاكين الوراقين وبيونهم وتعلم من فنهم شيئا كثيرا ويعطيك المؤلف من ثمار خبرته ما لا يعرفه الا من باشر الكتب والاوراق وشغف بما فيها فحرص عليه وحماه من التلف فيقول:

(ولا نزاع ان الرق وهو الجلد المعد للكتابة والنسخ كان يكلف غالبا ولذلك ربما كتب فيه اولا ثم يمحى ويستعمل ثانيا وثالثا بعد ازالة ما رسم عليه من الكتابة فى أول مرة - وقد يكشف احيانا فى الرسوم الممحوة، إذا قرئت على ما هو اهم بكثير مما رسم على الرق بعد الكشط وعثرت شخصيا عل قطعة جليلة ما بين ضفتى الجلد المسفر به بعض الكتب العربية التى تقادم عهدها).

ويحدثك عن صناعة الورق المقوى او الكرطون وحشو اوراقها بعضها ببعض وعن فكها وحل الصعوبة التى تعترضك فى هذا الفك، واذا بك اثناء هذا الحديث تعرف نوع الحبر المستعمل والمواد التى كان يتركب منها، ولعل المؤلف لم يقصد الى الكلام فى الحبر ولكنك لا تزال تلتقط من هنا وهناك نفس اشاراته ما يغريك بالاستزادة فى لهفة قال عن فك الكرطون (فاذا ما حاول الانسان فك الاوراق المحشوة تعترضه صعوبة اللصاق فيحب عليه طرح التجليد فى ماء شديد الحرارة برهة من الزمان الى ان ينفسخ اللصاق وتنفصل كل ورقة على حالها فيحصل حينئذ المقصود ولا يخشى على الكتابة من الاندثار فى المصنفات القديمة القرن السادس وما قبله من القائها فى ماء حار اذ الحبر العربى القديم لا تمحوه الحرارة وذلك لمتانة المواد التى يتركب منها المداد كالصمغ العربى والعفص والزاج وما الى ذلك وقد جربت نفس العملية مرتين ففازت بالنجاح) اليس هذا تحقيق العلماء وتجاربهم فى سبيل الوصول الى الحقيقة وكثيرا ما تستكشف فى صفحات عن الكتابة وادواتها او الخط وانواعه ما يكون اهم من الكتابة والادوات والخط وانواعه - فالمؤلف يحدثك حديث العلماء فى كل موضوع يعالجه الا ان القارىء المتبصر لا يخفى عنه ما فى اسلوبه من غزارة وما فى اشاراته من دقة وفائدة ففي حديث عن الرق مثلا تستوقفك

مجالس العلم في القيروان وظروف التعلم فى تلك البيئة وما كان يعانيه طلاب المعرفة من العناء حتى كان طلب العلم اصبح من خصائص الطبقات الفقيرة فاذا ما اندس في الحلقة غني او امير فشبه بلباس الفقراء ويروى الاستاذ حسن حسنى عبد الوهاب حكاية طريفة (ومؤثرة) عن حضور ابى العرب التميمي احدى حلقات العلم وكان من ابناء الاسرة المالكة قال: اتيت يوما وانا حدث الى دار (محمد بن يحيبي بن سلام) فرأيت عنده طلبة العلم (علم الحديث) ورايت امرا اعجبني وركنت اليه نفسي فعاودت الموضع وكنت آتى اليه والطرطور على رأسى ونعل احمر في رجلي فى زى ابناء الامراء وكان الطلبه ينقبضون منى من اجل ذلك الزى فقال لي رجل يوما بجوارى لا تتزي بهذا الزى فليس هو زى طلبة العلم واهله وزهدني في ذلك فرجعت الى امى وقلت لها: البسينى رداء وثيابا تشاكل لباس اهل العلم والتجار فابت على، وقالت: انما تكون مثل آبائك واعمامك فاحتلت حتى اشتريت ثيابا وجعلتها عند صباغ فى باب ابى الربيع احد ابواب القيروان، فكنت اذا اتيت من القصر القديم (قصر الاغالبه خارج البلد) أتيت بذلك الزى الذى تحب امى ووالدى فاذا وصلت الى باب الربيع ودخلت حانوت الصباغ خلعتها ولبست الثياب الاخر، فكنت كلما ترددت فعلت ذلك فقال لي يوما رجل من اصحابى اراك تأتى هذا المجلس فتسمع في العلم ولا تكتب شيئا مما تسمع يكون عندك دائما ما هذه حقيقة طالب العد وقلبت له: والدى راغب عن هذا وما مكنني من شىء اشترى به الرق فقال لى: اذ اعطيك حلدا تكتبه لنفسك وتكتب لى جلدا عوضا منه فرضيت له بذلك فكنت كتب لنفسي ما شئت واكتب له فى جلوده ما يحب، حتى يسر عز وجل. اشتريت به الرقوق وما قويت به على طلب العلم)

وهكذا نرى ان الحهاد فى سبيل العلم كان يستلذه حتى اغنياء القوم لان اصبح من لوازم العلم.

اما الناجية الثقافية من هذا التاليف فلها وجهان اثنان اولا، هذا الحديث من محالس الادب والعلم فى القيروان وسوسة وصقليه والاندلس واساليه التدريس وادوات الكتابة مما افاض فيه المؤلف الجليل وذكرنا قسطا منه، ثانيا ما يمكن ان نسميه بـ "قسم أدبى" خالص تفرد به هذا الجزء من ورقات لسن موضوعه تاريخ البلاد وانما هو قطع متفرقة من كلام البلغاء والعلماء من ابناء افريقية ولا يخفى ما لهذا القسم من القيمة الادبية نظرا لطرافه اغراضه وبلاغة الفاظه، وكان للشيخ الجليل فضل جمع هذه النوادر المتفرقه وهو من هو علما بمظانها وسبرا لاغوارها فكانها هدية منها الى قرائه وهذا شان كل عالم أصيل يكد ويحد ويلقي بثمرة العمل الطويل الى الناس كما يرفع يده الى فيه وقديما قال الحاحظ: من التقط كتابا جامعا وبابا من امهات الكتب مجموعا له غنمه وعلى مؤلفه غرمه وكان له نفعه وعلى صاحبه كده، مع تعرضه لمطاعن

البغاة ولاعتراض المنافسين ومع عرضه عقله المكدود على العقول الفارغة فهذا القسم الذى نعده تراثا ادبيا كان مغمورا مقتطفات من مطالعات الشيخ الكشرة نجمعت له فلم يضن بها على غيره قال:

(كنت ايام الصبا، فى اثناء مطالعت لكتب التاريخ وتراجم الرجال وموسوعات الادب جمعت جملة وافرة من المواعظ الحكمية لاسلافنا الابرار مشفوعة بنوادر لطيفة مقتبسة من سيرهم واخلاقهم اعتقادا منى ان ذلك هو الادب وعصارته الشهد واذا كان الادب نوعا من الكشف عن نفس الانسان وحقيقة الكون فلم يخف على العالم الجليل ما فى هذه الحكم والنوادر من قيمة أدبية بفضلها كما قال - يتعرف القارئ الى جانب من نفسية الامة وميولها فى مجالس وعظها والى طرائف احاديث نواديها، وفعلات اجوادها وظريف فكاهاتها مما يصلح ان يكون مرآة صافية تنعكس فيها صورة من رقي حضارتها وبرهانا صادقا على رقة شعورها وجودة عواطفها.

وقديما رأى المفكرون والفلاسفة ان الفكاهة معيار الحضارة والنكتة عنوان التهذيب والتمدن وما اجمل ان يرود الانسان هذا العالم المرح فيخرج منه كثر ما يكون ايمانا بشخصية بلاده ورسوخ حضارته وإصالة مجتمعه في التمدن.

الا ان هذه النوادر ليست كل حصيلة الشيخ فله قسم آخر لم ينشره وليته بنشر وقد قال بنفسه (ان جانبا كبيرا من كتابنا المعاصرين ينقلون عما ينشر باللغات الاعجمية من نوادر وحكايات فكاهية ربما لا يفهم مغزاها قراء العربية لبعد ذوقنا من مماثله الغربى بينما يوجد من هذا النوع فى مجاميع ادبنا ما لا بعد كثرة ولا يقل دعابة ورقة (غير انا فتنا بتقليد البعيد الغريب والزهد في الميسور القريب)، فهل تراه يفرط فى ما هو الصق بشخصيتنا واقرب لاذواقنا وانفع لاصالتنا واقوم، ومما تحسن الاشارة اليه ان بعض القراء الذين لم يسعفهم الحظ للوقوف على هذه النوادر فى مجاميعها قد يكونون طالعوا شيئا منها نشره الشيخ فى مجلة "الجامعة التونسية" بعنوان نقل الحبيب الى الاديب ويقول جامعها انه جرى فيها على غرار صديقه اسعاف النشاشيبى الذى كان نشر تباعا فى مجلة الرسالة "المصرية جملة من النوادر العربية سماها "نقل الحبيب" وقد استقى الاستاذ ح عبد الوهاب اخبار الظرفاء ومجالس اللهو من مخطوطات نادرة مثل قطب السرور لابراهيم الرقيق ومتعة الاسماع فى علم السماع للتفاشى الى جانب الامهات المشهورة وقسم هذا القسم الاخير الذى وقفنا عنده الى ثلاثة ابواب:

1) باب المواعظ. 2) لطائف النوادر.

3) طرائف الملح والفكاهة. وهاك امثلة حية ترى فيها مقدار ما بلغه نقل المجالس من تصوير البيئة والكشف عن نفسية المجتمعات، فقد حدثنا الكاتب ان زهاد القيروان كان لهم يوم فى الاسبوع يتفرغون فيه للهو فيخرجون كل يوم سبت الى مكان قرب ضريح ابى زمعة لانهم لم يكونوا يستنكفون من الغناء خاصة في عهد ابراهيم الثاني اذ اصبحت رقادة موطن اللهو بينما بقيت القيروان مركز المحافظة على التقاليد الاسلامية فكانت الخمارات كثيرة برقادة وكان بيع الخمر محجرا فى القيروان فقال احد الظرفاء موجها الخطاب الى الامير:

يا سيد الناس وابن سيدهم      ومن اليه رقاب الناس منقاده

ما حرم الشرب في مدينتنا؟     وهو حلال بارض رقاده

وها هو ابراهيم بن الاغلب الاكبر يفرط فى الاحتراز ويريد ان يثبت براءته على يدى قاضيه عبد الله بن غانم فى ذلك الوسط الذى كثر فيه اللهو لكن لم يمح فيه صلاح الصالحين قال المالكى:

كان ابراهيم بن الأغلب الاكبر يصلى بالجامع فخرج ليلة من الليالي من دار الامارة بالقيرواوان - وكانت ملاصقة لمسجد عقبة، فدخل الجامع لصلاة العشاء الاخيرة وكان مشغول القلب فعثر فى حصير فسقط فلما صلى بالناس وانصرف الى منزله بعث فى طلب قاضيه ابن غانم فلما اتاه الرسول وقال له: الامير يدعوك تغير ابن غانم عند ذاك وقال: فى مثل هذا الوقت يوجه ورائى ولم يجد بدا من ان قام اليه فلما دخل عليه قال الامير: يا ابا عبد الرحمن، إني لم أبعث إليك إلا لخير إنى لما دخلت المسجد اشتغل قلبي عن حفظ نفسي فعثرت فى حصير فسقطت، فظننت بالناس انهم حسبوا انى منتبذ، فاحببت ان تكون براءتى عندك، فاستنكهنى، فاستنكهه القاضى ابن غانم، فوجده بريئا فشكر له ذلك.

وانك واحد من النكات اللطيفة ما يدخل فى باب الاقصوصات التى تجمع فى نفس الوقت بين المتعة والفائدة فهذه اقصوصة طريقة نجد فيها لونا من عادات ظرفاء القيروان مما سمعنا بمثله حتى فى ايامنا هذه ولا يمكن ان ننكر ما لهذه الاقصوصة من قيمة تاريخية واجتماعية مع ما لها من براعة النكتة.

كان ابو عقال غلبون فى رقادة مشهورا بين صغار الامراء الاغالبة باللهو والخلاعة والمجون وقد بلغ به الاستهتار انه كان يتنكر فيتزى بلباس النساء فحضر يوما عرس بعض الامراء على الهيئة المشار اليها وبعد حين من جلوسه ضاعت درة نفيسة لبعض اهل الدار فامروا بغلق الابواب واخذوا يفتشون النساء الحاضرات الواحدة بعد الاخرى فكل امراة لم يجدوا عندها شيئا اخرجوها حكى ابو عقال عن نفسه قال: تمادوا فى التفتيش حتى لم يبق الا

أنا وامراة واحدة فصارت ترادفني وتريد ان تكون ورائى وانا ادفعها اليهم الى ان اخذوها فوجدوا الدرة عندها فقالوا لى: انصرفي يا هذه المراة فما كنت اصدق بنجاتى حتى وصلت الى بيتي فأزلت عني الخف والمعجز والرداء التي كانت على من زى النساء ومن ذلك الحين عقدت النية على التوبة وانبت الى الله.

وفى نهاية الكتاب يستجيب الاستاذ حح عبد الوهاب الى رغبة بعض ابنائه الروحيين افاتى بترجمة ثلاثة من مشاهير الكتاب التونسين.

ابراهيم المشهور بالكاتب الرقيق

واحمد التيفاشى القفصى

وعلى الوردانى

وهكذا يكون الجزء الثاني من "ورقات" ح ح عبد الوهاب مرجعا للمؤرخ والاديب ولبنه فى صرح الثقافة التونسية وليته اخيرا - يرشد قراءه الى مراجعه فى كل ما يحتاج فيه الباحث الى احالة وما ذلك عليه بعزيز.

اشترك في نشرتنا البريدية