الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات, الاجتهاد والتجديد في الاسلام

Share

نشرت الشركة التونسية للتوزيع تحت اشراف كتابة الدولة للتربية القومية مجلدا ضخما فى التربية الاسلامية لقسم الباكلوريا عنوانه الاجتهاد والتجديد فى التشريع الاسلامى. وضع الكتاب لجنة من الاساتذة وهو يقع فى 409 صحيفة ويستجيب لمقتضيات البرامج المدرسية فى التربية الدينية ويشتمل الكتاب على مقدمات فى الاجتهاد وفصول فى اجتهاد الرسول والصحابة وحركة الاجتهاد لدى الائمة وفى الوسطى او ما سماه اصحاب التأليف عصر التقليد وينتهى الى محمد بن قيم الجوزية، وينتهى الكتاب بأبواب فى حركة الاصلاح والتجديد فى العصر الحديث الى عهد محمد رشيد رضا، فالكتاب مرجع مدرسى فى الاجتهاد قد لا يستغني عنه غير التلاميذ ممن تضطرهم السرعة الى مراجعة عابرة بمناسبة من المناسبات.

ما هو الاجتهاد وما هى احكامه ؟ جاء فى القسم الاول من هذا الكتاب ان (الاجتهاد عند علماء الاصول هو بذل الفقيه الوسع فى استنباط الاحكام الشرعية من ادلتها) واثبت اصحاب التأليف ان الدين لا يحفظ الا اذا كان باب الاجتهاد مفتوحا الا ان المجتهدين لا بد ان تتوفر منهم شروط ويبدو ان اصحاب التأليف لم يمسوا الشروط الموضوعة بشئ من النقد ولم يتصرفوا الا فى عباراتها احيانا اما الشروط المذكورة فهي حذق اللغة العربية، العلم بالقرآن، العلم بالسنة، معرفة الناسخ والمنسوخ العلم بالاجماع، معرفة مقاصد الشريعة، سعة العقل ونفاذه الى شؤون العصر، ولعل الشرط الاخير ان يكون ثمرة اجتهاد المؤلفين، وكم كنا نود ان يقع الالحاح فى دور العقل خاصة فى العصر الحاضر، وهو عصر لا يمكن على كل حال ان يحتل فيه العقل المرتبة السفلى من هذه الشروط السبعة، ومن نفيس ما فى الكتاب نصوص مشاهير العلماء جمعت فى باب للمطالعة يأتى اثر كل فصل الا ان النصوص ق تكون احيانا اوسع ابعادا من الدرس واغزر مادة.

ففي الباب الاول مثلا، وهو فى الاجتهاد، يقرأ القارىء فصلا عنوانه (ما المراد بالاجتهاد) بقلم على الطنطاوى، واذا نحن لم ننس ان هذه النصوص اعدت لتلاميذ لا لعلماء فى الفقه، امكننا ان نعجب لوجود نص فيه حديث عن التلفيق وجوازه وعدم جوازه والتلفيق لا يفهم الا بعد ذكر المذاهب واختلاف الفقهاء ولا ندرى لماذا جاء الحديث عن الاختلاف مقتضبا جدا دون بيان مجال الاجتهاد فيه بينما كان القدماء يرونه رحمة وقد اطنب المعاصرون فى ذكر

فوائده ومدلولاته واورد المؤلفون طائفة من نصوصهم قد تغنى عن الدرس وتشفى الغليل.

وقد بحثنا فى المذاهب الاجتهادية عن ذكر المعتزلة بالرغم من ان الاعتزال لم يكن مذهبا فى ذاته الا انه كان حركة دينية فكرية جنبت الاسلام طعنات المجوسية وجاهدت في سبيلها بالعقل ضد اعدائه من اصحاب الجدل والفلسفة، بل اننا نلمس في بعض الاحيان تعصبا عليهم كقولهم فى الحديث عن محنة ابن حنبل، وحمل المأمون علماء العصر على اتباع مذهب الاعتزال (فنفذ العمال امر الخليفة وجمع كل منهم علماء اقليمه واطلعهم على الامر فرضخ الضعفاء منهم متظاهرين بوجهة نظر المعتزلة والرأى عندى ان التعصب على المعتزلة لا يستسيغه طلبة السنة السادسة من التعليم الثانوى وهم يقرأون من دروس الفلسفة ما لا سبيل بعده الى ابطال الرأى، بل خير للاسلام ان نقول اليوم على الاقل ما قاله أحمد أمين الذى عد القضاء على المعتزلة فى عهد المتوكل قضاء على الفكر الاسلامى.

وليس من باب الصدفة ان كان القسم الذى يختص الحديث عن الامام أحمد ابن حنبل، يحمل هذا العنوان عصر التقليد، الا ان الملم بشئ من تاريخ التفكير الاسلامي لا يرى مبررا لهذا العنوان والباب ليس فيه الا ابن عرفة وابن تيمية وابن قيم الجوزية، اذ ان كان ابن عرفة يعد فى المقلدين فان تقى الدين أحمد ابن تيمية من المجتهدين الذين لم يعرف الاسلام منهم الا القليل النادر ناهيك انه حرم زيارة القبور وافتى فى الخلق بالطلاق ومات فى السجن محكوما عليه فى مجلس القضاة، وكان ابن تيمية فى حياته من المجاهدين فى وجه اصحاب الفرق والمتعصبين من اصحاب المذاهب، ولكن السطور القليلة التى خصصت له لا تفى بالحاجة، فالتعرض لارائه الخطيرة سريع ناقص وامهات تصانيفه غير مذكورة وحتى النصوص الواردة في ركن المطالعة ضئيلة القيمة بالنسبة لاثار ابن تيمية والدراسات التى كتبها عنه المستشرقون وغيرهم.

وانه من الصالح فى رايى، ان تقع الاشارة على الاقل الى العلاقة الموجودة بين آرائه والحركة الاصلاحية الوهابية اذ ان الكثير من هذه الاراء عاشت الى هذا العصر وحققت ما كان يطمح اليه ابن تيمية من توثيق الصلة بين العلماء والامراء. ولو التفت مؤلفو الكتاب الى هذه الناحية لبينوا لتلاميذ السنة السادسة بالادلة التاريخية دور الاجتهاد والاصلاح فى الحياة السياسية اولا، وامتداد حركة ابن تيمية الاصلاحية الى الحركة السلفية التى نشأت على ايدى جمال الدين الافغاني ومحمد عبده، اما اعلام حركة الاصلاح والتجديد القسم الاخير من هذا الكتاب فهم محمد بن عبد الوهاب وجمال الدين الافغان ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا.

وقد استلطفنا ادراج جواب عمر المحجوب التونسي فى الرد على رسالة

محمد بن عبد الوهاب الى علماء الاسلام اذ فى هذا الجواب بيان لوجه من حياتنا الفكرية فى ذلك العهد وهو مقتطف من تاريخ ابن أبى الضياف ولكننا وددنا لو عرف المؤلفون فى سطر او سطرين بعمر المحجوب وابن أبى الضياف مرجع فى ذلك. اما الحديث عن الحركة السلفية، فلم يغفل فيه المؤلفون عناية المصلحين وخاصة جمال الدين الافغانى ومحمد عبده بالناحية الاجتماعية وان كانت هذه الفكرة تحتاج الى المزيد من البحث والتحليل لانها من ابرز خصائص الاصلاح السلفى ولا ندرى لماذا انتهى الكتاب عند محمد رشيد رضا بصورة فجائية ولم يقع التعرض حتى الى نتائج الحركة السلفية، ومعروف ان هذه الحركة اذا كانت لم تحقق كل اهدافها الدينية فقد بعثت فى العالم الاسلامى نفسا اصلاحيا كان الى السياسة اقرب، فحقق تلاميذ الافغانى وعبده الكثير مما كان يحلم به جماعة العروة الوثقى.

والكتاب فى جملته كسب لتلاميذ المدارس الا ان حظ الاجتهاد فيه. وان كان فى الاجتهاد ضئيل. فأكثره نصوص للمطالعة، اما الدروس فهي جد مقتضبة والكتاب يتيح لنا فرصة لحث الشركة التونسية للتوزيع على خدمة لقارئ التونسى وترويج الكتاب التونسى فثمن كهذا الثمن زهيد حتى لا نكلف القارىء من امره عسرا.

اشترك في نشرتنا البريدية