شعراء الجيل السابق من التونسيين باستثناء الشابى مشهورون مغمورون فشعرهم منشور عادة فى الصحف والقليل منهم الذين أتيح لهم نشر دواوينهم فى عهدهم لا نجد آثارهم الا على رفوف المكتبات بحيث لم يدركوا جيل اليوم الا ببعض القصائد والابيات المحفوظة ممن لهم هواية الكشف عن مخبآت السنين ومحمد الشاذلى خزندار احد هؤلاء الشعراء . بايعه اهل زمانه اميرا للشعر وطبع ديوانه ونفد ولا يعرف عنه شبابنا الا ما نشر لهم من المقطوعات المدرسية التى تقدمه عادة فى اسوا حال لان الذين اشرفوا على تاليف بعض الكتب لم يكلفوا انفسهم عناء البحث واكتفوا بالقريب المتداول ولو كان سمجا غثا واتيح الدار النشر في هذه الايام ان تعيد طبع ديوان خزندار فاخرجت جزءه الاول فى 276 صفحة من الحجم المتوسط مع كلمة قصيرة للناشر ومقدمة الطبعة الاولى بقلم محمد محيى الدين ، اما الشاعر فقد قدم نفسه بسبعة ابيات واستعين على ضبط مفهوم الشعر عنده بمقتطفة من مسامرة كان القاها بقاعة الجمعية الخلدونية سنة 1338 ه والترجمة التى كتبها الممضى باسم محمد محيى الدين تعرف بنشأة الشاعر وتطوره فى الصناعة الشعرية فهو من بيت أرستقراطي اذ هو حفيد الوزير الاكبر مصطفى خزندار من جهة الاب وحفيد لواء للخيالة بالجندية التونسية ، فرحات قرجى من جهة الام . لم يذهب الى المدرسة بل تعلم بالبيت على عادة ابناء الوزراء والامراء فكان من اساتذته الشيخ الطيب بوشناق الذي علمه العروض والقوافى والزمته هذه التربية نوعا من الوحدة التى لم يلبث ان تبرم بها فخرج إلى الحياة واصبح على حد تعبير محمد محيى الدين رجلا عموميا وبدا حياته الجديدة بالدخول فى سلك ضباط القصر - وهي مهنة تلقي قواعدها بعد دخوله فيها - ثم انخرط فى الحزب الدستورى القديم مما حر اليه غضب السلط فاودع السجن مدة خمسة عشر يوما وكان له نشاط علمي الى جانب نشاطه السياسي اذ كان يدرس الادب والعروض لبعض الناشئة . هذه خلاصة ترجمة محمد الشاذلى خزندار الذى يقدمه الناشر
كرائد الكلاسيكية فى الشعر التونسي المعاصر ويعتبر شعره ( سجلا حافلا بالاحداث الوطنية والنضال القومى ).
اما الشاعر فهو يقول عن نفسه :
انا مظهر للشعر والشعر مظهرى اذا ما تجلي في المشاعر منبري
خدمت به الخضراء والحق والهدى وصنته عما بالفضيلة يزدري
وفي مقتطفة المسامرة حول حياة الشعر واطواره المنشورة مع الديوان يؤكد خزندار دور الشعر فى رقى الامم وتحريك الضمائر فيقول ( فهو فى كل الامم عنوان الرقى ولسان الشعور وصوت الضمير ورائد الوجدان وترجمان الاحساس وما تلكم القواعد الفنية الا تعريف للنظم فهي المظاهر التى يظهر فيها هذا النور الباهر بل هى الاوانى التى يسكب فيها هذا الرحيق الحلال) هذه كلها اغراض نبيلة خاصة من شاعر خرج على عادة البيئة فلم يستعمل الشعر للتقرب الى ذوى السلطان كما درج جل الشعراء القدامي بل سخره لخدمة الوطن فى اوقات صعبة لا يؤمن فيها جانب السلطة المحتلة .
بقى ان النوايا فى الشعر لا تكفي بل ان الاغراض لا تكفى اذا لم يسند المقصد الشريف معنى طريف ولفظ رائق وخيال خصب فما هى قيمة هذا الشعر الذي تغنى به جيل من التونسيين وتفياوا روحه الوطني وارتاحوا الى جراة صاحبه ؟ يشتمل هذا الجزء الاول على قسم وطنى وقسم سجنى وقسم حماسي وقسم تاريخي وقسم ادبي وقسم غزلي وقسم للتهانى وآخر للخصوصيات فالرثاء فالملحقات فالشذرات . من المتوقع ان الشاعر الذى عاش حركة الشباب التونسى والحرب العالمية الاولى وانخرط فى الحزب منذ تاسيسه سنة 1920 وكان عربى الثقافة سيجمع بين النفس الوطني والثورى الذى يمثله القادة السياسيون والنزعة الاصلاحية الاسلامية التى تغذى بها ابناء جيله من المصلحين السلفيين فتراه حين يمدح الشيخ الثعالبي رئيس الحزب يشبهه بزعماء الترك وقادتهم المشهورين مثل أنور باشا ويقول لمواطنيه ان الافتخار بالامجاد القديمة لا يفيد شيئا بل يحتدم الغضب فى شرايينه عندما تحدث تلك الواقعة الاليمة بسوق الاربعاء سنة 1922 فيثور على المدنية الغربية التى سولت لمعمر ان يقتص بنفسه من تونسيين فصلبهما وامر بان لا تهدأ السياط على جسديهما ما داما بقيد الحياة .
هذى دروس قد رويناها عن المتمدنين
نعم الاساتذة الفطاحل والمدارس والفنون تملى فتمتلئ المحاجر والمدامع والجفون
وتوليد هذا المعنى من الدور التمديني المزعوم لا يخلو من طرافة الا ان حدة الانفعال امام ماساة مثل التى حدثنا عنها دون ما كنا نتوقع وخزندار يكتفى فى غالب الاحيان بتسجيل الاحداث على طريقة الوصف والتقرير وهذه مدرسة فى الشعر كان لها انصارها فى وقت من الاوقات ولكنها لا تعبر عن احاسيس شاعر يستلهم الحادثة البسيطة ليحولها بمنظاره وتلوينه الى مأساة شعورية بقدر ما تعبر عن براعة في التضمين وتيقظ للحياة اليومية قس على حادثة سوق الاربعاء حادثة المرسى ومحاكمة المعمر ( دومانفال ) الا ان الشاذلى خزندار يوفق احيانا الى تحريك المشاعر حين يخاطب الذاكرة بالكلام السهل والوزن الخفيف والروى الطلى ومن لا يؤثر فيه ايام الاحتلال قوله مثلا :
تونسى وحسبى انني تونسي
حزبها الحر حزبى حزبها الوطني
او قوله فى التجنيس :
لست المبدل جنسى كلا ولا اتردد
ان كان يرضى الفرنسي فليس يرضى محمد
وقدم الشاذلى خزندار الى الادب التونسي لونا من الشعر يتفق الناس على انه من اقرب الاغراض الشعرية الى النفس واكثرها صدقا وهو شعر السجن الا ان الشاعر السجين رغم نبرات مؤثرة الوقع يثير الابتسام احيانا حين يغرق فى جزئيات الحياة العمومية ويحكم اتصاله بالواقع فتراه يعدد افراد عائلته الباقين فى البيت باسلوب تقريري بعيد عن توليد المعاني العميقة واستبطان النفس البشرية يقول مثلا مخاطبا زوجته
زوجي ( حسينه ) خففي لأوائي اعطاك ربك يا ابنة الامراء
ويستمر فى ذكر افراد العائلة باسمائهم فيقول :
يا خالة البنتين مامية وفا طمة امنحيى راحة لهنائى
ابقيت اختى وهى ترقب مقدمى فلتانسي باخيتي العصماء
يا ام منجى والجميلة اخته اسعي لا جلكم و للعلياء
نرى ان الشاعر ارادا ان يبكى فاضحك لانه سلك الى القارى مسلك التقرير الساذح لا تكثيف العواطف والقسم الاجتماعى لا يختلف عن القسم الوطني والقسم الحماسي من حيث نبل المقاصد وبساطة التعبير ويمتار بتفطن الشاعر الي القضايا الاجتماعية الهامة وجراته احيانا فى التصدى لها بالتحليل والنقد ونراه هنا واعظا مرشدا يستدر الرحمة على البائس الجائع وضحايا الحرب والاستعمار . ونريد ان نقف قليلا فى القسم التاريخي عند قصيدة ( الورير خزندار ) التى يدافع بها عن جده المتهم بارتكاب المظالم فى فترة ما قبل الاحتلال ويستهلها بقوله :
ظلموك يا جدى ولست ظلوما لمتي وحقك لم يزل مهضوما
وليس في نيتنا ان نناقش الشاعر في اعتراضه على المؤرخين فمن حقه ان تكون له ان تكون له هذه العواطف وان يضع جده فوق التهم لانه تقي صحيح العقيدة فالتايخ وحده كفيل بالتحقيق فى هذا الموضوع ولكنا نود ان نعبر عن رأى عن لنا اثناء مطالعة القصيدة والقصيدة التى تليها الموجهة الى خير الدين باشا وهذا الرأى هو ان الشاعر يعاني مركب اثم لانه حفيد رجل متهم فى حبه لبلاده ولعل هذا المركب هو الذي قوى فيه نزعته الوطنية كانه اراد ان يثار من التاريخ والشاعر يلقي الينا هذا المعنى فى غير التواء اذ يقول
هذى مناقبك التى ابقيتها لبنيك قلبا داميا مكلوما
حتى تقمصت الحفيد وجئتهم متمثلا في شخصه مرسوما
ومما يؤكد هذا المعنى ان الشاعر حريص على المفاخرة بصهر جده الوزير خير الدين باشا بل على الجمع بينهما باعتبارهما مصلحين وللشاذلى خزندار باب يجيد فيه ايما اجادة هو التاريخ الذي حفل به قسم التهانى والخصوصيات اما غزله فليس فيه ما يستوقف الاذن.
بقيت كلمة نقولها فى صناعته ونرجو الا نتهم فيها بالقسوة على الشاعر فصاحبنا كما راينا درس العروض والقوافى الا انه لم يذللهما تذليلا كافيا فهو لا يشع هاء الضمير التى تعود الشعراء بمدها فى كل الحالات تقريبا بل انه يسقط الساكن في الفعل الناقص ليستقيم له الوزن فيقول مخاطبا كمال اتتورك : ( ما زلت تعلو ولا تزال ) فاهمل واو يعلو وهذا غير جائز عند العروضيين واذا شاء احد ان يسكت هذا النقص او يبحث له عن علة فماذا نقول عن خلطه بين البحور كجمعه بين تفعيلة الرجز وتفعيلة الكامل فى هذا البيت :
ما زلت تعلو ولا تزال يحفك النصر والجلال
فقوله يحفك لا يستقيم به البحر الكامل وشاعرنا ينسى او يتناسى احيانا قواعد النحو فلا يدخل علامة التثنية على الفعل فى تبسم حين يقول لجده: (شفتاك تبتسم . . . ) ونراه لا يستنكف من استعمال كلمات نثرية مثل (( ولذا )) فى قصيدة صوت الامة التى لا تخلو من ابيات جميلة وغير ذلك من التعابير التى لا يستسيغها الذوق الشعرى.
فالشاعر يمثل بحق فترة من تاريخنا وديوانه حافل حقا بالوقائع الا ان قراءته اليوم تؤيد ان الشعر التونسى تطور كثيرا وان الامارة التى نالها الشاذلى خزندار إمارة شرفية تدخل فيها اعتبارات عدة آخرها الشعر.
