1 - مقدمة :
بعيدا عن العاصمة ... وفي توزر مدينة الشابى يعيش محمد لامين الشريف شاعرا يناجى عروس فنه وتناجيه . فتوحى له بشعور مرهف ، وتفجر فيه انفعالات وذيذيات ما تنفك أن تتحول الى دفق هادر من الاحرف . . ونبع قاض من الشعر.. قوامه مكابدة صادقة .. وارهاص فعلى ومنطلق أصيل ...
إن قارئ " يا حادى الطلق " ( ٣ ) سرعان ما يكتشف هذه الانطلاقة الفنية الواعية ، وهذا الاعتماد على تفعيلات الشعر الحر ، وهذا الشحن العاطفى المتناسق وهذه الصور الشعرية الخلابة - رغم سقوط الشاعر فى الخطابية والمباشرية فى بعض المواطن-... والقارئ سرعان ما يكتشف - أيضا - ان محمد الامين الشريف متخلص من تهويات ذاته ، ناذر قصائده الى الوطن ...
الى الممنوعين من الفرح . وسنحاول هنا محاورة هذه المجموعة من القصائد لاسكتناه مضامينها :
2 - محمد الامين الشريف والمرأة :
" المرأة عند أكثر شعرائنا هى الخفير الذى ينجدهم دائما فنادرا ما نجد انثى حقيقية داخل القصيدة يمكن أن تضيف شيئا من خلال صراعها مع ذات الشاعر أو مع الطبيعة ، ان المرأة غالبا ما نجدها مزدوجة ، وغير متفردة نجدها غالبا : المرأة - الوطن / المرأة - المدينة / المرأة - المبدأ / المرأة - كل شئ . الا ان تكون الانثى بمعنى المتفرد والذى يتحدث عن المرأة كتكوين انسانى خالص " ( 1 ) .
ومحمد الامين الشريف واحد من هؤلاء الشعراء الكثيرين الذين يركبون هذا الحصان البشرى المجنح " المرأة - الرمز " ليعبروا به مفاوز رميلة كثيفة , ويعبروا من خلاله على هموم وآمالهم وآلامهم .
ان هؤلاء الشعراء يكتبون غزلا حديثا تلتقى فيه " الذات " " بالموضوع " ، جاء نتيجة حتمية لاشكالية تطور الشعر العربي الحديث - لا سيما الحر منه :
راحلتى مرهقة
ومراحل حبك مضنية
وعناقك يبدو سلفا معضلة
وأنا الهيمان اللاهث في بيدائك
ومفاوزك
المتقطع بين قبائلك وعروشك ( ص 7 )
(... ) رفقا يا مولاتى
لا تنزعجى رحماك فانى
سأحاود طلق الشعب مع الطلع الآتي
سأنادى : بجلاء الآه . الآه . . الآه .
فأنا من يبذر في أفئدة القوم : الله( 2 )
( ص 12 )
(... ) انت مسهدة انت
وحولك تأتلق الزفرات الحبلى
وتضوع الآهات النشوى
يتقد الوعى الواعد بالطلع
تتكسر عبر مراياك
احقاد المنع ( ص 27 )
***
(...) واطالعك ايا صبرى
وطنا تلهو فيه الصبية زاهية
ينمو فيه الزيتون الحالم
يعشوشب فيه العدل
وترفع فيه آلهة الحب بيارقها
الزرقاء ( ص 31 )
(...) واطلع سيدتى.. روحا أخضر
تحمل دفء ا وقطافا
يحمل أزهارا وشموعا
يحمل افراحا
للفقراء المفتونين
المسكونين بواحات شعرية
للماخوذين بداء الوحدة مثلى ( ص 30 )
وبغت أيا ( للا ) توزر
بيديك الغامرتين عواطف ... عطفا
توقظني / تمسكنى / توقفنى ( ص 41 )
من خلال هذه النماذج المختارة من عدة قصائد - التى تعمدنا ان لا يتخللها التعليق - نلاحظ مدى حضور الوجوه المتعددة " للمرأة " فهي تارة : وطن .. وهي أخرى قضية .. وهي تارة ثالثة مدينة .. الا ان المرأة الانثى الحقيقية غائبة.. لكن هل غابت الانثى " بمعناها المتفرد " والذي يتحدث عن المرأة " كتكوين انسانى خالص " من كل القصائد التى احتوتها مجموعة " يا حادى الطلق " ؟ !
لعل محمد الامين الشريف - كشاعر حقيقي - وعلى ان " كثيرا من الشعراء العرب - والعالميين - استطاعوا ان يعطوا المرأة معناها المزدوج وكونها تشكل معادلا فنيا للأشياء التى يريدون التعبير عن سخطهم أو حبهم لها ، ولكنهم لم بحققوا ذلك بصورة جيدة وبهذا العمق والقدرة الكبيرة على الايحاء الا بعد أن أعطوا للمرأة معناها كأنثى حقيقية يمكن أن تدخل القصيد وتحضر فيها حضورا غنيا ومبدعا وتخرج منها - وهي الانثى أيضا - كواقع انسانى ذى خصوصية محكومة بالواقع العام وظروفه الموضوعية " ( 3 ) ووفقا لهذا الوعى شاعرنا لصديقته الاسبانية " - الانثى الحقيقية هذه المرة - :
لم يك ان أهدم طينة انسانى فيك
لكن آنستى
ان ارجم كبت الوحش الضارى فيه
أحببت بخرق حدودك
أن أكشف عن طعم الحرية
أن اسبر فيك الاغوار التاريخيه
وأنقب فى روحك عن روحي العربية
( ص 24 )
ووفقا لهذا الوعى - أيضا - كانت المناضلة الفلسطينية الشابة الشهيدة " دلال معربى " فى شعر الامين الشريف تمتزج فيها عدة وجوه للمرأة ، فهي أنثى حقيقية ، وهى وطن ، وهي قضية ... كتب " لدلال المغربي" ملحمة الخلود فى ثوب فنى بديع :
هذا مارس أخت الدرب
هذى القدس ازدانت
بالورشات مآذنها
والكرمل ماجت بتلاله
قطعان السوسن والعنبر والحنون
وماد "بعيبال" الصفصاف
وفى غزة ، فى نابلس ، تراقص
جذلان
شجر الليمون
وفى يافا.. فى حيفا
جاد سنونو الحب بملحمة غناء طروب
الكل هنا بفلسطين ربيع
لكن.. و آسفى
ليس لزنبقة الحرية الحمراء وجود
( ص 49 )
3 - محمد الامين الشريف ... بين القضية والابداع (4):
... وما دام الشعر ارهاصا ذاتيا ، وخلجات عاطفية ، وكل شاعر وطريقته فى ترجمة حالاته الشعورية فهذا يترجم هذه الحالات " خاما " فتقى الاحرف أسيرة حالة عاطفية ذاتية نزقة ، ويكون العمل الشعرى - تبعا لذلك - برفع خالصا " - ان جاز الوصف - وذاك يكرر هذه الحالات فتتحاور مع ذات ومع " الاشياء الخارجية " فتجئ الجمل الشعرية مزيجا من ذات الشاع والأشياء التى يريد التعبير عنها ، فيكون الابداع الشعرى - تبعا لذلك - احساسا جماعيا ينطلق من ذات الشاعر ليشترك بشعور الآخرين . . وما دا الشعر كذلك ، فان قارئ يا حادى الطلق " ملزم على تصنيف الامين الشريف مع هذا الصنف الاخير من الشعراء :
لماذا إلا هى
تفضل بعض عبادك في الطبقية
ألسنا سواسى فى الدفع / في الحمل
فى الطلق ...
فى الانبعاث ( ص 18 )
حذار من فيض الجياع اذا نطق
حذار من تدفق العرق ( ص 25 )
واطالعك ... سيد الكل فراتا
يزحف ... يزحف ... من صنعاء الى
البيضاء
لكى يغسل حزن الاطفال الجوعى
( ص 31 )
يا حادى الطلق
الارض الحبلى اضجرها الوجع
أعجفها السيل الهادر من أغوار الجرح
والطلع العشتارى الموعود
نوعك فى الرحم الهمجى الموبوء
توهج حقدا ، غضبا ، ألما ( ص 60 )
لم اطرح شيئا كبديل لسباقى
ان دما " لوممبا " ما زالت تشحن
أفكارى ( ص 76 )
كم أبذر فى أخيلتى من احلام !
كي أرسم للجوعي
للعزل من آفاق ... آفاق ... آفاق
( ص 80 )
يلاحظ الشاعر من خلال هذه النماذج كم تلتحم ذات الشاعر بهموم الآخرين ! وكم تحتوى قصائده التى تغنى للحب والحرية ، الصادحة بهموم الانسان ، الوطنية حتى النخاع ، العربية الصادقة فى عروبتها على هذه التباشير الواعدة ! الا ان الشاعر قد يلجأ فى بعض المواطن الى الخطاب المباشر - وهو لعمري مضرب بالنص الشعرى - متأثرا في ذلك ببعض الشعراء الدين يؤثرون ابراز الفكرة على الصياغة الفنية متناسين ان الشعر فن ولا يمكن اعتباره كذلك الا اذا توفرت فيه أبجديات الصناعة الفنية ، وهاك عينات من هذا الخطاب الذي نرجو من الشاعر تلافية - مستقبلا - :
آلهة العصر الممزق المأفون
ما فتئوا يهندسون
مستقبل الشعوب
فهم يخيطون ونحن نلبس
(ص 57)
بكرمتك اللاهوتيه
قد تلجم غربان النحس
التنطق باسم الشعب
فى أروقة التحنيط
(...)في المنتظمات الدوليه
من منطلقات السلفية.. والرجعية..
والضعف ( ص 63 )

