الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات ، مسيرة " همسات الى الزمن الهارب

Share

منطبعات عن الشخصية الهاربة :

منذ استغراقي في القراءة الأولى لهذه المجموعة ألح على سؤال ظل يراودني                بين الحين والآخر وأنا فى مسيرة القراءة من الهارب أهو الزمان حقا

وكنت كلما تقدمت شوطا في القراءة ، وطويت صفحة على سابقتها ، تراءت لي كلمات حكمية نيرة كان الشاعر أبو الطيب المتنبي قد أطلقها في  احدى قصائده العتابية لسيف الدولة :

إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا  ألا تفارقهم فالراحلون هم

وما أنهيت قراءتى الأولى حتى تأكدت لى هذه الحقيقة ، حقيقة أن الهارب لم  يكن غير الشاعر إنه ليس الزمن ، فالزمن منذ بدء الخليقة يجرى فى مستقر  له . ولكن الشاعر وقد أعجزه التلاؤم مع واقعه الزمني لم يجد بدا من الهروب لأن هذا الواقع كان فى رؤية الشاعر قادرا على أن يستوعبه ، وان يهبه الاستقرار دون أن يفعل ، فانه - أى الشاعر - لم يملك إلا أن يقر

بحكمة المتنبى وأن يتهم زمنه بالهروب منه ، وبالتالي أن يضع على دفة  مجموعته الشعرية الثالثة التى عنوانها : " همسات إلى الزمن الهارب " ) *

الهروب لماذا ؟

قد لا يجد قارئ هذه المجموعة نفسا منغلقة على سر الهروب إذا تجاوز ظواهر الكلمات ليتأمل أبعادها ، خاصة والشاعر فيها - أو فى عمومها على  الأقل - لم يلجأ إلى الرمزية المغرقة ، وان كان له فى بعضها نفس ، وإنما قد  عبر في عفوية عن التجربة والمعاناة وأطلق الكلمة لتحدد بنفسها مصير  مفهومها .

إننا لا نكاد نسير بين دفتى المجموعة بعض مراحل السير حتى تتراءى لنا عناصر المأساة التى كان الشاعر قد عناها أو هو يعانيها ، والتي دفعت به الى  محاولة الهروب من هذا الواقع الذي يحياه والذى لم يتلاءم مع معالم وجوده .

وأول هذه العناصر كما يمكن تلمسه من المجموعة الشعور بالغربة :

والشعور بالغربة لم ينفرد الشاعر بمعاناته فقبله شعراء كثيرون عاشوا عصورا مختلفة أحسوا بمثل شعوره ابتداء من العصر الجاهلى وامتدادا الى عصرنا و - كما أعتقد - الى ما بعده ايضا وحتى اللانهاية

والشاعر قد صور هذا الشعور بالغربة فى أكثر من موطن ولكنه جلاه  أكثر في قصائده : " نلتقي عند الحريق " - و يرحل مثل النوارس ظلي  و تهويمات فى الحب والوطن

يقول فى قصيدته : ) نلتقى عند الحريق ( ص 42

واقف وحدى على ضفة هذا العمر

واقف والحزن في قلبي حريق

نزواتى ضيعت عمرى وما زلت مع الأنسام فى الحب غريق

كل من احببتهم زاغوا     وذنبى اننى قد كنت شاعر

ويقول فى قصيدته : ) ويرحل مثل النوارس ظلي ( ص 35

اكون مع الوهم أعدو ولا وجه لي

غير جرحي المقنع كل الدروب التى جبتها انكرتني

وما فهمتني

وها أننى فيك مغترب القلب يا وطن الحلم كل المسارب قد لفظتني

أما في قصيدته : ) تهويمات في الحب والوطن ( ) ص 24 ( فيقول :

ومهما يكن خافقي طافحا بالوفاء يظل الاحبة أصل الجراحات

لا وجه يعرفني ، لا حبيبة تسكن جرحى المعمق

تهمي على مدني مطرا        وترجع للعمر ما عبرا

هذه بعض النفثات التى يمكن ان تكشف لنا عن مأساة الشاعر فى احساسه بالغربة ، وهو احساس يمكن أن نتلمس أبعاده متى أدركنا المفارقات  التى تكمن وراء التعبير الظاهرى

فى القصيدة الاولى فصل للعمر عن وجود الذات من جانب ومقابلة للحب بالزيغ من جانب آخر . وكانى بالشاعر وقد أثقلت عليه حياته الغريبة بين  اناس أخلص لهم الود فقابلوه بالزيغ والانكار ، قد ود لو تخلص من هذه الحياة ، فهو لا ينسب العمر الى نفسه ولم يقل : ) واقف وحدى على ضفة  عمرى ( بل نزع عنه الاضافة التى تفيد الملكية والانتماء وكأن عمره شئ لا  يتصل بذاته واغرق فى التنكر له حين قدم عليه اسم الاشارة وفيه ما فيه  من إيحاء بالنفور وإرادة التخلص

ومقابلة الحب بالتنكر نستشفها أيضا من القصيدة الثانية ولكن بطريق الايحاء هذه المرة ، أما عمق المأساة فلا يتجلى من هذه المقابلة وانما من الصورة الحية التى رسم بها ذاته : ذات لا وجه لها . بل وجهها الجرح وهو جرح لم يتنفس نور الحياة لان القناع كان قد غلفه وطمس معالم الاشياء في  وجوده ورغم ذلك ، فهذه الذات لا تسير السير المتأني المتثبت بل هي تعدو  وراء الوهم ، بعد ان لفظتها كل المسارب ، فى خطوات عشوائية فوضوية كما  سنرى ذلك بوضوح اكثر عند محاولة التعرف على الملجأ او الملاجئ التى كان الشاعر يسعى الى الاحتماء بها والفرار اليها .

ومرة ثالثة تبرز المقابلة بين وفاء الشاعر لأحبته وبين إعراضهم عنه وذلك من خلال القصيدة الثالثة . وتبدو المأساة فى وجهها الجديد من خلال المفارقة التى أقامها الشاعر بين ادعائه لملكية المدن ) عن طريق الاضافة : مدني  وبين ضياعه فيها وغربته بين أبنائها : ) لا وجه يعرفنى - لا حبيبة تسكن  جرحي المعمق تهمى على مدني مطرا ) .

والعناصر الاخرى وكلها تتظافر فى تعميق الاحساس بالغربة تتمثل خاصة فى : الاحساس بزيف الحياة واضطراب القيم فيها

يطالعنا فى قصيدة : من مذكرات أبي نواس المنسية ) ص 46 ( قول الشاعر :

الزهرة ما عادت زهرة     والخمرة ما عادت خمرة

وهو قول يجمل فى كلمات معاني غزيرة تكشف عن القيم المهزوزة المضطربة فى عصر الشاعر  

وبمثل هذه اللمحة الموحية يتناول الشاعر نفس القضية فى قصيدته : همسات الى الزمن الهارب حيث يقول : ) ص 39 (

فى الزمن الهارب تغدو الاشواق رياء

والصيف شتاء

في الزمن الهارب

اومن بالقدر القاهر ( ص 38 (

اتدفق وهما فى الآتي

أتمزق بين جهات الارض ( ص 40 (

واقف وحدى هنا

يا شاعرين احترقا قبلي ولكنى احترقت

طالما حيرنى الزيف ولكنى على الزيف انتصرت

واقف وحدى هنا لا بل انا صرت الرفيق

لكما فوق الطريق ) ص 44 (

الضياع القومي

لئن كان لزيف الحياة واضطراب القيم فيها اثره فى تمكن الشعور بالغربة  من قلب الشاعر فان مصير الذى انتهى اليه الوجود القومى العربى ، من  انحلال اخلاقي وقعود عن حماية الاوطان ، قد لعب دوره فى احساس الشاعر  بالغربة . والقارئ لقصيدته : " يا وطن العروبة " تنكشف له حقائق الحياة  العربية التى تلبستها الأوهام وسيطرت عليها الأكاذيب والادعاءات ) ص 61 (

يا وطن العروبه

متى إذن تصحو من الأوهام ؟ وتعشق الحياة والاقدام ؟

فانما يقظتنا أكذوبه وحلمنا أكذوبه

وكل شئ عندنا يباع باسم المجد والعروبه

ولعل لايمان الشاعر بالطاقات القومية وقدرتها على خلق المعجزات مع تقاعسها وانغماسها فى أسباب الترف واللهو ، أثره الأكبر فى تعميق هذا الاحساس وهو الذى يقول فى خاتمة هذه القصيدة :

نحن إذا شئنا اندفعنا مثل سيل هادر

نحن إذا شئنا اندفعنا مثل سيل هادر

فليس بالحلم ننال المجد بل

بالجهد نسطيع تحقيق المصائر ) ص 62 (

ولعل ادراكه لهذا الواقع هو الذي دفع به أيضا الى أن يتوجه الى رفاقه الشعراء حتى يتحرروا من المسالك العبثية التى يتخبطون فيها ، وينكر عليهم اغراقهم في التشدق بالخمرة والنساء بينما فلسطين تحرق معالمها العمرانية ويشنق الحق على قضبان الصهيونية فيها :

ههنا فى الشرق يحلو عندنا ان نتشدق

بنبيذ وبكنياك معتق

ونساء فاتنات هن مثل الزهر فى الروض المنمق

وفلسطين بها العمران يحرق

وبها الحق على القضبان يشنق

كيف يحلو بعد هذا أن يغنى الشعراء ؟ ! ( ص 29-30 (

بقى أن أشر إلى عنصر آخر لا اعتقد أن أثره كان كبيرا على نفس الشاعر واحساسه وبالتالى على معاناته بالغربة ، هذا العنصر يتمثل فى حيرة البحث عن الملجأ الدافى والمستقر الحانى وهذا ما سأتناوله فى الآتى .

الهروب إلى اين ؟

إذا كان لنا أن نأخذ بما ادعاه الشاعر من هروب الزمن ، وجب علينا أن نقول بهروب المكان ايضا ، لان الشاعر لم يستطع أن يتلاءم في وجوده لا مع  الزمان فحسب بل ومع المكان أيضا ، ومن هنا وجب علينا - وقد سلمنا بأن الشاعر هو الهارب لا الزمن - أن ننظر الى المهرب من مجاليه ، الزمانى   والمكانى .

أ ( - المجال الزماني :

لقد حاول الشاعر منذ صفحة الاهداء أن يوهمنا بانه يستطيع أن يقهر الزمن وان يعيشه حاضرا ومستقبلا حينما قال : " كلى إيمان بأن الزمن لا  يستطيع ان يهرب مني ما دمت معكم يا احبتى نتساقى كؤوس الهمس ونغنى  للوطن القادم " . ولكن هذا الايهام لا يعيش فى نفوسنا طويلا . فنحن لا نكاد نساير صفحات المجموعة حتى تلوح لنا ظلال الشاعر وهى تتقلب فى الزمن تبحث عن المستقر بين ماضيه وحاضره ومستقبله ، فلا تعثر له على وجود  فتظل فى حيرتها واضطرابها الوجوديين ويظل السؤال القلق يردد : الهروب  الى أين . . ؟

حاول الشاعر أن يهرب من الماضي والحاضر باعتبارهما مولدين لمأساته ، الى المستقبل باعتباره زمن العتق والخلاص ، وعبر عن هذه المحاولة في قصيدته : " همسات إلى الزمن الهارب " :

في الزمن الهارب

أتدفق وهما في الآتي ( ص 40 )

كما عبر عنها في قصيدته : " الى قارئ شعري ففيها تصوير لفجيعة  الحاضر وعذاب الماضي وشوق متطلع الى المستقبل أو كما سماه هو الغيب أو المدى ) ص 17 (

لكن قلبي يا احبة بالفجيعة موثق

كم تاه فى لج العذاب كما يتيه الزورق

لكن روحي يا صحاب إلى المدى تتحرق .

وحاول أن يهرب الى الماضي بالعودة الى الامس وذكرياته كما جاء فى قصيدته : ويرحل مثل النوارس ظلي

فيا زمن الوصل عد

فانا مثل صفصافة القفر ابكى ) ص 36 (

وكما يوحى بذلك قوله من قصيده : " الصيف عاد " :

ورسائل الحب القديم تعيدني

للذكريات ومن لظاها أحرق ) ص 45 (

وقوله فى قصيده

" معزوفة أخرى للحزن والذكرى :

ها قد ذكرتك يا ربوع احبتي

ها كل درب من دروبك عاد بي للامس

ألمح فيك نهرا للمحبة يحتويني ) ص 20 (

ب ) - المجال المكاني :

لقد عبر الشاعر عن خوضه للمجال المكانى فى أكثر قصائده . وقليلة هي القصائد التى لم تضم اليها كلمة تعبر عن الرحيل فى المسافات والسفر فى الأبعاد من بعض هذه التعابير

" أختصر المسافات - أركب صهوة الشجن - أنا ابحرت - أضعت العمر فى الترحال - طالت مسافات الضياع - أرحل في عبيرك - أركب ألف راحلة - لم ينسني التجديف في الاوهام - ما اعذب الابحار فى الاوهام -

تبكى محطاتى - ترحل كل مراكبى - راحل انا فى عبيرك - أركب صهوة الاشواق - أرحل فى ظفائرها - انا فى الحب قد ادلجت - تنشر اشرعتى الريح - اركب صهوة حزنى - أتلمس بين المسالك دربي - ندعى الابحار فى المجهول - يرحل مثل النوراس ظلي - أكون مع  الوهن أعدو - توغلت حتى حدود الترنح - أركض ، ارحل غيما فى اجواء - ها ترحل اشرعتى - تضنيني الرحلة من زمن .

ويتلاءم هذا التعداد الكثيف لتعابير الرحلة المتواصلة مع واقع الشاعر النفسى الذى لم يستطع أن يجد الاستقرار فهو دائم التلمس لدربه بين  الدروب ، متمزق بين جهات الارض ، وكل الدروب التى جابها تنكره يقول  فى : " تهويمات فى الحب والوطن " معبرا عن استغراقه فى البحث عن  الطريق :

ذكريات الأحبة تنشرني للمحطات

تصهل ريح وتندب ريح .

وابقى انا . . ههنا أتلمس بين المسارب دربى ) ص 25 (

ويقول مصورا غربته فى المكان بعد أن تنكرت الدروب له

ويرحل مثل النوارس ظلي غدا

واكون مع الريح اشهق فى الفلوات .

أكون مع الوهن أعدو ، ولا وجه لي

عبر جرحي المقنع كل الدروب التى جبتها انكرتني وما فهمتني

وها اننى فيك مغترب القلب يا وطن الحلم كل المسارب قد لفظتني

( ص 35 )

وفى " همسات الى الزمن الهارب " يقول :

فى الزمن الهارب

اتدفق وهما فى الآتي

اتمزق بين جهات الأرض

وقد طوحت بالشاعر رحلاته ، أو هروبه المكانى وزرعت فيه حب المغامرة فى الابحار ، ومكنت من نفسه التوق الى الابعاد ، فما أشبهه بالسندباد ، لولا أن مغامرات السندباد فى رحلاته كانت تصدر عن رغبة واختيار ، ومغامراته  

هو  تصدر عن ارادة فوقية متحكمة يقول فى قصيدته : " من اعانى سيزيف المهزوم " :

تضنيني الرحلة من زمن ما اقسى الرحلة والأقدار !

ما زلت أتوق الى الأبعاد وأسكر من همس الأشجار

ما زالت كاسى تغرقني واللوعة تكبر فى الأغوار

الدرب الدرب سينكرنى وسترحل عن روضى  الاطيار ) ص 52

وقد وجد الشاعر نفسه نتيجة هذا التمزق والضياع وتنكر الوجود المكانى لوجوده مجبرا على البحث عن مكان غير الذى يحتويه . فكانت تطلعاته الى عوالم غير التى يعيشها فى وطنه والتى تكشفت له فيما بعد عن انها عوالم  وهمية :

انا ابحرت فى الأوهام من زمن .

الكلمة فى ترقيمها الشعرى :

إذا آمنا بأن الكلمة هي الطاقة المجسمة للاحساس وبأن الشعر هو التأليف لهذه الطاقة فى وحدات صوتية منغمة تميزه عن النثر ، أمكن لنا أن نقول : ان الشاعر المشرقى فى مجموعته الهامسة كان شاعرا ، عبر بالكلمة عن التجارب التى عاناها سواء فى وجوده الذاتى الخاص أو في وجوده القومى العام وقد سلك في طريقه التعبيرى نهجين اثنين عرف احدهما بالنهج التقليدي  ، والآخر بالنهج الحر  ، وانه من وجه آخر استطاع أن يلائم بين الصورة  والشكل فجمع بين الخطابة والتقرير فى قصائده التقليدية - على قلتها  وبين الايحاء والرمز المحتشم فى قصائده الحرة وهكذا كان له أن يلبس كل  هيكل اللباس الذى يجليه

الموضوع في اشعاعه الملهم :

وكما جمع الشاعر بين الاسلوبين الخليلى والحر فى مجموعته فانه جمع أيضا بين المواضيع المختلفة فكشف عن تجاربه الوجدانية الذاتية وعبر عن آمال وجوده القومى ورسم حدود الرسالة الادبية التى آمن بها وبذلك كانت عموم قصائده نابعة : اما عن الوجود الذاتي الوجدانى ، أوعن الواقع القومى ، أو  عن الحياة الادبية .

وقد تبدو لنا هذه المواضيع منفصلة لا يربط بينها الا كونها تعيش الوحدة المكانية فى قلب الشاعر ولكن وعند التأمل يبدو التفاعل  الكبير بينها حتى لتكاد تنصهر فى موضوع واحد هو الوجود الوطني القومى

فقصائد الديوان فى تصويرها للغربة والترحال والحنين والعودة القاهرة أو المتشوقة كلها تنبع من الوجدان الوطني ، والحياة الادبية التى دعا الشاعر الى  الاستظلال بفيئها ، هى الحياة التى تهتم بالوجود القومى ومشاكله الحيوية وبذلك يكون الشاعر فى مجموعته : ) همسات الى الزمن الهارب ( أراد ذلك عن وعي أو لم يرد - شاعرا ملتزما وهب نفسه وقلبه وقلمه لتكون الشعلة  المشعة فى الرحلة الوجودية لأجياله الوطنية والقومية

واذا كانت بعض نفثات الشاعر تبدو من خلال القراءة السريعة خاضعة لنزعة تشاؤمية مسيطرة مما قد يتنافى والرسالة التى عبر عنها هو بقوله

لا نريد الشعر عرشا يعتليه الضعفاء

لا نريد الشعر اوهاما وزيفا ورياء

إنما الشعر إذا ما شب في جو الوفاء

كان رشاشا يدوى ، ونداءات فدائى ) ص 30 )

فانها من خلال القراءة المتأنية تبدو على النقيض من ذلك ولتجلية هذه الحقيقة يجب علينا أن نتابع خطى الشاعر منذ البداية وحتى  نهاية مطافنا معه

الشاعر فى دورته الوجودية :

كما أشرت الى ذلك من قبل كانت رحلة الشاعر طويلة ومضنية حاول فيها الفرار من الواقع الذي يحياه وعانى فيها من التمزق ما عانى . وكانت أغلب  قصائده تصور هذه الرحلة فى الزمان والمكان كما تكشف عن ضياع الشاعر  فيها وفي كل ذلك يبدو تشاؤم الشاعر وضعفه

على أن هذا المنزع الضعيف المتشائم كثيرا ما تغمره روح التفاؤل والتطلع  الى الواقع المستقر بين أحضان الواقع الوطني وذلك ما عبر عنه فى أكثر من  قصيدة . يقول مثلا فى قصيدته : " معزوفة أخرى للحزن والذكرى  ( ص 20 ) :

ها قد ذكرتك يا ربوع أحبتى

ها كل درب من دروبك عاد بي للأمس

. . ألمح فيك نهرا للمحبة يحتوينى . . فأكون فى شبه انتشاء

واكون أخصب واحة تغفو على كف المساء

ويقول فى قصيدته

ويرحل مثل النوارس ظلي

وحين تدق النواقيس فى غربتى يكبر الجرح

ينغرز الياس بين الجوانح يسطو المساء على مدني

وتمد ذراعيك يا وطني لتطوقني

وتبعث دفء المحبة فى بدني

وفي قصيدته

" تهويمات فى الحب والوطن يقول

ويظل الوطن المحبوب توقا للعبور .

مرفا للحلم يحويني فأبقى اتملى ذكرياتى فيه مشبوب الشعور

فالأزاهير ستعبق

وشموس الأمل الوضاح حتما سوف تشرق ( ص 26 (

وبهذا الفهم تكون دورة الشاعر الوجودية قد انطلقت من الواقع لتحلق فى رحلتها الكونية ، وبعد احساسها بالفشل والضياع تعود الى مستقرها  لتلتمس الدفء والامن وان كانا نسبيين . وبهذا الفهم أيضا تكون حدة التشاؤم قد خفت ليحل محلها إيمان بأن شموس الأمل الوضاح حتما سوف  تشرق .

انطباعات اخيرة :

كان من المستحسن لو سجل تواريخ القصائد فذلك يساعد الدارس فى  مهمته أكثر

2 ( تبدو بعض قصائد المجموعة وكأنها تكرر ذاتها ولعل ذلك يعود الى الوحدة الزمنية التى قيلت فيها .

اشترك في نشرتنا البريدية