الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات, إبداعات نعيمة الصيد

Share

(القاهرة)

نزعة التحرر عند المرأة الشرقية :

لا أنكر أديبتنا الواعدة نعيمة الصيد أننى عندما قرأت إبداعاتها الموسومة " برعشة حلم " أخذتني الدهشة وتملكتني الحيرة من جررأتها على التعبير عن عواطف المرأة وتعرية أحاسيسها والكشف عن أعماقها والإعلان عن مشاعرها والبوح بأسرارها ، ولقد خطر ببالي حيناً أن هذه الإبداعات لا تعدو أن تكون لوناً من ألوان "الأدب المكشوف" أو ما اصطلح النقاد على تسميته " بالأدب المعرى" إلا أننى لم ألبث أن عدلت عن هذا الخاطر وتبدلت دهشتي إعجاباً وأنقلبت حيرتى تقديراً لهذه الإبداعات ، وأكتشفت أن وراءها قضية تحاول نعيمة أن تبرزها وتؤكدها وأن تشد الإنتباه إليها من خلال هذه المقطوعات، تلك هي قضية حرية المرأة الشرقية في التعبير عن نفسها ومحاولتها فك الأغلال عنها وتحطيم القيود التي كبلتها وقيدت حركتها وأعاقتها كأنثى عن الإفصاح عن خلجاتها وإنفعالاتها والحديث عن عواطفها ومشاعرها.

ولعله أن يكون من نافلة القول أن نزعات التحرر عند المرأة الشرقية والمسلمة بصفة خاصة - قد أخذت أشكالاً شتى وألواناً مختلفة خلال رحلة كفاحها الطويل في سبيل نيل حريتها ، إبتداء من دعوة رواد المصلحين إلى تعليم المرأة وتثقيفها وتحريرها من الحجاب ، إلى خروج المرأة إلى ميدان العمل والمشاركة حنيا إلى جنب مع الرجل في صنع الحياة والإسهام في الحركات الوطنية والإنتفاضات التحريرية ضد الإستعمار الأجنبى في العالم العربي، وقد واكب هذا كله محاولات من جانب المرأة للتعبير عن قضيتها والإفصاح عن معاناتها والإعلان عن رغبتها وإصرارها على نيل حريتها والتحرر من أغلال التقاليد والأعراف الموروثة والإنطلاق من سيطرة الرجل وهيمنته والمناداة بالمساواة في الحقوق بينها وبينه وتأكيد شخصيتها والسعي وراء الإستقلال الإقتصادى والإعتماد على النفس ، اعتباراً بأن المرأة لا تقل عن الرجل مقدرة وجدارة واحتمالاً لمواجهة أعباء الكفاح والنضال في خضم الحياة .

على أن الملاحظ في هذا الصدد أن ما يمكن أن نطلق عليه مرحلة الدعوة إلى تحرير المرأة في مطلع هذا القرن العشرين ، قد حمل لواءها في بادىء الأمر بعض الرجال من المصلحين ، ثم لم تلبث أن أخذت المرأة بزمام قضيتها في يدها وأنطلقت تدعو لها وتنادي بها وتعلن عنها وتكافح في سبيلها وتحشد الأنصار حولها بشتى الطرق والوسائل المعروفة في ذلك الوقت من كتابة وخطابة وتأليف وتكوين جمعيات نسائية ونواد أدبية وإصدار مجلات نسائية، ولم يكد القرن العشرين ينتصف حتى ظفرت المرأة الشرقية في كثير من أقطار العالم العربي والإسلامي بكثير من الحقوق وتحررت من كثير من القيود والأغلال التي أنحدرت إليها عبر أجيال طويلة ، فنفضت عن كاهلها تقاليد وعادات وأعراف موغلة فى القدم متوارثة جيلاً بعد جيل ، وتخففت من تلك الأحمال الثقيلة نافضة عن كنوزها العقلية والنفسية المخبيئة غبار الماضى محطمة عن لآلئها ودراريها الذهنية والفكرية المتوهجة أصداف القواقع المتحجرة المتمثلة في التضييق والتقييد والحجر والطوطمية وأن لا مساس والعيب والعار والشعور بالذنب والخوف من الوقوع في الخطيئة أو التردي في الآثام ، وبرزت المرأة الشرقية من كهوفها المظلمة وسراديبها المعتمة تستنشق أنسام الحرية وتتطلع في إنبهار ودهشة إلى ضوء الشمس يغمر كيانها ويددغ أحاسيسها ويهدهد عواطفها ويثير إنفعالاتها ويفجر ينابيع الخلق والإبداع في وجدانها، فبعد أن كانت كتابات المتأدبات من النساء في النصف الأول من هذا القرن من أمثال باحثة البادية والآنسة مي وزينب فواز تدور حول قضية المرأة وتعليمها

وتحريرها وتعرض لمشاكل حياتها الزوجية من طلاق وتعدد زوجات وتربية أولاد ، اتجهت لكتابات إلى التعبير عن عواطف المرأة وأحاسيسها والإعلان عن نبضات قلبها وإختلاجات مشاعرها وإنتفاضات إنفعالاتها دون خوف أو حرج  أو تستر وراء زيوف بالية من التقاليد العتيقة أو التخفي وراء دهانات باهتة من العادات السقيمة أو التصنع بالإمتثال للأوامر والنواهي الصارمة فكانت الكتابات المتحررة لغادة السمان وكوليت خورى وجاذبية صدقي وكانت الأشعار المنطلقة لجميلة العلايلي وطلعت رفاعي ونازك الملائكة وفدوى طوقان

حرية التعبير عند نعيمة الصيد :

هذه المرحلة المتقدمة من التحرر في التعبير عند المرأة تمثلها أديبتنا نعيمة الصيد أصدق تمثيل ؛ فهى لا تشعر بخوف ولا تجد حرجاً في أن تقول بكل جرأة وتحد وبكل ثورة وتحرر:

أنا يا طفلي منذ ولدت

مسكونة بنار الشهوة والإنتظار

وتقول أيضاً :

أهبط للشوارع عارية . عارية

جسدى أجنحة تبصق البارود

تقذف النار

أصيح في الساحات

أنا عاشقة . عاشقة . عاشقة!

وتعلو النبرة عندها شيئاً فشيئاً فتقول :

أعشقك

أكتبها على أغصان القلب الوردية

أعشقك

تقطع أوصال الخوف

ورعب الأعوام الحجرية .

ثم تعلو النبرة أكثر فأكثر وتقول:

أنتظرك

قلبي خيوط من نار تصهل في دمائي

تشهق

روحي على مقصلة العشق تشنق

أنتظرك . . أنتظرك

لأسبح في زورق حضنك

فى ملكوت الشهوة !!

ونود أن نشير هنا قبل أن نمضي قدما في هذا الحديث إلى إنه إذا كان الرأى السائد عند النقاد أن الأديب أو الشاعر إنما يعبر غالباً عن نفسه وعن تجاربه الشخصية وإنفعالاته الذاتية وأحاسيسه الوجدانية من خلال إنتاجه الأدبي سواء كان شعراً أو نثراً ، إلا أنه ليس بالضرورة حتماً أن يكون هذا الإنتاج صادراً عن تلك التجارب والإنفعالات والأحاسيس أو أن يكون معبراً عنها ، فكثيراً ما يخلط الأديب الخيال بالواقع ويمزج بين الحقيقة والوهم ويزاوج بين واقع الحياة وأحلام اليقظة ، ولعل أديبتنا نعيمة الصيد أن تكون من زمرة هؤلاء الأدباء الذين يعبرون حيناً عن تجارب الآخرين

قضية الأدب المكشوف :

نعود فنقول إنه لا عجب إذا أثارت كلمات نعيمة آنفة الذكر الدهشة والحيرة عند القراء ، ولا عجب أيضاً إذا أثارت هذه الكلمات تساؤلات وشكوكاً حول ما تبدعه نعيمة ، ومن هنا يجد الناقد لزاماً عليه أن يبدد هذه الدهشة وأن يزيل تلك الحيرة وأن يرد على تلك التساؤلات وأن ينفي تلك الشكوك، لا ليجد تبريراً وإنما ليحاول أن يجد تفسيراً ويستكنه ما وراء العمل الأدبي من دوافع وموحيات . وهذا يجرنا إلى الحديث عن قضية الأدب المكشوف أو الأدب المعرى كما يحلو للبعض أن يسميه

ولقد اختلف النقاد حول هذه القضية إختلافا كبيراً وأحتدم الجدل بينهم وطال الحوار والنقاش منذ أن ظهر أبو نواس بمجونياته ، فذهب البعض إلى أن التجربة الجمالية عند الأديب - شاعراً كان أو ناثراً - لا تتقيد ولا يجب أن تتقيد بإنفعال شريف نبيل أو إنفعال ماجن نازل ، ولا يجوز أن يحصر نشاطها في باقات الفضيلة والإنفعالات السامية ، لأن الشعر أو الكتابة الأدبية لا تتقيد بالمثل الأخلاقية أو الدينية أو الاجتماعية ، بل إن لها ميدانها المستقل ومجالها الخاص ، والفنان المبدع أو الشاعر الخلاق ، يجد المجال في الطيب والخبيث، ويرى الجمال في الجميل بقدر ما يراه في القبيح ، ومن هنا يرى أنصار هذا الرأي أن للفنان الحرية المطلقة في أن ينطلق حيثما يشاء ويهيم في كل واد كيفما

أراد ويطرق أي موضوع حسبما يهوى ويخوض أية تجربة تدعو إلى التأمل ويعبر عن أية عاطفة تحمل على الإنفعال والتأثر ، فليس مطلوباً من الفنان أن يعمل على جلب المسرة أو الرضا أو الإتزان المزاجي، وعلى الذين يبحثون عن مثل هذه الإنفعالات السارة المرضية ، أن يذهبوا إلى المثل الخلقية وأن يتجهوا إلى القيم الدينية ، فإن هذه المثل وتلك القيم لا قيمة شعرية أو فنية لها ولكن القيمة كل القيمة في التجربة الجمالية ذاتها.

هكذا ذهب فريق من النقاد من قضية الأدب المكشوف عندما تناولوا بالبحث والدراسة بعض أعمال بودلير وفرلين ورامبو ، وهو إتجاه لا نميل إلى الأخذ به أو الدعوة إليه.

فمما لا شك فيه أن الإنفعالات السيئة أو النازلة والتي ترمي إلى مجرد الإثارة فقط هي مادة غير صالحة للأدب والشعر ، ولا عبرة في هذا الصدد بروعة الأداء وإجادة التعبير عنها ، لأن الفن مهما انفصل عن الأخلاق والقيم، فهو لن يسمو بإثارة الخواطر العابثة والعواطف المنحرفة والإنفعالات الشاذة. وإلا فليقل لنا دعآة الفن أية لذة فنية في الدعوة إلى الإنفعالات الجنسية التي نجدها في بعض الأعمال الموصوفة بأنها أعمال أدبية أو في بعض الأشعار التي غصت بها دواوين نزار قبانى وألياس أبو شبكة.

قصائد أبى نواس وأشعار ابن الحجاج :

إن هذه الإنفعالات الأدبية النازلة المثيرة لن تصل أبداً إلى مرتبة معتبرة لها قيمتها مهما سمت في براعة الأداء وبلغت من أحكام السبك وحسن الصياغة، وكذلك الشأن بالنسبة للعواطف الأدبية المنحرفة والخواطر الطفولية المراهقة، فإن مثل هذه الخواطر وتلك العواطف الشاذة لا ينبل بها شعر ولا نثر ولن ترقى إلى درجة الكمال والجمال ، ومن هنا نظر النقاد إلى قصائد أبى نواس الماجنة العابثة نظرة إزدراء وأعتبروها أدباً هابطاً لا جمال فيه ولا إبداع، وكذلك الشأن بالنسبة لأشعار ابن الحجاج الشاعر الماجن المقذع في نظمه حتى لقد قيل عن أشعاره أن اللسان يستنكف من التلفظ بها وتستنكف الآذنان من الإستماع لها ، على الرغم من شعره كان جيداً من حيث اللفظ وفيه قوة تدل على تمكن وإقتدار على سبك المعانى القبيحة التي هي في غاية الفضيحة في الألفاظ الفصيحة " كما يقول أبن كثير في البداية والنهاية ، فهذه الأشعار وأمثالها لا تعدو أن تكون تعبيراً عن تجارب جنسية عابئة ونزوات شهوانية نازلة لا فن فيها ولا إمتاع .

فلوبير وجيمس جويس :

ومع ذلك فإن الإنفعالات السيئة قد تصل بالأثر الأدبي إلى منزلة رفيعة إذا كانت ترمي في آخر الأمر إلى بث إنفعال كريم أو عاطفة نبيلة أو تخدم غرضا شريفا أو تدافع عن قضية من القضايا ، وقد فصل هذا الرأي بإسهاب الناقد الانقليزي ونشستر في كتابه " بعض مبادئ النقد الأدبي " ، فالشاعر أو الأديب الذي يصور إنفعالا نازلاً بقصد إثارة إنفعال نبيل أو يعبر تعبيراً مكشوفاً بقصد التأكيد على قيمة من القيم الأخلاقية أو الاجتماعية أو السياسية إنما يصدر عن إنفعال أدبي صحيح

ومن هنا فإن رواية مدام بوفارى لفلوبير وقصة يوليسيز لجيمس جويس عندما ظهرت كل منهما أثارت ضجة كبرى حولها وهاجمها النقاد ورجال الدين هجوماً عنيفاً وأعتبروها خروجاً فاضحاً على القيم والأخلاق ، وأستعدوا سلطات الدولة على المؤلف ، فجمعت النسخ المطبوعة من المكتبات وحيل بينها وبين القراء إلى أن أصدر القضاء حكماً بالإفراج عنها وسمح بتداولها بين الناس بعد أن وضعها القضاة في إطارها الصحيح وقوموها التقويم السليم ونفوا عنها شبهة الإبتذال وأعتبروها قصة تخدم غرضاً نبيلاً وتدافع عن قضية من القضايا الإنسانية والإجتماعية والأخلاقية .

رأي الاستاذ محمد مزالي في تفسير إبداعات نعيمة الصيد .

فما هو الدافع وراء إبداعات نعيمة الصيد ؟ وما هي القيمة التي تحاول إبرازها ؟ وما هي القضية التي تدافع عنها من خلال تلك الإبداعات ؟

لقد وضع الأستاذ الكبير محمد مزالي في تقديمه لإبداعات نعيمة الصيد، النقط على الحروف في هذه المسألة وأصاب المحز فيها وصحح مسار النظرة إلى هذه الإبداعات حتى يمكن فهمها وإدراك حقيقة مرماها فقال :

" إن نعيمة الصيد قيروانية أغلبية عربية غارقة في بحر التاريخ ، خائفة من القبيلة والأسوار ، لقد شعرت شعوراً حاداً بأنوثتها وتألمت من رواسب المجتمع القديم وحاولت كما قالت أن تثأر لجدتها المسكينة المغلقة عليها الأسوار المطوقة بالحصار والمنبوذة من الحياة والحرية "

من هذا المنطلق ، ومن وراء هذا الدافع وهو الرغبة في إثبات الذات والتمرد على تقاليد القبيلة والثورة على أعراف العشيرة ومحاولة تحطيم الأغلال والقيود التي انحدرت عبر أجيال وأجيال ، نستطيع أن نفسر إبداعات نعيمة الصيد وأن نضعها في إطارها الصحيح وحجمها الحقيقى بالرغم مما يتخللها من جرأة فى التعبير تلميحاً حيناً وتصريحاً حيناً آخر ، إنها صرخة مدوية من الأعماق في وجه المحظورات والمحاذير التي كبلت حريتها وقيدت حركتها ، وهي ضربة قوية عنيفة فوق أغلال العبودية التي أستشعرتها المرأة عبر الأجيال ، وهي ثورة وتمرد وتحرر وإنطلاق وتحد للمجتمع القديم ، وأستمع إليها تقول :

فلنقطع قضبان سجن الخوف

نحطم أغلاله

نفقا عيون العسس المنتشرين عند نقاط التفتيش

فأنا يا عاشقى

امرأة أثقل جفني الحزن

أنا امرأة تحاصرني العيون الملأى بالزيف

وكلمات القهر ترغو بالزبد الآثم من حولي

لكن قلبي ما زال يصرخ في وجه الريح

نجرف في انسيابنا كل الحواجز . المنعطفات

تحطم أغلال القهر

فلنتحد الشمس

حتى لا تبهت لون عشقنا

لا يندثر أسمه في قاع الرعب . قاع القهر

وفي إحدى إبداعاتها تقول نعيمة :

وكنت ظامئا

وكنت أنزف عشقاً

واتحدنا

ووقفنا نخلة فى وجه الشمس

نتحدى الكل

وتؤكد هذا المعنى في أحدى مقطوعاتها المنشورة بمجلة " الفكر " والتي لا تنظمها مجموعة " رعشة حلم " فتقول ( 1 )

انا محارة عامرة بالكآبة

وسيف قبيلتي فوق جبيني

يتوعد

يصادر فرحتي

وهي بعد أن تتحدى وتتمرد وتثور وترفع راية العصيان في وجه التقاليد البالية تقف - كما تقول -"بكبرياء" بتحد رغم غضبهم لا تبدى أى خطوة الرجع تسكنها شهوة الإنتصار على الوجع.

وتنتظر نعيمة الصيد فارس أحلامها يفك عنها الأغلال ويحرر عنقها من نير العبودية وتقول له :

أنا امرأة علقت عنقي بذروة العشق

وتدليت

تدليت أنتظر قدومك ذات مساء

تفك عنقي

تقص العنقود وتنحني الحرية بعد أن منحتني

الحياة

وهي دائماً كما تقول :

أحلم بالإعصار

يستل بذور القهر من أعماق المظلوم

يمزق ستار زيف الطهر المزعوم

وتنادى جدتها :

هيا يا جدتي . اخرجي

ضمدت جراحك . ثأرت لك

هيا يا جدتي نغسل أطراف العشيرة

المدنسة بعار التوحش

بعار الذنب

وهي بعد أن تعلن ثورتها وتمردها على الظلم والقهر والخوف والرعب والعار والذنب والسجن والأغلال والزيف والعسس ، تجد الأمن والأمان والحرية والإنطلاق والحب والحياة في أحضان فارسها تقول له :

يا أمن ! قل لي

متى أتمدد فيك

أرمي كل أتعابى؟!

تهرع نعيمة إلى فارس أحلامها بكل ما في الأنثى من أشواق حارقة وأحاسيس دافقة ومشاعر مستثارة وعواطف جياشة وتقول :

أنا امرأة اقتلعت مساميري

خنقت جلجل عذابي

وها أنت أتيت

أتيت شاطئا أرسى فيه سفينتى التائهة

أنا امرأة ضربت بصمودى جمجمة الصخر

وركضت

ركضت إمتداد السنين

إمتداد عمري

وأنتهيت إخضراراً لفرحي

إزدهارا لوجودي . وصمودي

وهى تجد في فارسها أيضاً ما يعينها على ثورتها وتمردها ويشد أزرها ويقوى عزيمتها فتقول :

حين نلتقي

نمزق كل ضياع السنين القديمة

نغسل عن أهدابنا الكئيبة

تعاويذ زمن القبيلة

زمن الغاب

وتقول له أيضاً :

يتمرغ شعري على صدرك

يتنشق نسائم حنانك

تلتهم خصلاته لحظات الحرية

بعد طول قيد

أحبك مجنونا

كزمهرير العاصفة

مجتاحا . . جدران خوفي

ممزقا ستار حزنىي. . رعبي

وتؤكد هذا المعنى فتقول :

لن أنسي سويعات

عشنا في دقائقها

فأغتسلنا من أتعاب السنين السود

من ظلام ليالي الكآبة

عانقنا أياما

نهر الحلم في عيون العشق المطرود

من دنيا الرجعيين الملطخة بجنون العهر

دنيا شيخ قبيلتنا المكبوت!!

لقد وجدت نعيمة الصيد في الحب وجودها ، لقد ولدت فيه من جديد ، ووجدت فيه أيضاً ملاذها وملجأها ورأت فيه شاطئ الأمان الذي ترسو عليه سفينتها التائهة ، وأكدت من خلاله شخصيتها وأثبتت وجودها كأنثى لها حق الحياة وحق التعبير عن أحاسيسها ومشاعرها .

وبعد .

فلعلنا أن نكون قد وقفنا إلى تبريد الدهشة والحيرة عند قارئ إبداعات نعيمة الصيد ووضعنا هذه الإبداعات في إطارها الصحيح كعمل أدبي ممتع ومع ذلك فهناك جوانب أخرى في هذه الإبداعات يضيق المقام عن ذكرها في هذا المقال ونأمل أن نعود لتجليتها في مقال آخر إن شاء الله

اشترك في نشرتنا البريدية