الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات ، مسرحية "التربيع والتدوير" ، تفجير للدوائر وبحث عن الحق

Share

مدخل

نشرت مجلة الفكر فى عدد اكتوبر 1977 مسرحية التربيع والتدوير لعز الدين المدني وهى فى شكل معارضة لرسالة التربيع والتدوير للجاحظ لكن اين لكمن المعارضة ؟ المعارضة هى فى انعكاس الصورة وقلب الاطار وابدال المواجهة وتحويل الضحية فاذا كانت رسالة الجاحظ تسخر من شخصية احمد بن عبد الوهاب وتتهكم على نسبه وحسبه وتسخر من منزلته وتزدرى من منصبه وتحتقر علمه فان مسرحية المدنى تعكس الوضع لكن هل بقى المدني فى نفس الاطار رغم عكس الصورة ؟ ! ! إذا بقى على نفس الخط فانه يعنى بكل بساطة ليس هناك خلق ولا ابداع ولا تجديد ولا بحث ! أما إذا تجاوز الصورة والاطار ليفجر التراث من جوهره ليخترق اللحظة التاريخية ويتجاوزها نحو الحاضر والمستقبلية فان الحكم ينعكس والصورة تنقلب هذا ما نريد ان نبرزه من خلال هذه الدراسة لمسرحية " التربيع والتموير "

بين رسالة الجاحظ ومسرحية المدني

وحتى نستطيع ان نلمس حقيقة هذه المسرحية وقيمتها الفنية لا بد لنا ان يتساءل : ماذا أخذ من رسالة الجاحظ ؛ وماذا أضاف اليها ؟ لنكشف فى النيابة " والتطابق أم التجاوز " . . فاذا كان التطابق فهذا لا يعنى التطابق فى المضمون بل في الفكرة وكذلك التجاوز فى المضمون وهدف الابلاغ ! بالرغم من أن الاولى رسالة أدبية والثانية مسرحية ذات شخصية منفردة . ذلك ان رسالة التربيع والتدوير كتبها الجاحظ هجاء وسخرية ونقدا حول شخص وعمل وعلم أحمد بن عبد الوهاب وذلك من أجل رئاسة ديوان الانشاء والعلامة الخليفة الواثق بالله العباسى فهى صرخة ساخرة ضد الظلم فى توزيع المناصب والمراكز . . أما صرخة المدني فى مسرحية التربيع والتدوير فانها تحلم بالحرية ، بالانعتاق فى عصر الضيق " أكلكم ضيق ، شرابكم ضيق نكاحكم ضيق ، زيكم ضيق ، أفقكم ضيق ، عدلكم ضيق ، حكمكم ضيق مماليكم ضيق ، مصيركم ضيق ، موتكم ضيق ، قبركم ضيق ، الضيق الضيق ! افتحوا الأبواب . . والنوافد ! . . "

أما شخصية أحمد بن عبد الوهاب وان كانت فى رسالة الجاحظ واحدة وهي أحمد بن عبد الوهاب رئيس ديوان الانشاء الذى عاش فى القرن الثالث الهجرى فانها فى مسرحية المدني قد عاشت فى كل زمان ومكان . أى أحمد بن عبد الوهاب تريد أن يخاطبك يا جاحظ ؟ أهو الذي عاصرك أم الذى سبقك ام الذي عاش بعدك بقرون ؟ واذا كان أحمد بن عبد الوهاب فى رسالة الجاحظ قد عاش ومات فى بغداد فانه فى مسرحية المدنى قد عاش فى اليمن ومراكش والقيروان وسمررقند ومصر والعراق والقفاهرة ودمشق والصين وأمريكا وافريقيا ! ! واذا كان أحمد بن عبد الوهاب فى رسالة الجاحظ قد عاصر الخليفة العباسى الواثق بالله فانه فى مسرحية المدني قد عرف الاله مردوك وملوك الغساسنة وأمراء الدولة المرابطية وابراهيم الثاني الاغلبى وتيمورلنك ورمسيس الاكبر وحمو ابى الملك القانوني والمماليك والامبراطور مينغ شونغ هوا والشركات الامبريالية فى افريقيا والعالم الثالث واذا كان أحمد بن عبد الوهاب عند الجاحظ رئيس ديوان الانشاء والرسائل فقط فانه فى مسرحية المدني قد كتب بريا الغزوات والحروب وتاريخ الفراعنة وتشاريع الحرية وتقارير القتل والاغتيال وحسابات الشركات الاستغلالية فى افريقيا . . وهكذا فان مسرحية المدنى تتجاوز رسالة الجاحظ على مستوى الزمان والمكان والمضمون والاطار

التربيع والتدوير الجاحظ ( رسالة هموم ذاتية أحمد بن عبد الوهاب ) ضحية أحمد بن عبد الوهاب عاش فى بغداد ( حمد بن عبد الوهاب ) عاش فى القرن الثالث ! أحمد بن عبد الوهاب ( رئيس ديوان الانشاء

التربيع والتدوير (المدنى مسرحية هموم انسانية الجاحظ ( ضحية ) أحمد بن عبد الوهاب ( فى كل مكان ( أحمد بن عبد الوهاب ) عاش فى كل زمان ) أحمد بن عبد الوهاب ( رئيس عدة دواوين (

التجاوز فى الشكل المضمون الإطار المكان الزمان المهام

وهكذا فان المدني لم يأخذ من رسالة التربيع والتدوير للجاحظ الا نقطة البداية فى شكل عكسى ومضاد لها وكذلك انطلق من شخصية أحمد بن عبد الوهاب كشخصية منفردة للمسرحية ليتتجاوزها بعد ذلك على كل المستويات ويوكد أن المسرح الترائى ليس خرافة كما يدعى البعض وليس تواكلا ولا استراحة ولا نوما على قارعة الادب بل انه خلق وبعث ومعاناة وولادة جديدة لتراث ادبى لا بد من العودة اليه والرجوع الى خفاياه ذلك أن التراث هو ملك لجميع الاجيال حتى يقع استغلاله وتفجيره من الداخل حتى تحطم أغلال الخرافات والمعتقدات ، انه لا ) يحفظ للمحافظة ( بل يحفظ كي يقع استغلاله بدون أن يثير حساسيات مفتعلة لان الادب يتجاوز جميع الظروف وجميع المعطيات والمسلمات حتى يستطيع ان يحلق بدون أن تكبله أية مسبقات حساسية من زاوية التراث الادبى والدينى والسياسي فالتاريخ تاريخ كل فرد وكل ينظر اليه من زاويته . ألم تنته الى اليوم فكرة التراث الذى لا يمس وفترة التمجيد والوقوف على أطلال البطولات والفتوحات والقصائد العصماء والرسائل ؟ ان المسرح الترائى يحلم لا بالتطابق والتناسخ بل بالتجاوز

التجاوز فى الشكل والمضمون وليس المقصود التجاوز للشكل التراثثى فقط بل كذلك للاشكال الغربية التى تكبلنا . . لان المسرح التراثثى لا يهدف الى العودة من اجل العودة بل الى العودة من اجل الوقوف والنظر والتمحيص والنقد والمواجهة والحكم لان التاريخ المكبل لا خير فيه لاننا سنبقى نلوكه ونلوكه لننفته بعد أن يمر طعمه . التاريخ هو فى النهاية " التاريخ الحافز لا المكبل " كما قال قسطنطين زريق فى كتابه " نحن والتاريخ ،

الهيكل والبناء الفنى :

ان المسرحية قد جاءت فى شكل " شكوى " بما تحمله كلمة شكوى من الم وانفعال واعتراف لوقائع الحياة وحوادث الوجود وهى شكوى يرفعها أحمد بن : عبد الوهاب رئيس ديوان الانشاء - ضد الجاحظ - الى :

* رب العالمين " العادل المنصف الحاكم الحكيم الرحمان الرحيم بعبده المظلوم ... "

2 ) والى " مجلس المظالم وقضاته السادة النجباء الجلة الفضلاء ورئيسهم خليفة رسول الله "

3* والى كل مؤمن غيور على دينه ودنياه . لكن اذا كان أحمد بن عبد الوهاب قد حدد من البداية مراحل شكواه الى ( الرب ، ومجلس المظالم ، والشعب ( فان البناء الفنى جاء مخالفا لذلك وأخذت شكواه مراحل أخرى ( الرب ، والشعب ، ومجلس المظالم ) فكأن أحمد بن عبد الوهاب قد تفطن الى أن ازالة التهمة لا تكمن فى اصدار حكم البراءة من مجلس المظالم بل أن تقع براءته من ادعاءات الجاحظ من طرف الشعب والعامة والرعاع وهو ايمان قوى بحقيقة الحياة ودينامكية هذا الواقع اذن الحكم فى حقيقته لا يبرئ من شىء بل ان الايمان من طرف الطبقات السفلى من التركيب الاجتماعى هى الحقيقة وهى واقع الاشياء فكم من متهم هو فى واقع تفكير العامة برئ وكم من برئ هو متهم فى خفايا النفوس وداخلها :

فى المقدمة يرفع الشكوى الى الله مجلس المظالم العامة والشعب

فى المسرحية يرفع الشكوى الى الله مجلس المظالم العامة والشعب

لذلك تكون نسبة شكوى أحمد بن عبد الوهاب الى الله سواء فى سره وهو يدعو ويصلى أو فى جهره يمتد على كامل المسرحية أما شكواه الى العامة والشعب فيمتد من الجزء أو اللوحة 3  الى 24

أما شكواه الى مجلس المظالم فمن 6 الى 24 وهى أضعف نسبة لشكياته بسهطا أمام الخليفة وهذا ما يدعم ايمان أحمد بن عبد الوهاب بالعامة والرعاع كثر من مجلس المظالم وخليفته

شكواه الى الله شكواه الى مجلس المظالم شكواه الى الشعب والعامة والرعاع

26 لوحة 18 لوحة 21 لوحة

100 % % 70 80 %

وهكذا فان ايمان احمد بن عبد الوهاب بعدل الله كلى كشأن التفكير الاسلامى والعقلية المسيطرة فى القرن الثالث وحتى اليوم ثم يأتي بعد ذلك ايمانه بالشعب تم وأخيرا ايمانه الضعيف بأحكام مجلس المظالم لانها تبقى في النهاية أحكاما زائفة يكسوها الضباب والغيار

أما المساحه المكانية فى المسرحية فيمكن تحديدها فى ثلاث مراحل حتى نستطيع ابراز الهيكل الاول للمسرحية :

1 * خارج مجلس المظالم : وهو فى طريقه الى المجلس ووقوفه بين الناس وصلاته وابتهالاته قبل بسط قضيته

2 * داخل مجلس المظالم : عند بسط وشرح قضيته وكذلك هجاؤه للجاحظ ووصفه لنفسه وتقديمه لحسبه ونسبه وكذلك قبيلته وجده ووالده وأهله .

3 * خارج مجلس المظالم : فى صلاته وابتهالاته وأخيرا حيرته الابدية كحيرة الانسان فى الكون وامام الواقع الذى يعيشه

وهكذا فان أحمد بن عبد الوهاب وان كان الشخصية الوحيدة فى المسرحية فانه ينتقل على شكل مسار طويل كصراط مستقيم فهو يصلى ثم يبتهل الى الله ثم يتجه الى مجلس المظالم ليقف أخيرا أمام الباب بين العامة والرعاع والشعب وبعد طول انتظار يدخل الى المجلس ويشرح قضيته ثم يخرج ليصلى

فى انتظار المداولات واصدار الحكم لكن الحكم لا يأتي فيبقى أحمد بن عبد الوهاب إلى نهاية المسرحية حائرا متسائلا ؛

كان في مستطاعي ان ألقى عليك ألف سؤال لانهم خزنوني بألف ألف سؤال فى كل علم وفي كل فن ، خزنونى بألف ألف جواب فى كل علم وهى كا فن ، أنت انسان ضعيف أنت انسان صغير ، أنت انسان حقير أنت انسان جهول ، انسان أنت انسان انسان ، أنت جهول ، أنت انت انت أنت أنت .

لكن وان جاءت المساحة الزمانية واضحة فان المحاور الداخلية فى المسرحية متداخلة ومتشابكة في مضمونها واهدافها وعمق النظرة للأشياء وللحياة ومعاناة الانسان . . ذلك أن 26 فقرة أو لوحة التى تقسم وتحدد النص المسرحى كما ابرزه المدني ليس ضروريا ذلك أن النص ) ككل ( متكامل فى حد ذاته . .

اللوح 1  2  3  4  5  6  7  8 -  9  10  11 12 13 14 15 16

أحمد بن عبد الوهاب يصلى يبتهل الى الله فى طريقه الى مجلس المظالم أمام باب مجلس المظالم بين الناس أمام الخليفة رئيس مجلس المظالم يشرح قضيته يلخص قضيته يجيب عن أسئلة الخليفة يفاخر الجاحظ يجيب ثانية على اسئلة الخليفة يصف الجاحظ يتحدى الجاحظ يجيب ثالثة على اسئلة الخليفة يقدم شخصه يقدم جده

خارج مجلس المظالم 1 داخل مجلس المظالم

17 18 19 20 21 22 23 24 25 26

يقدم والده يقدم نفسه ثانية يشرح أمره وشانه يصف وظيفته يهجو الجاحظ ويفاخره يشرح الخصومة بينه وبين الجاحظ يصف نفسه ووظيفته ينصح الجاحظ يصلى

خارج مجلس المظالم  3

ويمكن الوقوف على هذا التكامل حتى من خلال اللوحات التى تتناول كامل النظرة فى اغلب الاحيان . . فالصلاة والابتهال شكوى الضعيف وشكوى المداس وهجاء الجاحظ شكوى وابراز محاسن النفس شكوى مضادة لتهمة أراد ان يلصقها به الخصم والشكوى الصامتة أمام الوجود والواقع والحياة وكذلك الدوائر التى تصنف وترتب الانسان هى بدون شك الحيرة الانسانية فى عالم متداخل لا يعرف أين هو ؟ وماذا يريد ؟ وبماذا يحلم ؟

، لكم تغنيت - مثلك - طوال العهود والعهود - بالانسان التواق الى التمام والكمال . لشد ما ترنمت - مثلك - أيضا عبر القرون التى تغرق فى القرون يقيم الانسان الى الخير ، والعدل ، والحرية ، والكرامة ، لطالما كنت - مثلك كذلك - بأن للانسان معنى ، بأن للانسان قيمة ، بأن الانسان فوق الحيوان فوق كل شئ . .

كان حلما كالفجر نورانيا طيبا لذيذا . واليوم ، ياجاحظ ؟ كانت القيم تغرينا ، بلى تغوينا ، فننصاع مذعنين ، تهزنا حماسة السبق ، وتسلق أعالي الجبال ، والبذر ، والزرع ، والقطف ، فالتهمناهما التهاما ذريا ، كنا نسورا واليوم ياجاحظ ؟ حشرات عمياء فى ليلة حالكة الظلام .. "

( يتبع (

اشترك في نشرتنا البريدية