الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات, المغرب العربي، منذ الحرب العالمية الاولى

Share

ان " معهد الدراسات العربية العالية " معهد ذو دراسة جامعية يشترط فى طلابه ان يكونوا محرزين على شهادة الليسانس او ما يعادلها من الشهائد العليا

لقد انشأت هذا المعهد جامعة الدول العربية ... ولنستمع الى مديره السابق الاستاذ ساطع الحصرى يلخص لنا اهدافه في المحاضرة الافتتاحية التى اقتتح بها سنة المعهد الدراسية الاولى في ٧ نوفمبر سنة ١٩٥٣ .

" ان اهم اهداف هذا المعهد هو المساهمة في الأعمال التي ترمي الى تعجيل التطور فى البلاد العربية وتقوية فكرة القومية العربية بين جميع الناطقين بالضاد ، بأحسن الصور وانجع الوسائل . وقد حدد النظام الاساسي الذي قرره مجلس جامعة الدول العربية اغراض المعهد - فى المادة الاولى - بالعبارات التالية :

( يعمل معهد الدراسات العربية العالية على تحقيق الاغراض الآتية :

اولا : اعداد شاب عربي مثقف ثقافة عربية عالية ، ثانيا : نشر الثقافة العربية عن طريق التدريس والتأليف والنشر والمحاضرات العامة .

ثالثا : اقامة فكرة القومية العربية على اسس علمية صحيحة رابعا : تكييف اسس الثقافة العربية بحيث تنتفع من تقدم المدنية الحديثة .)

ان اولى المهام التى تولاها هذا المعهد ، لتحقيق هذه الاغراض هو الدرس والبحث

( أ ) درس الاحوال الراهنة في مختلف اقطار العالم العربي من وجوه السياسة والادارة والاقتصاد والتشريع والادب درسا علميا .

( ب ) مقارنة هذه الاحوال مقارنة دقيقة لاظهار الفروق والمشابهات القائمة بين هذه الاقطار من الوجوه المذكورة .

( ج ) بحث عوامل هذه الفوارق والمشابهات ، واستكشاف الظروف التى اوجدتها .

( د ) تحرى الوسائل التى تساعد على ازالة الفروق وزيادة التقارب والتشابه بين الاقطار العربية ."

ان محاضرات الاستاذ علال الفاسى " المغرب العربي منذ الحرب العالمية الاولى " التى تقدمها للقراء فى باب المطالعات القيت فى معهد الدراسات العربية العليا على طلبة " قسم الدراسات التاريخية والجغرافة " كحلقة من حلقات التعريف باحوال البلاد العربية الراهنة . . . ولقد طبعت هاته المحاضرات فى شكل كتاب عدد صفحاته ٢٠٠ صفحة ، مقاس ١٧ * ٢٤ مطبعة نهضة مصر - القاهرة .

اذا كان الكتاب يقرأ في بعض الاحيان من اجل عنوانه وفى بعض الاحيان من اجل عنوانه وفى بعض الاحيان الاخرى من اجل مؤلفه فان هذا الكتاب الذي بين ايدينا يقرأ من اجل العنوان والمؤلف معا . . . ويقرأ بشغف شديد ...

اما من حيث العنوان " المغرب العربى منذ الحرب العالمية الاولى " فمن منا بل من قراء العربية لا يتطلع الى معرفة الكثير . والكثير جدا عن هذا الجزء من الوطن العربى المفدى وخصوصا معرفة احواله فى دور انتفاضته ويقظته ، دور كفاحه واستماتته فى ذلك الكفاح من اجل الحرية الحق والقوة الحق والعدالة الحق ؛ من اجل الديموقراطية الحق ؟ . . .

١- المغرب العربى في الحرب العالمية الاولى ٢ - المغرب العربى بعد الحرب العالمية الاولى ٣ - سياسة فرنسا فى المغرب العربى ٤ - كفاح المغرب العربى ٥ - مستقبل المغرب العربى .

لقد اظهر الاستاذ فى تناوله لهاته الموضوعات الهامة سعة فى الاطلاع ، ودقة فى النظر للمشاكل ، وعمقا فى التفكير ، وصدقا فى الاستنتاج ، وبراعة فى اقحام الخصم ...

وينبغى ان نسجل للاستاذ فى هذا المقام - بكل إعجاب وتقدير - تلك النظرة الطريفة الحكيمة ، الصادقة المعبرة التى نظر بها الى جميع المشاكل التى عالجها فى كتابه سواء تلك التى تتعلق بتونس او بالجزائر او بمراكش ؛ لقد كان ينظر الى جميعها على انها مشاكل من نوع واحد تنبع من منبع واحد وتصب فى مصب واحد لتحقيق اغراض واحدة . . . ثم لا يقف عند هذا الحد بل نراه يجعل هاته النظرة الصائبة هى رائده الوحيد فى فهم ماضى وحاضر ومستقبل المغرب العربى . فهو لم يجنح الى النظر المستقل الى كل قطر مستقل بدعوى ان لكل قطر مشاكل مستقلة عن الاخر . . . بل اعتبر ان الاقطار الثلاثة تكون وحدة عتيدة فى ماضيها وحاضرها ومستقبلها فى مشاكلها وآلامها وآمالها ، ثم نظر الى هاته الوحدة على انها جزء من وحدة اخرى اكبر واعظم هى الوحدة العربية الاسلامية من وجه والوحدة الافريقية الآسيوية من الوجه الآخر ، كما فضح وندد بالوحدة المزعومة ( الوحدة الفرنسية ) التى يريدها الاستعمار ويعمل جاهدا لفرضها بالحديد والنار وبالخلع والتشريد والوعد والوعيد ، تلك الوحدة التى ما فتئت تداعب جفونه كما يداعب السراب جفون التائه فى الصحراء الشاسعة المترامية الاطراف ؛ ولعل المستعمر هو التائه التعس فى ( الصحرا الكبراء ).

وكم كنت اود ان اعرض على القراء ملخصات لجميع فصول الكتاب ولكن مثل هذا المقام لا يسمح بذلك فحسب اذ انه يثير في القراء شاهية الاطلاع على هذا الكتاب القيم لانهم سيجدون فيه متعة وفائدة وآمالا عرضها السموات والأرض هي آمال شعب المغرب العربى الكبير الناهض والصاعد الى المجد والعز والسؤدد ...

وبعد اذا كان المقام لا يتسع لتلخيص فصول الكتاب الخمسة فلا اقل من ان نشير الى الخلاصة التى استخلصها المؤلف من عرضه الممتع الشيق لاحوال المغرب العربي اثناء الحرب العالمية الاولى وبعدها ولسياسة فرنسا الاستعمارية الماكرة المتعنتة ، ثم الى اطوار الكفاح الباسل المستميت الذى خاضه المغاربة خلال مختلف عصور الكفاح المتواصلة ، تلك الخلاصة التى ضمنها فصل " مستقبل المغرب العربى "

فالمغرب سواء في تونس او في الجزائر او في مراكش يريد ان يعرف الشئ الكثير عن اطوار الكفاح الباسل التى مر فيها موطنه ووطنه ليتخذ من نور تجارب المكافحين وحكمة القادة المحنكين وتضحيات الشهداء البررة نبراسا يضئ له الطريق او بقية الطريق المفضية الى المجد والعزة و والكرامة فى ظل الاستقلال التام .

وغير المغربى من ابناء العروبة يريد ان يعرف الشئ الكثير عن اطوار الكفاح الباسل التى مر فيها احد اجزاء وطنه الكبير كى يزداد ايمانا بمستقبله ويزداد فخرا بمحتده ويزداد قوة واعتزا باخوانه وأشقائه .

واما من حيث المؤلف فالاستاذ علال الفاسى اعرف من ان يعرف ... وهو بمثل فى شخصه رجل العلم ورجل الكفاح ورجل السياسة ، وان كان لصراحته وتفضيله الطريق الواضحة والمنهج المستقيم يفضل ان يكون ( معلما على ان يكون رجل سياسة او دبلوماسية - حسب تعبيره . ) .

وفعلا لقد كان في كتابه هذا عالما ومعلما لاجيال الشباب الصاعدة ، فقد اثر ان يكشف لهم الحقائق بدون احتشام واثر ان يحدثهم بصراحة قد تحرج بعض القادة او الزعماء الذين وقفوا مواقف رأوها صالحة ومفيدة بالنسبة لزمانها ورآها الاستاذ علال الفاسى طالحة ومضرة فى كل زمان ومكان . وان كان من الحق ان نلاحظ ان الاستاذ علال الفاسى لم يخرج عن حدود اللياقة فى عرضه لتلك المواقف وبيان وجهة نظره فيها ، فقد كان كيسا ولبقا وان كانت تلك الكياسة واللياقة تظهر فى بعض الاحيان وكأنها تفطر سخرية ونقدا لاذعا . والاستاذ عندما يقف مثل هذه المواقف الحرجة يحاول ان يجعلنا نشاطره حرجه ، فنقدر دقة المسائل التي يعالجها وخطورة المشاكل التى يستعرضها بالنسبة لمستقبل المغرب العربي كلة . . . فهو يحاول ان ينزع منا الاشفاق عليه انتزاعا ، فهو بين انتقاد أعز اصدقائه واقرب زملائه في الكفاح المغربى انتقادا فيه سخرية ومرارة كما سبق ان اشرنا- وبين الوقوف موقفا سلبيا من اخطر الاحداث السياسية وأخبث المناورات الاستعمارية التي تهدد مستقبل المغرب العربى الكبير . ولكن الاستاذ لا يلبث ان يجد المخرج . . . فهو يلجأ - كعادته - الى الصراحة فى القول والتبسط فى الشرح والتحليل في النقد حتى يشرك القراء فى ارائه التى يعلنها واضحة جلية متماسكة قوية حب من احب وكره من كره . . . وكأنه بذلك الصنيع يحتكم اليهم فى موقفه وموقف الذين ينتقدهم سواء كانوا من الساسة الفرنسيين أم كانوا من الساسة المغاربة ... أما الموضوعات التى تناولها بالبحث فهى الآتية :

يقول الاستاذ علال الفاسي :

" والخلاصة ان المغرب فى مفترق الطرق بين المصير الذى يريده له المستعمر فى شكل او اخر وبين المصير الذى اختاره لنفسه وهو الحرية والاستقلال ولكن يجب ان نحدد بالتدقيق ما يريده الشعب المغربى في مصيره ...

فالمغرب العربى بلد عربى لا شك فى ذلك ... ولغتنا القومية والدولية هي اللغة العربية . . . وديننا هو الاسلام آمنا به واخلصنا له . . . وروابطنا التاريخية تجعلنا نعتز بماض واحد مجيد وبفخر مشترك الى حد انه لا يمكن لفرد ما ان يكتب تاريخ تونس دون ان يتحدث عن الجزائر ولا تاريخ مراكش دون ان يتحدث عن الاثنين .

والآلام التي نزلها المستعمر بنا جعلتنا نستجد كل عواطفنا ونشعر اكثر مما سلف باحساس القرب من بعضنا .

فكيف يمكننا ان نفكر في مصير قطر من الاقطار الثلاثة دون الاخر ، لذلك يجب ان نعمل منذ الان لتكون الوحدة المغربية حقيقة واقعة ، لا يحول بينها وبين الانجاز الا حائل الاستعمار . فيجب أن نؤمن بذلك وتجعله جزءا من برامج كفاحنا لانه السبيل الوحيد لقوتنا ودوامنا .

والبلاد العربية الاخرى اختنا فى اللغة وفي الدين وفي الروابط التاريخية والثقافية ، وقد وقفت الى جانبنا فى صفوف الكفاح وبذلك ما سمحت لها به ظروفها ، من آجل مساعدتنا على النصر على خصومنا . لم تفعل ذلك لرغبة أو رهبة وإنما فعلته اعتقادا منها اننا اخوانها وان بلادها وطن لها . فيجب متى نحررنا ان نعمل معها على تكوين وحدة عربية بكل معاني الكلمة ، إن الجامعة العربية فى طورها الحالى ليست الا مرحلة اولى لهذه الغاية السعيدة : غاية الولايات المتحدة العربية .

والكتلة الافريقية الاسياوية هى الامتداد الطبيعى لبلادنا جغرافيا وثقافيا وتاريخيا ، فالانكباب عليها والاهتمام بها والتعاون معها هو الذى يخلصنا من ان نكون جزءا من مجموعة اجنبية عنا ، لا تحمل لنا ادنى احترام ولا تذكرنا الا بما نحن فيه الآن من ذل وهوان.

والشعوب المظلومة فى سائر بقاع الارض هى شقيقاتنا يجب ان نمد لها اليد وتتعاون معها على التحرر من سيطرة الاجنبى لتكون حليفة لنا فى المستقبل ، فنتعاون واياها على القضاء المبرم على كل مظاهر الاستغلال والاستعباد . "

وبعد فهل نحن سائرون الى تحقيق هاته الامال ؟ ؟ ؟ نرجو ذلك ؟

اشترك في نشرتنا البريدية