الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات, ثلاث مسرحيات

Share

-شياطين  فى القرية " ، و الصارخون فى الصحراء                                          لمحمد رشاد الحمزاوى - الزنجى الأبيض لعبد الرحمن الرحمان حقيق

من المسرحيات التى صدرت بتونس فى السنوات الاخيرة هذه المسرحيات فى كتابين عن الدار العربية للكتاب ، فى شكل خاص فى حجم 21×12 . والكتاب الاول يحتوى على مسرحيتين وهما جزآن من ثلاثية تنتهى بمسرحية " السلسلة " لم تصدر الى حد الآن ولكنها قدمت اخيرا فى المهرجان الصيفى بالحمامات 1979

ومؤلف الكتاب الاول عرف قصاصا وروائيا وباحثا جامعيا ، وعرف باهتمامة بالقرية والتصاقه بها يصفها فى واقعية وتعاطف ، ويرسم أشخاصها فيقدمهم لنا فى صور محبوبة ، قريبة للنفوس الا ان فى " شياطين القرية نجد انفسنا امام قرية اشخاصها من طينة اخرى ، قد انقلبوا جميعا الى شياطين ، واستحالوا الى مشعوذين ، وفاسقين ومتآمرين وفاسدين ، اذ ملئت القرية بالنساء المندفعات وراء شهواتهن ، وبالرجال الراكضين خلف ارتكارب الهفوات والتردى فى الفجور

فالحاكم اصيب بالجنون واختلال المدارك فصار كل من حوله يتآمر ضده الى ان سقي سما بعد ان خانته زوجته وتخلى عنه كل اقربائه . ونائبه يمثل التعفن فى اجلى صوره ، ارتبط بعلاقة مربية مع زوجة الحاكم وطمح الى الزواج من ابنته

والزوجة خليعة تريد ان " تدفن شهوتها فى جسم شاب غض يطفئ لهبها الذي يصلى جسدها ، ويتيه بجمالها فيخلقها ويعيدها " وهي لا تتصور نفسها الا " معبدة مشتهاة تداعبها الايدى وتقبلها الشفاه وتود ان تقضى العمر بين قبلة وضمة " ص 26 .

والقاضى الاعور الشهوانى الناقم على القضاء الالهى ، مدبر المؤامرات ومزور مظاهرات الفلاحين ، قد ستولى عليه الحسد والحنق والحيرة حتى صار يصف نفسه بالقذارة ( ص 49 ) الا ان الملاحظ فى هذه المسرحية هى الرؤية التشاؤمية فيها ، والنزعة النقدية الواضحة ، فالمتولون لامر القرية يعبثون بمصالحها ، وحتى الشعب فقد ذهب ضحية لهم ، فلم يظهر بصورة جلية عن طريق تلك اللافتات العديدة التى تملا المشهد ، لافتات تمثل التناقض المريع وتضارب الامور ( هناك صورة امرأة عارية مع لافتات دينية صوفية واخرى ذات نزعة يسارية . )

ويتجسم هذا التشاؤم في تصوير هذه القرية التى " لا تفتح فيها ولا حرية ولا أمل ولا اباحة ولا رحمة ولا غفران " ص 9 . هي قرية جهنمية ، وتنتهي المسرحية بموت الجميع ، اذ يموت الحاكم مسموما ، والقاضى ينتحر شنقا والزوجة ترجم ، وابن القاضي كذلك ، ولا يبقى الا نائب الحاكم ليستأنف سلوكه المزري

ولنا تساؤل في الآخر عن دور هذه الطبول المفزغة التى يغلب دقها على الفصل الاول ، وعن ولااتها اهى تشهر بالشياطين فى القرية وتدل عليها وقد أخذت تدق عندما اراد الحاكم ان يوزع الاراضى على المعوزين من الفلاحين ليتضاعف الانتاج وتوزع المحاصيل باكثر عدالة ، ام هى طبول تشهر الحاكم الملىء بالمغامرات ، هذا الحاكم الذي يتهمه نائبه بانه دابة فظيعة خلقتها الانتهازية ، ام هى طبول وضعها نائبه وزوجته المتآمران لتشتيت قواه العقلية ومداركه النفسية وبث البلبلة فى أفكاره ونخر أعصابه ؟

وتتواصل هذه الرؤية التشاؤمية اليائسة فى مسرحيته الثانية " الصارخون فى الصحراء " ، فهى مسرحية ذات فصل واحد يحتوى على خمسة مشاهد ، وهي تعج بالفرق والافواج والالوان والاصوات المختلفة

هناك الفريق الاخضر والاحمر والاصفر والازرق ! وهناك الرياح الخضر والحمر والصفر والزرق وللقارىء ان يتساءل عن دلالة هذه الالوان وعن معنى هذه الفرق والافواج ! . وددنا لو ان المؤلف زادنا ايضاحا عنها أهى مسرحية رمزية . اذ يرمز كل لون الى تيار من التيارات الاجتماعية والسياسية والفكرية وكأن الكاتب اتخذ هذه الالوان للتعبير عن اتجاهات وشعارات ومذاهب وعقائد متنوعة ومختلفة ، وتنتهي هذه المسرحية بالتهم المتبادلة ، وبالارتباك وفشل كل فريق فى عمله وباخلاط المثل العليا ، وباشتباه القيم الاخلاقية والسياسية

اما مسرحية " الزنجى الابيض " لبعد الرحمان حقيق فهى مسرحية تتعلق بغرض سياسي وهو التحرر الزنجى وتخلص العالم الثالث النامى من سيطرة المستعمرين ، وتتناول خاصة الابعاد النفسية والاجتماعية لهذا التحرر

وقد قدم للمسرقية الناقد المسرحي المصرى المعروف الفريد فرج صاحب كتاب دليل المتفرج الذكى الى المسرح " الصادر عن دار الهلال . والمؤلف هو من الشبان الصحفيين الليبيين الذين يطمحون الى اقامة مسرح ليبى فتى

واعتنى الكاتب فى مسرحيته بتصوير " زنجي أبيض " اى ذلك الزنجي الذي خرج عن قشرته من أولئك الزنوج الذين تعلموا باوربا وتثقفوا بالثقافة الغربية فتنكروا للونهم وجنسهم وثقافتهم ، وغسلت ادمغتهم غسلا وصاروا متعاطفين مع المستعمرين البيض مقتنعين بان شعوبهم لا تزال بعيدة عن التحرر ومحتاجة الى الحكم الاجنبى . لهؤلاء ينتمى النموذج الذي قدمه لنا حقيق فى مسرحيته وهذا الزنجى الابيض قد بات مخلصا للتاج البريطانى ومتفانيا فى خدمته ومتآمرا معه ضد بني قومه ، يدافع عنه الى حد المسخ وما هو - فى الحقيقة - إلا اداة لينة وآلة طيعة فى يد الحاكم البريطاني يقضى به ماربه السياسية ليتخلص منه بعد ذلك ، ويتنكر له ولا يحس نحوه اثناء ذلك الا بالاحتقار والازدراء والكراهية .

والمسرحية تصور الى جانب ذلك الاوساط الاستعمارية بما تختص به من تكالب وتعصب واحساس بالغرور والتفوق وبما تسلكه من سياسة اضطهاد

وكبت للحريات حتى صار الزنجي يساوى عندها " اقل سعرا من البنزين ص 40 ، وحتى يتورع الرجل منهم عن مصافحة الزنجى ، ولا يرون الزنوج الا على اشكال قردة . ونلمس فى المسرحية كذلك بعض مظاهر للتململ الذي بدأ يظهر لدى الشعب الزنجى والذى بدأ يطغي ويتطور الى ان قاد الى الثورة وللمسرحية ابعاد نفسانية واجتماعية وسياسية اذ نرى للمؤلف دراية بنفسيات ابطاله ، وخبرة بتقمص الروح الانجليزية الخفيفة المرحة مما يجعلنا نتساءل عن نوعية ثقافته ومدى تكونه وتجاربه . فلا تخلو المسرحية من النكت الانجليزية فى كثير من المواقف المتسمة بصبغة الفكاهة والمرح والتهكم الواضح ، كما اننا نشهد للمؤلف بمهارة فى ادارة الحوار ، وبقدرة على حبك موضوعه ورسم خطوطه

وما هذه المسرحية فى الآخر الا دلالة على تعاطف المسرح العربى مع القضايا الانسانية التحررية خاصة القضية الزنجية الافريقية ، وتدل ايضا على طموح المسرح الليبي الى معاصرة القضايا الحالية الهامة وتبنيه لقضايا العدل والحرية والحق والتخلص من القيود التاريخية والنفسية والثقافية المجحفة . ولا يسعنا الا ان نؤمل الكثير فى مستقبل المسرح الليبى وان نبتهج لصدور هذه المسرحية التى تكاملت فيها العناصر التقنية وامتازت بطرافتها ، ومعاصرة موضوعها

اشترك في نشرتنا البريدية