الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات ، كانت المناقب ومظاهر من الحياة الاجتماعية بافريقية ، فى القرن الرابع للهجرة / العاشر ميلادي

Share

لقد ظلت كتب الطبقات والحسبة والتاريخ والرحلات ، منذ زمن طويل المصادر الاساسية لمحاولة تصور الاوضاع الاجتماعية وأحوال العمران بافريقية  فى العهد الاغلبى أو الفاطمي او الصنهاجى ، ويمكن ان نضيف لهذه المصادر  كتب المناقب " التى تتضمن معالم سير بعض الائمة والفقهاء وقد صارت بعدهم مضربا للاعتبار والاهتداء بها . وان يبدو ، من الوهلة الاولى ، ان كتب المناقب " تخضع الى نفس وجهة مصنفات الطبقات فانها ، مع ذلك ، تختلف عنها فى عدة خصائص ، وقد حدد " روجى ادريس " فى المقدمة التى صدر بها " مناقب أبي اسحاق الجبنياني ومحرز بن خلف " ) 1 ( مقاصد الاصطلاح " مناقب فأكد خاصة على منطلقاته من حيث دلالته على معنى الاثر العميق فى الشئ "  

وقرب محتوى فعل نقب من ثقب واشار الى ما تعنيه عبارة " منقبة  من الدلالة على الطريق عامة والممر الجبلى الضيق خاصة ، ولكنه يلاحظ ما . اورده صاحب " لسان العرب كذلك من أن النقيبة  يمن الفعل . ابن بزرج : ما لهم نقيبة أى نفاذ رأى . ورجل ميمون النقيبة : مبارك النفس ، مظفر بما يحاول ؛ قال ابن السكيت : إذا كان ميمون الامر ، ينجح فيما حاول ويظفر  وقال ثعلب : إذا كان ميمون المشورة . " ) 2 ( وزيادة على هذه  المادة المؤكدة خاصة على خصال صاحب المناقب من نفاذ رأى واصابة فى المسعى فان اللسان  يذكر أن  المنقبة   كرم الفعل ، يقال : انه لكريم المناقب  من النجدات وغيرها ، والمنقبة ضد المثلبة " ) 3 (  

وهكذا يتبين أن عبارة " المناقب " تفيد معنى خصال القدوة فى فعل الخير والجرأة على صونه وحمل الناس على الاهتداء به ؛ ويبدو أن كتب المناقب  تمثل تراثا قديم العهد اذ وضعت مناقب بعض الخلفاء الراشدين وبني العباس  كما صنفت مناقب للأئمة الاربعة : أبو حنيفة ) ت حوالى 150 ه / 267 م ( ومالك بن أنس ) ت 179 ه / 795 م ( والشافعي ) ت 204 ه / 820 م )وأحمد بن حنبل ( ت 855/24 م ( . أما بافريقية ، فيبدو ان اول المؤلفات فى هذا  الباب قد وضعت عن القاضي القابسي ) ت 403 ه / 1012 م ] من طرف تلميذه  أبي عبد الله محمد بن عبد الله المالكى ) ت 438 ه / 1046 م ] وهو والد صاحب رياض النفوس " كما تسند لابي عبد الله الحسين بن ابي العباس عبد الله  بن عبد الرحمان ) ت 432 ه / 1040 م ] مناقب الفقيه ربيع القطان ) ت 334 ه / 945 م ( وغيره ) 4 ( ؛ الا ان ما وصلنا من هذه المصنفات ما كان قد حققه " روجي ادريس " مناقب ابي اسحاق الجبناني ومحرز بن خلف ؛ أما مناقب ابى اسحاق فقد جمعها أبو القاسم عبد الرحمان بن محمد الحضرمي اللبيدى

ت ٤ ه / 1048 م ( 5 ) بينما ألف مناقب محرز بن خلف أبو طاهير الفارسي ( مات ما بين 440 ه - 450 ه 58-1048 م ] ( 6 ) .

ان مناقب أبي إسحاق الجبناني ومحرز بن خلف ) 7 ( تزيد اثباتا لمادة كتب الطبقات والحسبة والتاريخ الزاخرة بلوحات مقتطعة من حياة الناس

اليومية ، ويمكن أن نوزع هذه المادة حسب المحور الديني ثم الاجتماعى وكذلك الاقتصادى

 ان الاشارات الهامة الاولى تتعلق خاصة بمظاهر من الحياة الدينية التى اطنبت كتب الطبقات في بسطها ، وهي تبرز بأكثر وضوح ما يتمتع به شيوخ  المالكية من جرأة على مواجهة رجال السلطة ونهيهم عن الظلم وحملهم المتجبرين ان لزم الامر على الركون الى التدين وهو ما حدث لمحرز بن خلف مع وال من  قبل صنهاحة " على اربانة ، فقد حدث  الشيخ أبو محمد من الله : قال : أخبرنى المؤدب محرز ، رحمه الله ، قال : أتى الى بلد اريانة وال من  قبل صنهاجة ، فرعون من الفراعنة ، فى تكبره وعتوه . فحزم أهل الموضع  وتعسف عليهم . فسألوني أن أعظه وأذكره وألين لهم جانبه ، فوعظته  فوحدته كالصخرة الصماء ، لا يلين لواعظ . فأدمت عليه الموعظة وخوفته من  النار وتباعات الخلق وحذرته ، فبكى فتماديت عليه بالموعظة عند بكائه فنزع  أثوابه واستتر بحصير من حصر المسجد وأزال سراويله وأمر بفرسه وثيابه  فدفعت الى غيره . وفتح عليه بنصف كساء " ) 8 ( وهذا أبو اسحاق الجبنيانى  ستنكر جر الاسرى امام الناس وخاصة اثناء مواقيت الصلاة كما حدث بجبنيانة فقد " قال أبو القاسم : ولقد رأيته فى صلاة العصر حتى حل بالموضع

حسنون الذي كان حاشدا وصاحب أسطول السلطان ، فى عسكر عظيم وصقالبة ، ومعه خلق من البحريين والزويليين فى السلاسل . فلما سلم  الشيخ من الصلاة مشى خلفه حسنون ومن معه من الصقالبة وعامل البلد يريدون السلام عليه ، فحول عنهم وجهه وهو مغضب . فقال لهم : خير ما لكم  عندي ما أعرف فلانا ولا فلانا ، ما فى الدارين غير الله ، هو الضار النافع  أو كلاما هذا معناه ، فانصرفوا ولم يجسروا على كلامه . . . " ) 8 (

أما الظاهرة الثانية البارزة فهي تنعكس فى الصراع المذهبى ما بين شيوخ المالكية من جهة والحنفية والمتشيعين من جهة اخرى ، من ذلك ان ابا اسحاق رفض معاشرة الناس لجماعة تشيعوا رغم ما وصفوا به من حسن سلوك واخلاص للمعتقد الديني ، فقد " قال أبو القاسم : قال  . . ( أبو حفص : قلت يوما  لابي إسحاق : الى جانبي قوم يقال له بنو قراضة ، يتشيعون ولا يسبون احدا ولا يخالفون في صلاة ولا زكاة ولا صيام ، فما ترى فى السلام عليهم ومخالطتهم قال : فقال لى  : سلهم من أفضل ، أبو بكر وعمر أم على ؟ قال : قلت له يقولون : ان عليا أفضل . قال : فقال لى : لا توادهم ولا تسلم عليهم ولا تناكحهم " ، كان ابو اسحاق في مناسبة اخرى قد اشرف على جمع من المعتزله لابسين  أفخر الثياب فلما شاهدوا الشيخ فروا لعلهم بنبذه البذخ والدنيا وكذلك  الاعتزال ، وكانوا قد عزموا من قبل على السلام عليه ، فقد روى انه اتاه قوم من خدام السلطان ينسبون الى الاعتزال فسلموا عليه وكان عليهم ثياب جديدة نزلوا عن خيولهم للسلام عليه . قال : فاعترض لنا  كلب فرجمه انسان منا . فقال له الشيخ : دعه ، لا ترجمه ، فعله خير ممن  يتفرقع  عليه ثيابه . قال : فلما سمعوا مقالته هربوا . وكانوا من  بني نافد . وكان من آبائهم ثم منهم وزراء وكبار لبني الاغلب  ولمن بعدهم . . " ) 9 ( وقد يكون لبعض شيوخ المالكية مواجهة لابرز رجال السلطة باتباع اساليب سلمية وحملهم على اعتناق المالكية والذود عنها ، فقد قال أبو القاسم ، قال أبو عبد الله محمد بن ابي العباس : ولقد عرفنى بعض شيوخنا أن أبا العباس أحمد بن نافد ، وزير بني الاغلب ، منهم  

وكان رجلا على سنة ، وابن عمه على بدعة ، فبنى كل واحد منهما قصرا  وجعل حوله بستانا بقرية بليانة نافد قال : فأما أبو العباس فانه لما كمل قصره  وكملت له قبة عجيبة على باب قصره ، قال : ما تمنيت الا سماع العلم فيها على

سحنون بن سعيد . . وكان ابن عمه مباينا بعداوة أهل السنة . قال : فخرج سحنون بن سعيد من قريته يريد قصر زياد لزيارة عبد الرحيم المستجاب فترك الطريق وأخذ غير الجادة . فظن أصحابه انه غلط حتى قرب من قصر أبى العباس بن نافد الوزير . فقال : إذا صرنا ها هنا فلا بد من زيارة ابي العباس ، فأخبر أبو العباس ، فخرج يلقى سحنونا مع اصحابه راجلا ، فسلم عليهم ، فقال له سحنون : نحب ان نرى هذا القصر وهذه القبة ، فمشى معهم فيه ثم جلسوا فى القبة ودعا سحنون بالبركة . ثم قال سحنون لاصحابه أى شئ فى ايديكم تسمعون ؟ فقالوا له : كتاب الحج الاول من موطأ ابن وهب فقال : اقرأوا . فسمعوه عليه فى القبة التى تمنى أبو العباس ذلك فيها ثم نهض سحنون ومن معه الى قصر زياد . فتقوت بذلك نية أبى العباس في المذهب ونصره أهله ، وكان عصمة لمن يظلم من أهل السنة بعد ذلك اليوم . . " ) 10 (

وقد يصل الصراع المذهبى الى حد تغيير مواقيت الصلاة والتنافس على ذلك قصد جمع الناس ومنعهم من التأثر بالمذهب المنافس  قال أبو القاسم : وأخبرنى أحمد بن عامر ، شيخ من أهل العلم ، قال : قلت لابى اسحاق : خاطبني بعض أهل العلم على تمكينك لاوقات الصلوات فى الظهر والعصر ، فما دريت ما  أجيب عنك . وتأول عنك قوم أنك انما تفعل ذلك لتجمع أهل القرى التي حولك ليدركوا صلاة الجماعة . قال : فقال لى : ليس كذلك ، لكن هؤلاء القوم يعنى بني عبيد . كادوا الدين وتسللوا الى هدمه لانهم لو قالوا للناس : لا تعبدوا الله لم يقبلوا منهم . ولو قالوا لهم : اتركوا الصلاة ، لم يقبلوا منهم  فتحيلوا كيف يبطلون صلاة العباد ، فيجعلوا من يؤذن قبل الوقت ، وجعلوا صلاة الظهر تقارن الزوال ، فربما وقعت قبله ، وتقع صلاة العصر في وقت صلاة الظهر ، طمعا ان الناس اذا انطاعوا لهم فى هذا قدموا الظهر فعلوها قبل  الزوال والعصر قبل وقتها ، فاذا انطاعوا لهم فى وقت وضع الصلاة قبل  وقتها ، ولو بساعة أو أقل ، وانطاعوا لهم فى الترك . وكانت فتنتهم تكاد  تخفى على عوام الناس ، فأردت أن أمد فى وقت الظهر والعصر من غير أن  أخرج عن الوقت الممدوح الى الوقت المذموم حتى تكون صلاتي للظهر وقت  صلاتهم للعصر ، فيعلم العالم ان فعلهم ضلال وانهم انما قصدوا لكيد  الدين . . ) 11 ( .

وقد يأخذ الصراع بعدا " مكانيا " ايضا فيندد بما كثر من  فساد ومجون  بالمهدية " مدينة عبيد الله " وخاصة " بدار الصنعة " بها ؛ حدث شاهد عيان عن ذلك  قال فوصلوا بى عند الغروب وادخلت دار الصنعة  فوحدت بها خلقا كثيرا ، كلهم على المعاصى والفسوق ، لا يذكرون الله الا قليلا . وبحانب هذه الاشارات الدينية تتوقف خاصه لدى " حادثة  المشارقة " ) ١٦ ( التى وقعت بتونس وفيها قتل المالكيون كثيرا من المتشيعين  ، و نكلوا بهم ، وقد كان لمحرز بن خلف دور المحرض والمشرف على حملات  التأديب اذ " لما كانت سنة ست واربعمائة قتل الناس المشارقة واستاصلوهم  فكان يؤتى بالرجل منهم ، فيشهد بحضرته فيقتل بالشهادة ويترك اذا لم يثبت  عليه شئ مما قذف فيه . . " ) 14 ) بل ان الامر تعدى الى التكهن بهذه  القيادة الروحية قبل وقوع الحادثة " قال ابو الطاهر وخبرنى الشيخ ابو على حسن ، قال : أخبرنى أبي قال : يا بني ، صاحب هؤلاء الذين يؤمر بقتلهم  ويموتون على يديه ، هم المشارقة ، هو رجل ادهم اللون ، فى عينيه رطوبة  بمسجده أبواب وفيه جب . قال حسن : كنت أقول : هو محرز بن خلف غير  ان مسجده ليس فيه جب ، وليس له غير باب واحد ، قال : فما مر الا قليل  حتى أحدث فيه أبوابا وحفر فيه جبا ، وقتل القوم على يديه " ) 15 ( وزيادة على  التنافس الديني فقد كانت حياة ترف وبذخ المشارقة سببا فى تحريض فقراء  المالكية على نهب أملاك المشارقة من ذلك ما قاله المؤدب محرز لاحد شكا له فقره فمازحه المؤدب وقال له : خذ الفرق . قال : على أى شئ ، وأنا رجل فقير  قال : خذ على قمح ابن العظيم . وكان ابن العظيم هذا رجلا من أكابر المشارقة  واعظمهم في ذلك الوقت فخرج الرجل من عنده . فقيل له : افرق كما أمرك  فان الله تعالى اكرم من ان يكذب وليه ؛ فأخذ الفرق على القمح وتزوج ، فما  كان الا قليل حتى قتل الناس المشارقة وفتحت مطامير ابن العظيم وكان الرجل

ينقل منها ورد الافراق كما قال رضي الله عنه ، وخزن لعولته ٠٠ وكان البعض قد ود لو عمت حملة التأديب " للمشارقة " جهات أخرى ) 17 ( .

وتتكاثف اشارات اخرى لمعالم من الحياة الاجتماعية بافريقية من ذلك حفلات استقبال عودة الحجيج بالقيروان ، فهذا أحد مصادر الكتاب يقول : " . . لقد رأيت لما قدمت من الحج ووصلنا الى القيروان خرج الناس يتلقون رجالهم من الحج يجتمعون بالتيجان وأشياء عملها من الريحان يعلقونها فى اعناق الجمال وجعلوا اللخلخة على وجوهها . . . " ) 18 ( ولكن من جهة اخرى نجد أبا اسحاق الجبنيانى يستنكف كل ما يعد شبهة للاقبال على اللهو واحترافه ) ولعله موقف المالكية عامة ( وقد وردت فقرة تصف بعض الدفافين تركوا سبيلهم وفروا عند لالتقاء بالشيخ " قال أبو القاسم : قال لى أبو الطاهر ، ولد أبي اسحاق : جئت مع أبى يوما من مرسى اللوزة . فنحن نسير على الطريق حتى رأيت  . دفافين . لما رأوا الشيخ تركوا الطريق وهربوا ، فأقبلت اشتمهم . . . " ) 19 (

وتوجد اشارات اخرى تتعلق بالتعليم ومواده الاساسية ، من ذلك الحرص على تعليم الحرفة اليدوية بجانب تعليم القرآن ، فقد ورد هذا الخبر " وعلمنى  القرآن وجعل ، من علمني النجارة . . " ) 20 ( ولعل الغاية من ذلك ضمان الكسب بجانب التعلم ؛ وقد تكون المواد أيضا زيادة على القرآن الشعر واللغة ووفرة  المدرسين كما كان لابى اسحاق فى صباه اذ كان له معلمان احدهما يعلمه القران والاخر يعلمه العربية والشعر ، فى رفاهية من العيش . قال أبو القاسم ولقد عرفنى شيخ معمر يعرفه فى تلك الايام انه رأى حوله خمسة عشر صقليا موكلين بحفظه .

ولعل ما يبدو طريفا فى " كتب المناقب " تقديم أمثلة من الاعمال اليومية " لتحقيق الكسب اليومى ويقبل على هذا خاصة المتصوفة فقد " قال أبو القاسم : فعرفني الشيخ الجليل أبو الحسن على بن محمد الفقيه  رضى الله عنه ، عن أحمد بن عيشون البكاء ، وكان من خيار أصحاب أبي اسحاق ، أن ابا اسحاق وجد بعد مدة يعجن طينا بمدينة سوسة بأجرة . فقيل

له : ان أباك كثير الاحتهاد في طلبك ، فقال : قولوا له : اكنت تظن انه يخرج من ظهرك من يطلب الحلال ؟ . . " ) 21 ( وقد يتطور أبو اسحاق ايضا لحمل المرضى الى المستشفيات مقابل ما يقتات به من المال نتيجة الحاجة فقد " اقام  يومين لم يطعم ولم يجد من يستأجره ، فاذا برجل يقول : من يحمل هذا المجذام من سوق مدينة سوسة الى الدمنة ويأخذ منى ثمن درهم ؟ قال : فحمله واخذ الثمن درهما فاقتات به ٠٠ ٠٠ وقد يقبل بعض الشباب العاطلين عن  العمل جمع الزيتون كما هو الحال في هذا الخبر " استأجرنا أنفسنا فى جمع  الزيتون . . ان هذه الاشارات وان كانت جزئية لتنفذ الى عمق الحياة  الاجتماعية بملامحها الواقعية الصادقة

ويمكن أن ندرج فقرات اخرى فى باب الحياة الاقتصادية بافريقية فى القرن الرابع للهجرة ، من ذلك التلميح الى الازمات الاقتصادية التى كانت تجتاح البلاد في فترات متقطعة ) 24 ( وتتصف خاصة بغلاء المعيشة " قال أبو القاسم : ولقد عرفني شيخ من أهل العلم ، يعرف بسالم الفندرى ، أنه كان عنده حتى ختم صبي فأتاه بدينار . قال سالم : فقلت له : أعطني هذا الدينار أعمل لك فيه ففعل ، فلم أزل أتجر فيه سنين كثيرة حتى حصل به من الزيت ما يساوى  ستين دينارا . وغلا الزيت فأخبرته بذلك . فحمد الله ، وقال لى : إذا اتتك  رقاعي فاعمل بما فيها . قال : فكانت رقاعه تأتيني بيد الفقراء . . " ) 25 ( .

ويتضامن شيوخ المالكية بخاصة مع الفقراء فى مد يد المساعدة  لهم والتنازل عن الدين كما كان ذلك فى سيرة أبى اسحاق الجبنيانى مع الفقراء ، فقد كان عند الشيخ أبي اسحاق ، رحمه الله ، زيت قد حصل له  من التعليم في شبيبته ، فطرأت على الناس شدة ، فقيل له : تبيع هذا الزيت بالدين ، فقال : نعم ، لكنى لا أعامل من له ذمة ؛ انما اعامل الفقراء ومن لا

ذمة له ، فباعه منهم ، فلما وجب البيع قال لهم : لى عليكم الا يأتيني أحد بشئ مما عليه حتى نقتضيه . فلما زالت الشدة وتيسر بعضهم أتاه بالثمن فقال له ما هكذا بيني وبينك . ثم ترك لهم جميع ذلك . . . " ) 26 ( وتوجد اشارات أخرى الى ما ينجم عن الفتن السياسية من أثر على اختلاط الاملاك وتصدع الحياة الاقتصادية عامة كما هو الحال مع " ثورة أبي زيد " اذ لما " جاءت  فتنته ) . . ( واختلط املاك الناس فى الغنم ترك ) ٠٠٠ ) شراء الرق . . " ) 27 ( وقد كان تذمر الفقراء ملحوظا فى هذه الظروف ، كما يشير الى ذلك هذا الخبر " . . قال لى : عندى قفيز زيت وخمسة أثمان شعير . قال : فقلت له : وما يغنى عنك هذا القدر وانت فى خمسة من العيال ، وهذه فتنة وغلاء وأمور  مضيقة ٠٠

وقد تصل الحال ببعض الفقراء إلى أقصى درجات الاحتياج من ذلك ما يروى عن عائلة أبى اسحاق فقد " قال أبو القاسم : ولقد عرفنى أحد أولاده انه قال : ضاق بنا الحال ، فلم نجد شيئا نأكله . قال : وكنت جمعت سمارا وعملت منه مصلية ، بعتها بنصف درهم عرضته عليه . . " ) 29 ( ونتيجة لهذه الاوضاع فقد شاعت اللصوصية ، ولنا شهادات عديدة فى " كتب المناقب " على هذه الظاهرة من ذلك ما حدث لابى اسحاق ان روى احد ابنائه : " خرجت عند الغروب مع الشيخ والدى ، من صفاقس الى جبنيانة . قال : فأظلم علينا الليل ولقيتنا السلابة وقد شهروا حديدهم . فلما قربوا من الشيخ قال بصوت عال : لا الاه الا الله ، ينبغى للخلق ان يستحيوا من الله . . " ) 30 ( ولا يسلم حتى المتصوفة المرابطون بالمراسي من هجمات اللصوص عليهم قصد افتكاك ودائع الناس من ذلك ان " ابا زكريا . . لزم العبادة بمرسى اللوزة ، وكان يسرد الصوم ويصيد بيده من البحر لقوته ويتصدق منه ، حتى جرت له قصة عند آخر عمره ؛ فكتمها .

قال : أبو القاسم : فسألته ورغبت اليه ، فحدثني بها . وذلك ان سلابة نزلوا عليهم فى مرسى اللوزه بشماع ففتحوا الباب وقسموا بيوت المرابطين  فانتهبوا ما كان فيها حتى اتوا الى بيت ابى زكرياء . قال : فوجدونى قائما في الصلاة وسواجيرى يقد . قال : فقطعوا على صلاة وقالوا لى : هات ما عندك من ودائع الناس ، والا عذبناك ، قال : فقلت : اتقوا الله ، ولا يغرنكم حلم الله فيكم ولا يغرنكم الشيطان . قال بعضهم لبعض : هذا لا يجيئكم منه شىء الا بالعذاب . قال : أبو القاسم : قال : فجاؤوا الى بخيط قرنب ، ورفعوا مئزري ليلقوه فى أنثاى . قال : فلما رأيت البلاء قد نزل بى رفعت عيني الى السماء ، وأنا ابكى واتضرع ، فقلت : الاهى ! ما هذا ظنى بك ، أعبدك ، لا  أشرك بك شيئا تسعين سنة ، فتهتك سترى وتفضحنى فى آخر عمرى ، لا  وعزتك ما هذا ظني بك . قال : فسقط الخيط من أيديهم ، وولوا هاربين "

ان هذه الاشارات الواردة في سياق عرض مناقب الشيخين أبى اسحاق الجبنياني ومحرز بن خلف لتتكامل لتقدم لوحات حية عن الاوضاع الاجتماعية فى القرن الرابع للهجرة بافريقية ، ويمكن ارجاع هذه الاوضاع فى نهاية الامر  الى مظاهر من الحياة اليومية " للناس دون تجريدها من صبغتها الواقعية ولا تفوتنا الاشارة فى نهاية الامر الى بعض الاستعمالات اللغوية التى تبدو  متأصلة بافريقية منذ القديم وهى لا تزال تستعمل حديثا فى اللغة الدارجة  ومنها " زريعه " ) ص 20 ( وجرادق ) ص 18 السفرة ) ص 175 مرمه ) ص 112 ( السلابه ) ص 40 و ص 52 ( ، وتزيد هذه العبارات تأكيدا لقرب ادب " المناقب " من حياة الناس

اشترك في نشرتنا البريدية