الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات, الادب الاسلامى من خلال، اليد السفلى

Share

كان يدير السؤال ، بين ضيوفه ، ببيته المؤنس - على شاطئ جدة - بكل لباقة وإلمام وذكر لى النهضة الشعرية بتونس . . فوصلت حديثه بحركة مجلة " الفكر " . فأهدانى آخر تآليفه . ذلكم هو المفكر الملهم : محمد عبده يمانى .

( اليد السفلى ) ( * ) مجموعة قصصية ، وعنوان أولى قصتين طويلتين فى 309 صفحة ، من القطع الكبير ، صدرت عام 1399 ه - 1979 م عن المطابع الاهلية بالرياض ، للكاتب الدكتور محمد عبده يمانى ، وزير الاعلام السعودى ؛ ذلكم العلم اللامع في ميدان الانتاج الثقافى بــــ ( نتاجه المتطور ، والذى يشكل لبنة متينة فى بنيان القصة السعودية الباهرة ) ) 1 ( .

وأتساءل : ما أوجه الطرافة التى شدتنى باحكام ، الى مجموعة القصاص الجاد يمانى ، والمطابع تخرج لنا - فى العالم العربى - كل يوم ، العديد : ألأنها من بلد آمن عزيز ، عز ورود عطائه الأدبى الحديث الينا ؟ أم لأن ( القصة ) فن يستهوى القارىء فى كل آن ؟

تصدر مجموعه المفكر الجرئ يمانى ، متخطية زحام الانتاج التقليدى السلفى ، فى الفكر السعودى ، وتذبذب انتاج الفكر الاسلاى المعاصر متحدية كتابه القصة الحديثة ، تلك التى شاءت - أو شئ لها ، النهج على رعشات الجنس اللقيط ، والتهافت على سراب الهجين من الابتداع في المنزع والمسلك .

صحيح - بقدر محدود - أن جمهرة من نقاد الادب ، لا يعترفون ، أساسا ، بالبحث عن القيمة العقائدية - ضمن مقاييسهم ! إذ ذلك - فى اعتبارهم عرضة للابداع الفنى ، والفن لا يرضخ للدين ولا للاخلاق

وما دروا أن القرآن ، عبر عن الانسان والحياة ، فثبت أنه الاعجاز ، وصح أنه المنهل الثر ، والنهر الزاخر لارواء الادب العربى

من هذه المفارقات ، تصدرت ) اليد السفلى ( معبرة - يصدق - عن ضرورة النفرة لخلق أدب اسلامى حديث ) 2 ( ، يجلى حقيقة الانسان وتطلعاته ، ويعلى من أشواقه ورغباته ، ويسطر الرسم الامثل ، للاجيال القادمة والحاضرة تلك التى تتنافس الاهواء الفاسدة ، والمقاصد المنحرفة ، على الايقاع بها بكل ضراوة مقنعة ، وحبكة محجبة .

( إن الأدب العربى مدعو فى هذه الفترة التى تمر بها الامة فى نضالها ضد أعداء الانسانية ، الى الاخذ بالتصور الاسلامى فى معالجة القضايا ليحقق الانسان أهدافه فى الحياة الحرة الكريمة . وهي رسالة تقوم على الحق والخير والجمال ) ( 3 )

ولأصل الى النظر فى محتوى ) اليد السفى ( يتوجب طرح السؤال التالى : ما مقاييس الادب الاسلامى ؟ لاجراء الاختبار النقدى ، يخضع هذا الادب لموازين ثلاثة :

1 ( مقياس اسلامى ، يتخذ معاييره من ركائز الدعوة : عقائدية كانت أم تعاملية ) 4 ( ، تلك التى وجهتها خوض معركة الجهادين أصغريهما والأكبر

2 ( ميزان فنى ، يولد دعائمه من اللغة العربية البليغة : شعريا وحياتيا وعلميا ( 5 ) .

3 ( معيار بيئى ، يصطفى مناهجه من أصيل التفرعات الحضارية ، وخصائص التعامل البشرى المتقوم بملامح من المحيط وأقباسه ) 6 ( .

من هذا الموقع المتميز ، انبعث هذا النتاج الادبى الذى نتدارس : متقوما بميزان الايمان الراسخ والمشع ، فجاءت اشراقات العقيدة وأنوار السلوك : أعلاقا ( 7 ) وضاءة فى دفق تسرى نحو أعمق أعماق الروح والوجدان ، فتستكن بنياط القلب كل تلك السبحات الانسانية الرائقة ، أتت متماسكة الاطراف بلطائف البيان الموحى ، والتعبير الميسر ، الآخذ بعضه برقاب بعض قد تخشى على الأثر وقوعه فى طريق مسدود ، أو مطوح بك فى تيه الفكاك من أسر الحدث غير أنك تحمد للقاص تماسك عبارته ، وما العبارة الا أفكار أو لا تكون ! - فلا يضيع عنك الرباط الواصل كيف لا وقد طوع الفكر - إثر مخاض المعاناة - تجلياته ورؤاه ! . وكانت الفكرة تزداد إلحاحا كلما

زرت مكة المكرمة ، وطفت بالبيت العتيق ، وسرت فى شوارع المدينة المباركة وحاراتها وأحيائها ( ) 8 ( .

وستلقى الفكر ، بتحريك مما سبق ، ملاحقا - فى تصور منعش ، ومثر - لوحات وصورا ، هى شرائح من البيئة المعاشة ، بل قل : هي البيئة عينها بقضاياها وآمالها ، حية تتبرج مطواعة ، بين بصرك . ولتلكم هى الأصالة المتينة ، والالتزام النير

يغادر " ولد " فى التاسعة من عمره ، قريته " بنى فهم " صحبة والده المعدم باتجاه أم القرى . وفجر اليوم الثانى قال الأب :

( - اسمع يا ولدى . انه اول ايامك فى مكة ولقد جئت بك الى هنا لكى تعمل وتساعدنى بالأجر الذى ستحصل عليه . ( 9 ) .

وعثر للصبى على عمل فى دار ) العم عبد الحميد ( وللفترة التى قضاها هنا آثار وتأثيرات هامة ، حددت مستقبل حياة الطفل ؛ ذلك أن بالبيت طفلة فكت وحدته وغربته ، وبالبيت سيدة أذاقته أرق ألوان " الأمومة " - وزوجها عبد الحميد أيضا ؛ وهو رجل العلم والوجاهة . خذ مثلا لذلك ، ما قاله - وهو يسلم الاجر - ) لأحمد ( ولنعلن اسمه من الآن .

خذ يا ولدى إننى أعرف الظروف القاسية التى دفعتك للعمل . لقد حدثنى الشيخ باقيس بكل شئ . ( 10 ).

وتتساند المعاملة على هذا النسق ، فيرسم أحمد بمدرسة ليلة ، بعد اقناعه بطريقة ذكية من طرف عبد الحميد ، بضرورة التعلم ، فراح أحمد يبذل المجهود ، حتى قال الشهادتين : الابتدائية والثانوية العامة

وذات صيف بالطائف ، كان أحمد يسهر على راحة أهل بيت عبد الحميد وضيوقه ، فأثار أحدهم مسألة دفع أحمد الى الجامعة نعم اليد السفلى الى الجامعة وقد حصل هنا نتوقف ، فعند السفر الى القاهرة ، شعر أحمد

بالألفة ترتقى ) حبا ( حبا للطفلة عزيزة وفى هذا الوقت بالذات أحس بعذوبة رنين " سيدى أحمد " حدث عن نفسه ، قال :

فهذه أول مرة أسمع فيها هذا التعبير ، بعد أن كنت " الصبى " و " الولد " ) ( 11 ) .

وفى كلية طب القاهرة ، واصل أحمد جده وعزمه على ألا يعود لوطنه الا بعد الحصول على الشهادة . ويقدر المولى - بعد مضى سبع سنوات - أن يموت عبد الحميد ، وأحمد على أعتاب سنة التخرج ، لكن أين الوفاء ! فيعود الطالب للتعزية . وبمكة علم أن زوجة عبد الحميد توفيت أيضا ، وأن عزيزة بالمستشفى ، لمرض عضال فعظم المصاب

عرف أحمد أن عزيزة رفضت الخطاب ، وأن علتها مجهولة لدى الاطباء ، وعند العيادة بدت إشراقة على وجه عزيزة الشاحب ، مذ رأت أحمد الى جانبها يمد يد الشوق ، فتوصلها بيد ضاغطة

( - رباه هل هذا ممكن ؟ هل يمكن لليد العليا أن تستقر بمحبة ومودة فى اليد السفلى دون حرج ؟ ) ) 12 ( .

عندها أحس أحمد بأن فرصته قد كانت ، لكن هل يعتبر زواجه بعزيزة نوعا من الاستغلال ؟ ولم لا تكون إشراقتها تلك من نبع البحث عن الحماية والرعاية ، لا من منهل الحب ؟ بعد أن فقدت أبويها :

. فشعرت بيقين أن الله لن يخذلنى ، وانه لا بد وأن يحقق أملى طال الزمن أم قصر ) 13 ( .

وتتماثل عزيزة للشفاء خارج المستشفى بوجود أحمد وخادمتها ، ويزمع الطالب على الرجوع الى مصر ، غير أن الله أراد كشف السر : فعزيزة تفكر فى أحمد ، وأحمد يشتاق لعزيزة : ولها ، وعشقا . وينعقد الرباط المقدس

وعند سبر القضايا التى يطرحها الحوار ، تنهض قضية السفلى " و " اليد العليا " أو هى قضية " الحطة " و " الرفعة "

نبع هذا المدلول ، من حيز السلوك الاجتماعى ، وقت غياب الحكمة الاسلامية : سليطا حتى على العواطف النبيلة ، مخلفا من ورائه : أنماطا من السقطات والسوءات . ولقد استطاع أحمد الخروج من متاهة ) العقدة ( فيرتقى ، بذاته ، من تصور الخادم - محط العجز - بمنزل أرستقراطى موطن السؤدد والقدرة - الى استلهام مضاد ، مفاده : أن اليد السفلى تعنى التسكع ، وانحطاط الاخلاق ، وانحدار العواطف ، وان اليد العليا تفيد العفة والعمل ، وبذل النفع للآخرين

( - كيف تطاولت ومددت يدى السفلى الى يدها العليا ) ( 14 ) . وتزيد الخادمة الموقف جلاء ، حين تستنكر

ماذا ؟ . يد سفلى ؟ . لا حول ولا قوة الا بالله . . يؤسفنى أن أسمع منك مثل هذا الكلام ، وأنت الشاب المتعلم وكنت تكسب رزقك بعرق جبينك ( 15 ) .

ولئن تناولت ) اليد السفلى ( صراع الانسان المؤمن مع الرذيلة - حمأة الجنس ، وقهر الطفولة - فان ( مشرد بلا خطيئة ) - ثانية القصتين - تفضح نوايا الصهاينة الخسيسة ، وتظهر البعد العميق للجرح الفلسطينى ، وشرعية النضال العربى .

إن الأديب اليمانى ، يصبحنا معه ، فى رحلة داخل قضية عاشها أساسا من حساسه القومى الواعي والسوى ، دونما إسقاطات مفتعلة ، أو تخريفات عاطفية من مواقع الأبراج العاجية .

ويتعاظم الشعور بالغبن ، حين توالت عصابات المستعمرات الصهيونية بالهجوم المسلح ، والضارى ، على قرية " عين كارم " وحين تشرد اليها من نجا من مجزرة " دير ياسين " الى أن تتشرد " عين كارم " نفسها ، بل قل فلسطين

وحين جعل السيد يمانى عين كارم " على اتصال وثيق بالاحداث الجارية

فى القرى والبلدان المجاورة ، وحتى بغير المجاورة ، لم يحد عن الصواب ذلك أن تلميحا نقديا وضع من أجل ثغرة بـــــ ( ثقب فى الجدار الصدىء للقاض العراقى عبد العزيز المطلبى ) 16 (

( إن عزل القرية الفلسطينية عن إطارها الجغرافى والسكانى فى الوقت الذى تواجه فيه الاحتلال الصهيونى مسألة مناقضة للمنطق والتاريخ . و إلا لماذا ينفرد العدو بالتخطيط لعزل هذه القرية عن غيرها من القرى والمدن الاخرى ؟ ولماذا ينفرد سكان هذه القرية بالنضال بعيدا عن النضال الجماهيرى فى بقية أرجاء فلسطين ) ( 17 ) .

وجه الافتراق ، أن قصاصنا يمانى ، نصب عمله على خلفية تاريخية ، ولاكتمالها اشتد البناء ؛ كما لم تشغله ملاحقة المحور - وهو عجم عود الصهيونية ومعالجتها بالتى هى الداء ! - عن البحث فى النكتة ككل .

وبتعبير مختصر ، ظهرت شخصيات ) مشرد بلا خطيئة ( أكثر تنوعا ، وحركية ، وتنقلا ، مرد ذلك - بلا ريب - عمق قضية فلسطين ، فى الزمان والمكان ، وفى الانسان

وبفكر قدير ، كثف كاتبنا شخصياته ، والاستطرادات والجزئيات ، فى خدمة العقدة ، ولقد استطاع - ببراعة فائقة - الجوس فى أغوار النفس البشرية ، والابلاغ عن نفسيات شخصياته اللانمطية المرتكزة - عند الاسرائيلى - على المراوغة ، والدهاء والمخاتلة ، والتخطيط للمستقبل ؛ - وعند العربى على الأخلاق السليمة ، والسذاجة ، والقدرية !

وإنها الكيمياء ) الألفاظ الرقيقة ( - على حد تحديد ابن الأثير - تكفلت بعملية الايصال والربط ) 18 (

ومع ذلك ، فانى واجد بالمجموعة سقطات فى الأداء التعبيرى ، والاملائى فمن هاته الاخيرة : سقوط الشدات - باستمرار - مما يودى بالقارئ إلى التخمين ، واعتقادى أن مرجع هذا : المطبعة . خذ أمثلة لذلك :

( أقبل الركن اليمانى ( ص 14 . ( أؤدى واجبا محتما ( ص 15 .

ومن الأولى ، الاتيان ب ( قبلا ) ص 14 - وفى مواقع عديدة جدا - هكذا معربة والأصح أنها مبنية على الضم ، ولا يلحقها الفتح - لا التنوين ، الا اذا أضيفت . كذلك ( حاز ) تتعدى بنفسها فى ) ولو كزت على شهادات الدنيا ص 102 . وتتوارد استعمالات حروف الجر على هذا النحو ، غير البليغ ، فى أمكنة أخرى ، مثلا : ) ترغبون فى الحديث فيها ( ص 101 . و ( أوصانى منذ زمن على صبي ( ص 42 . يقال : أوصى له بشئ ، وأوصانى اليه ؛ عهد ليه فيه ، وجعله وصيا . فأوصى لا تتعدى بــــــ ) على ( ولا تنس أن ) أوصى ( لم تستعمل هنا فى مكانها البليغ لعدم اقترانها بقرينة ، كـ ( التفتيش )

ومن هذا القبيل : ) أنا على ثقة من أن ما سوف يجرى بعد قليل سيجيب ( ص 23 . وسبب التداخل هنا ترتيبى ، يهم سوف والسين . لنا أن نقول : ) أنا على ثقة من أن ما سيجرى بعد قليل سوف يجيب ( لأن التنفيس عالق بالاجابة لا بالجريان ، إذ السين ) تخلص الفعل للاستقبال ، وسوف فيما لم يكن بعد ) .

أيضا ، ينبغى تحوير ) ليس بينى وبينها ، من مسافة سوى أقل من ذراع أو بعض ذراع ) ص 100 . وذلك بحذف ) أقل من ) . . . ونعوض ( شاركناهم ( فى ) لقد آويناهم ، وشاركناهم حياتنا ( ص 228 بـــــــ : ( أشركناهم ) .

بحق لى - ومعذرة قارىء الكريم ، بعد هذه الصفحات . - أن أبارك هذا المسعى النابع من الايمان ) بفحولة ( الطفل العربى ( 19 ( ، وبنور الاسلام الوضاء .

ومن ثم - ولا عجب - أشعت اللمسات ، مخلصة أمينة ، ليثبت هذا الأثر : سليم المعاناة ، ملتزم الرؤية متأصلها . ولذلك من مشكاة دعوة الأدب الاسلامى .

اشترك في نشرتنا البريدية