الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات, " تونس الخضراء " لللأستاذ ناجي الجواد،

Share

غالبا ما يقع الرحالون فى اخطاء عندما يكتبون ملاحظاتهم عن رحلة من رحلاتهم ، وغالبا ما يكون السبب فى اخطائهم يكمن فى كتابتهم عن أشياء غريبة عنهم ولم يبحثوا أهل مكة عن اسرار شعابها ، ويكون لسرعة مرورهم بالامكنة دور هام فى حصول تلك الاخطاء.

انا مغرم بمطالعة كتب الرحلات وتتبع ملاحظات الرحالين عن البلدان التي يزورونها ، فلا غرابة اذن ان يتملكنى السرور حين حصل فى يدى كتاب ( تونس الخضراء ) للاستاذ الرحالة ناجى جواد ، أحد كبار الكتاب بالشقيقة العراق ، مهدى الى من قبله بتاريخ 1977/6/9 جزاه الله أحسن الجزاء ، والكتاب من سلسلة كتب رحلات الاستاذ التى تحمل عنوانا عاما : رحلتى الى افريقيا العربية ، ويقع فى 88 صفحة من القطع الكبير ، محلى ببعض الصور طالعت الكتاب بنهم وشوق واعجبت بما فيه من طلاوة الاسلوب وحلاوة النكتة وطرافة الالتفاتات ، الا اننى لاحظت فيه بعض الاخطاء لم ار بدا من التنبيه اليها حتى يعرف قراء الكتاب الصواب فيها.

كان حلول المؤلف بتونس في مارس 1971 وحضر حفلة التكريم التى أقامتها لى دار الثقافة ابن رشيق ، وتشرفت بمعرفته فى تلك الحفلة التى كتب عنها فى كتابه كلمات طيبة اكرمني فيها بلطفه وتقديره جزاه الله احسن الجزاء .

اما الاخطاء الواردة فى الكتاب فسأقتصر على تصويب بعضها دون الالتفاء الى الهنات الصغيرة التى لا تلفت النظر ، والتي لا بد من وجودها مهما حاول الكاتب تفاديها ، وسأثبتها مرتبة حسب الصفحات أولا بأول :

- فى ص 23 صورة لقسم من نهج جامع الزيتونة كتب تحتها : نهج الزيتونة ، والصواب : نهج جامع الزيتونة .

- وفي ص 26 تحدث المؤلف عن تجار اسواق المدينة ، واصفا اغراءهم للسياح بشراء سلعهم ، فقال : " وآخر يجرك الى البسط القصيرة من الوبر النقى ، وتعرف هنا ( بالكليم والمرقوم من صنع القيروان أيضا).

والمعروف ان الكليم والمرقوم يصنعان من الصوف فحسب ، ولا يدخل فى صناعتها الوبر الذي يدخل فى صناعة ( الوزرة ) و ( البرنوس ) غير الابيض أحيانا مخلوطا بالصوف كما ان صناعة الكليم والمرقوم لا تنسب للقيروان ، ولو ان صناعتها موجودة فيها خاصة فى ( حاجب العيون ) وانما اشتهرت بصناعتهما ( قفصة ) و ( المطوية ) و ( وذرف ) بولاية فابس .

- وفى ص 27 ذكر المؤلف ان احد الباعة السوق عرض عليه رؤية سلعته بلغة فرنسية فقال له المؤلف : " أنا عربي من بغداد ، فقال التاجر التونسي : آه ... بغداد عاصمة الشام " وعزا المؤلف هذا الجهل بمواقع البلدان العربية الى الاستعمار الاجنبى الذى فرض علينا الانعزال ووضع العقبات لعرقلة التزاور والرحلات .

وليس فى هذا غرابة فقد مر عهد على العرب جعل حتى المثقف منهم يجهل أحيانا موقع بلد من بلدان موطنه الذى ولد فيه ، فقد حضرت مرة مجلسا من مجالس الاصدقاء بالقاهرة ووقع حديث عن بلدة تقع بين القاهرة والاسكندرية حسبما قيل لي ، فتساءل احدهم عن موقعها ؟ فأجابه صحافي ناشئ : بانها تقع فى الصعيد !

ويذكرني هذا بكاتب شرقي كتب مرة عن القيروان ان فزعم ان عقبة بن نافع أسسها سنة 50 ه . على شاطئ المحيط قرب مدينة فاس !! ، وعلق محققو الذخيرة لابن بسام على كلمة ( روطة ) فى بيت ابن شرف ( يا بئر روطا والشوارع حولها الخ ) ، بقولهم : لعلها قرية قرب القيروان ، وبئر روطة أو بروطة كما ينطقها العامة هي بئر معروفة داخل مدينة القيروان.

وفي ص 28 قال المؤلف : " اليوم كان الناس يطوفون بمزاد ( للجيب ) و ( الجادورة) والجبب معروفة جمع ( جبة ) اما الجادورة فلا أعرفها ، وأظن

انه لا وجود لهذا الاسم بين انواع اللباس اللهم الا اذا سمع المؤلف كلمة (الفندورة )، أو (الفدوارة )من احد البدو الزائرين للسوق فحسبها (الجادورة ) والمروف ان ( الفندورة ) هى ( الجبة ) اما ( الجادورة ) فتطلق على الفرس الصغيرة أو المرأة الغبية .

وفي ص 30 تعليق بالهامش يشرح فيه المؤلف كلمة ( الزكرة ) فقال : " الزكرة عبارة عن جلد حمل صغير ( جراب ) ينفخ فيه حتى إذا امتلأ ساعد العازف عندما ينقطع عن النفخ ، ضغط على الجراب فيستمر بالعزف لخروج الهواء المضغوط الخ ... "

و هذا وصف (للمزود ) لا للزكرة ويظهر ان المؤلف نقل هذا عن أحد الجاهلين بالموسيقى وآلاتها في تونس ، فالزكرة فى تونس هي المعروفة بـ ( الزرنة ) عند بعضهم و (الغيظة ) عند آخرين وهي من الالات الزامرة التى لا صلة لها بالجلد ولا يدخل شئ منه فى تركيبها .

وفي ص 44 تعليق بالهامش جاء فيه : " اذ ان ولى العهد الامير الشاذلى باى الحسيني ما زال حيا فى تونس الخ " والشاذلى باى ابن الامين باي آخر البايات لم يكن في يوم من الايام ولى عهد ، وآخر ولى عهد هو حسين باى ابن الناصر باي .

وفي ص 45 تعليق بالهامش تحدث فيه عن أبى القاسم الشابى فقال : " نقل جثمانه الى مدينة توزر حيث دفن فى مقبرة اسلافه ".

والصواب : انه لم يدفن في مقبرة اسلافه ، وانما دفن فى ضريح مستقل معروف بين توزر وبلدة ( الشابية ) .

في ص 46 قال المؤلف : " ثم مررنا بالجامعة لتونسية التى كان الفضل الاول فى تأسيسها لابن خلدون ".

فمن أين أخذ المؤلف هذا ؟ ان ابن خلدون من طلبة الجامعة الزيتونية القديمة والمعروف انه خرج من تونس شابا والجامعة التونسيه التى يتحدث عنها المؤلف انما تكونت في عهد الاستقلال ولم يكن موجودا قبل الاستقلال الا بعض الدروس العليا تابعة فى برامجها وامتحاناتها للجامعات الفرنسية .

وفي نفس الصفحة بتابع المؤلف حديثه فيقول : " وبعدها ( أى بعد الجامعه التونسية ) واجهنا ( جامع الحفصى ) الملى الذي يقع فى منتصف تونس بجوار

الاسواق الشعبية والحارات القديمة الضيقة وقد شيده الامير ( المستنصر بالله الحفصى ) وافتتحه بنفسه متبركا بالاذان للصلاة " .

والصواب : ان الجامع الحفصى يقع خارج سور تونس القديم لا فى وسطها ، الذي أسسه هو الامير أبو زكرياء يحيى الحفصى ، والد المستنصر ، وقد فتحه واذن فيه بنفسه في غرة رمضان 630 ه - 1233 م اما المستنصر فلم يتول الملك الا بعد هذا التاريخ بسبعة عشر عاما اثر وفاة والده أى فى سنة 647 ه - 1249 م .

وفي ص 68 تعليق بالهامش قال فيه المؤلف : " صالح المهدى عازف العود الشهير " .

والمعروف أن صالح المهدى يعزف على الآلات الا ان شهرته واختصاصه يتمثلان فى ( الناي).

وفي ص 69 تحدث المؤلف عن الحفلة التى أقيمت بدار الثقافة ابن رشيق بمناسبة تكريم ( محمد المرزوقى ) وحضور المطربة علية للغناء فى الحفلة فقال : " استجابت ( أى علية ) لطلبات المستمعين فغنت أغنية شعبية الشعر الشعبى التونسى للشاعر المحتفى به - المرزوقى ( لاموني اللي غاروا مني ) " .

والمعروف ان هذه الاغنية ( لاموني اللى غاروا منى ) هى من تأليف المرحوم البشر فهمى وتلحين الفنان الهادى الجوينى ، ولكن الاغنية التى غنتها علية من تأليف المرزوقى هى ( غزالي نفر بعد الغضب ما ولى ) ، وربما جاء خطأ المؤلف من كونه سمع فى الحفلة الاغنية الاولى أيضا .

وفي ص 79 قال متحدثا عن الشابى : " طلعنا فى الاربعينات ديوانه بلهفة " .

ربما كان المؤلف يقصد النماذح التى صدرت في كتاب الادب أبى القاسم كرو عن الشابي اما ديوان الشابى ( أغاني الحياة ) فلم ينشر الا سنة 1955.

هذه بعض الملاحظات الخاطفة عن كتاب ( تونس الخضراء ) للكاتب العراقى " ناجي جواد " كتبتها اثر مطالعتى الاولى للكتاب ولست ادرى هل يقدر لى ان ارجع اليه مرة ثانية ففي أدب الرحلات من المتعة واللذة ما لا يخفى على مدمنى مطالعة الكتب أمثالى .

اشترك في نشرتنا البريدية