الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات, النغم الحائر

Share

ديوان " النغم الحائر " يقع فى اكثر من 100 صفحة من القالب المتوسط المربع وقد تزين وجهه بصورة شاعرية جميلة . تكفلت بتوزيعه مكتبة النجاح بتونس

وصاحبه محمد الهادى نعمان من ابناء ثغر المنستير من الساحل الشرقى التونسى ومن خريجى الجامعة الزيتونية بشهادة العالمية فى الآداب وهو متحصل على شهادتين عاليتين تونسيتين اخريين : الاجازة فى الحقوق وشهادة الكفاءة للتعليم . وهو فى نضج شبابه ، فى ال 34 من مجد العمر .

وقد وضع مقدمته فى 15 صفحة الاستاذ عامر غديرة من خريجى اروبا فى الآداب العربية بشهادة التبريز ، والعاملين مع صاحب الديوان فى حقل " التعليم " ، وهو من اصحاب الكفاءة والدأب فى نشر الادب وخدمته ، سواء بروحه المتوسعة فى دروسه ، او ما ينظمه من عمله فى اخراج الصفحة الادبية الراتبه فى بعض صحفنا اليومية الراقية ، او ما يغدق به من دراسات على المجلات .

اما نظرتنا الى الديوان - بقطع النظر عن شخصية صاحبه الحبيبة الراضية المرضية - فقد استثار اكبارنا من حيث توفر الشاعرية فى ما طرقه وتوفر المتانة اللغوية والصناعة الادبية فى سبك .

ومع ان الشعر لا موضوع له فقد قدم لنا ديوانه مشطورا الى قسمين :

1 - الوجدانيات

وهو يعنى بها ما كان يسمى " باب النسيب " وغزله قد يجنح به إلى التغزل في المعنويات ، من تعشق احلامه او آماله الدفينة المبهمة ، وربما كانت اشواقه تلك نشيجا . ومن هنا كان اسم " الوجدانيات " الصق من باب الغزل او النسيب . وهاته التسمية على كل حال اوفق لروح الديوان واقرب لروح العصر . وهى فى 48 صفحة ممتعة

وترى فى وجدانياته ظاهرة ليست ملاكة فى الادب العربى ، فصاحبنا انما ولد على بحر المنستير ولم يعرف الصحراء التى اتسعت لاستيعاب معظم الشعر العربى . وهكذا امتاز ادب صاحبنا بوصف البحر وصخوره واعماقه واغواره .

فذلك هو بحر المنستير الذى كان ثغرا حربيا فى القرن السابع ووضعت له اشهر الاحاديث النبوية فى تحريض المسلمين على الجهاد من اجل " المنستير باب من ابواب الجنة " لما استدعته من تضحيات للتغلب على القوات البحرية التى وجدتها . ومن هنا كان الضحايا فيه كثيرة ، واقيم فيه اشهر رباط اسلامى ، ما زال قائم الذات . فشاعرنا قد امتاز بوصفه لامواج تلك الصخور القائمة حول بحره الحى الصاخب ووصف اموجه العاتية ... والبحر فى ادب محمد الهادى نعمان تجده روحا شائعا فى عموم ديوانه ، بحيث لا تختص به القصائد الموضوعية فيه مباشرة ، بل البحر كنيته التى يصف بها تهدج عواطفه الحية ويصف بها الثورة ويصف بها الحب ويعبر بها على ما فيه وما حوله من كائنات ولاغرو ، فهو ابن ثغر المنستير !

2 - الاجتماعيات

فهذا الشطر الثاني هو تتبع للتاريخ التونسى الذى مد عرقه محمد الشاذلى خزنة دار الى يوم وفاته سنة 1955 ، فنجده متسلسلا فى ديوان صاحبنا اليوم الهادى نعمان . ونجد هذا التاريخ طريا معطرا بالاحساس الفياض والشاعرية القوية النابضة بالحياة . هذا - لعمرك - هو ميزة الادب العربى فى تدوينه اطوار المجتمع العربى منذ العهد الجاهلى ، حتى اليوم . فهو مطبوع فى مرآة الاحساس الجياش يملؤك لذة وعاطفة واحساسا وان تعلق باحداث الساعة وابناء العصر ، من ليلى الاخيلية حبيبة قيس ابن الملوح ، الى سيف الدولة امير حلب فى ديوان ابى الطيب المتنبى . فانت فى ديوان " النغم الحائر " متنقل بين ذكرى 5 افريل : شهر الدماء فى الثورة التونسية على الاستعمار ، وموسم الزيتون حيث يصف لك اساليب قطافه وينقل لك احاسيس مقتطفيه ويحدثك بجهدهم وآمالهم واعمالهم ، وترى فيه العراف وما يفيده بكهانته ، ثم تجد نفسك مع " صراع " الانسان ، من الشاعر الى الملاح فى مصارعته الريح والانواء والامواج وتفادى الجبال المتسترة بطبقة رقيقة من الخضم . ليعرج بك على عودة الزعيم فى ذكرى غرة جوان 1955 ثم عيد الاستقلال فوفاة البلهوان زعيم الشباب . . حتى يطل بك على ثورة الجزائر وشهدائها الابطال ، ثم استقلال افريقيا وتلاعب الاستعماريين بتحريرها الى آخر احداث السنة من محمد الخامس ملك المغرب حتى " غازى الفضاء " فى فتوحات الصواريخ المستكشفة لدنى الكواكب القصية . . . كل ذلك فى خضم من الشاعرية والطرافة البديعة التى يقصر عن مثلها غير الموفقين من الادباء الذين يعرفون الطرق السحرية التى توفق بين الواقعية والشعر

اشترك في نشرتنا البريدية