إذا أردت أن تعرف معدن القصة عند يحيى محمد فالتفت الى الواقع المعاش وتأمل من الحياة اليومية ، فانك لواجد هناك مقطع أقاصيصه ومادة ادبه . لذلك كانت مواضيع أقاصيصه تتناول مشاكل عادية تحدث للناس إبان العمل أو النزهة أو إبان موقف من مواقف الحياة العديدة . خذ مثلا لذالك قصته " الكرة المحظوظة " ) 1 ( التى يعالج فيها مشكلة رياضة كرة القدم فى بلادنا ، والتى كثيرا ما تؤول الى تهريج وعراك وتحميس أخرق
وقصة " راققصه الصامبا " ) 2 ( يبدى الكاتب فيها إعجابه بالراقصة الزنجيه الافريقية مريم ، ويطريها لاجادتها رقصة الصاميا أثناء حفل أقامته بمسرح قرطاج
أما قصة " الفنان " ) 3 ) فهى مثل قصة راقصة الصامبا يقدم فيها الكاتب استحسانه لأنام موسيقى آسيوى أقام هو أيضا حفلة بقرطاج
وفي قصة " بائع الجرائد " ) 4 ( يصف الكاتب رحلا يبيع الصحف بولع ونشاط مما يجعل كمية جرائده تنفذ بسرعة ، لكن ذلك يجعله هدفا للانتقاد
من طرف زملائه فى المهنة ، وفي القصة اشارة الى أن كل المخلصين العاملين لا مفر لهم من انتقاد الكسالى أو المتفرجين على هامش الحياة لا شأن لهم الا الكلام والهذر . ويصف الكاتب أحيانا حياة البيع والشراء كما هو الحال في قصته " فى السوق " ) 1 ( التى تتجلى فيها انطباعات الكاتب على حياة الباعه وحياة البيع والشراء
وقصة " الفندول " ) 2 ( تدور حوادثها فى فينيزيا والرااوية يصف فيها حياة مارينا وأمها ، كما يذكر فيها ذكرياته مع مارينا بالخصوص صاحبة زورق الفندول المعد للسياح
هذه المجموعة من الاقاصيص وصفية ككل الاقاصيص السابقة الاخرى إلا أن هذه مغرقة أكثر فى الوصف ، إذ لا يتورع أثناءها الكاتب عن إيراد كلام الباعة وحديثهم وأغانيهم التى يؤلفونها لاشهار سلعهم ، ويورد الكاتب هذه الأغاني كما هى فى معدنها بلا تغيير وبلا تبديل
فقصة " بائع المشمش " ) 3 ) تصف الواقع المعاش - تصف باب سويقة بحركته وضجيجيجه ومقاهيه وطابعه العتيق . وتصور الغلال المعروضة فيه وتضم نماذج من محاورات الباعة مع الحرفاء : ) 4 (
- الله يبارك - سلعة طيبة . . - ربى يستر كل شئ بثوابه . . - وردة حمراء رشقتها على صدرك . ذوق ها الكعبة . - يعطيك من ثمار الجنة . - قداش الكيلو ؟ - باللى يحب الوكال - محلى جوابك .
فها هنا يورد لنا الكاتب نسخة طبق الأصل لواقع يعرفه عامة الناس في الكاتب فقط بمجهود تنظيم الاحداث فى هذا الواقع ، وتنسيق اللوحات فيه حتى لا تبقى على ما هى عليه من تشتت ولا منطقية ، ولكننا مع ذلك نحس فى قرارة نفوسنا بأنه ليس هناك محاولة مبذولة لايجاد ملامح فنية أحسن وأسمى من أحداث الحياة اليومية ، بل نرى الكاتب يقتصر فى الغالب على تنظيم اشتات الواقع لا غير ، وهو لهذا كان عبارة عن مسجله تلتقط الكلام من أفواه الباعة لتسمعه للجمهور كما هو عليه في طبيعته .
وقد تتخذ مواضيع أقاصيصه مضامين نقدية تتجه مباشرة دون تقبة أو ضبابيه نحو هدفها . فاللفتاة بطلة قصة " احتراق " ) 1 ( مغرمة بالتمثيل فتذهب الى مدير المسرح طالبة منه الانخراط في احدى الجمعيات التمثيلية لكن المدير يعبث بعفافها فتكون بذلك مسرحية من نوع آخر
وقصة " مخبأ الصيف " ) 2 ( تنقد أوضاعا سياسية معينة ، فبطل القصة يمنع من دخول حديقة قصر الأمير الذى يذهب كل صيف الى سويسرا ، ليقضى وقتا هناك على ضفاف " لاك ليمون " متمتعا بالشراب والنساء وفي الوقت الذى يقضى فيه الأمير وقته فى اقتناء اللوحات الفنية والزرار والأثاث البلورى الرفيع كان شعبه ينام على الجوع والفقر
وموضوع قصة " سلة المهملات " ) 3 ( ينقد بشدة الروتين الإداري وتهاون الموظفين عن اعمالهم ، فبطل هذه القصة يذهب مع الساعة العاشرة إلى عمله وحتى فى اوقات العمل فانه يقضى الوقت فى قراءة الحرائد وشرب القهوة والتدخين والحديث مع زملاء المهنة ، ولا بدور حديث الموظفين المحترمين الا على المكان المفضل الذى سيقضون فيه امسات الخمر والنشوة والجلوس مع النساء . فنقد الكاتب للروتين الادارى واضح فى هذهم القصة فهؤلاء الموظفون يقتلون الوقت فى الفراغ بينما مصالح الناس مجمدة في
الدفاتر التى تشكو من الغبار ، وأوقاتهم تهدر على أقدام الكسل والاهمال فتقف بنسب هذا السلوك عجلة التطور فى صلب الشعوب ويسود التخلف . وحتى إن نهاهم بعض مسؤوليهم عن هذا السلوك فانهم يلقون بوصاياهم فى سلة المهملات
وقد ينقد الكاتب في أقاصيصه مواضيع عامة مثل قصة : " الصمت " ) 1 ( التى تنقد ضاع الوقت فى انتظار القطر ، كما تنفد عدم احترام المسافرين لنظافة وسائل النقل . وبعض الأقاصيص ينقد الوضع الاقتصادى الذى ساد فيها بن الستينات والسبعينات مثل قصة " غمامات " ) 2 ( التى تعالج قضية البطالة والاحتكار والسرقات التى حدثت فى البنوك والشركات
وقد تكون الأقاصيص فى صورة ذكريات ، تتعلق بفترة من فترات الشباب مثال ذلك : " الظل الآخر " ) 3 ( التى تدور حوادثها فى شاطئ صلامبو ، إذ للتقى بطل القصة بامرأة كان له معها تاريخ ، فيحن الى الماضى ويود أن لو يرجع اليه لان فارق السن بينه وبين تلك المرأة يمنعه من ربط العلاقة معها من جديد . . . ويحس البطل فى أعماقه بأن كل شئ قد تغير . . . فبطلة الماضي كانت قد انحدرت الى الاتصال بالرجال جنسيا يوم أن فقدت والدها وأمها ، فهى امرأة مصدومة ، أرادت أن تنسى واقعها بالانغماس فى اللذة فصدمة الواقع هي التى جعلتها تفعل ما بدا لها . . . وبطل القصة يحار في سبب ذلك التغير فيحاور المرأة : ) 4 (
- مأساتك حزينة - قبل عشرين سنة لا- وحتى بعدها يبدو أنك هجرت الرجال - أمثالك
وها هنا يتجلى واضحا أن مأساة أبطال يحيى محمد تتمثل في شعورهم لهذا الزمن الهارب الذي يغير كل شىء بفعل مروره ، فلم بعد في كلمات البطل - بالنسبة الى المرأة التى عرفها - حرارة ، ولم تعد هي بالنسبة الى اليه تلك التى كانت . فكلاهما قد جعله الزمن غريبا عن الآخر ، فكان من ثمة ظل الحاضى يخيم على البطل ، وكان من ثمة حنينه إليه ، لأنه منبع اللذة ومسرح الأيام الجميلة
انى أحب الماضى . . . وطأة الحاضر . . سيطرة المستقبل . . ظلام الافق . . أنا لا أنسى جيدها الساحر . . ترى هل تتذكر هذا التاريخ بأرقامه . . بأيامه . . بلياليه " ) 1 ( .
إن الحوار فى هذه الأقاصيص حى ، لأنه مستورد من لغة الحياة اليومية ذات فيه ما فى حياة الناس من حركية ودأت فيحي محمد مأخوذ ومفتون بالواقع ، فهو يع منه موضوعاته ويغرف منه زاد تفكيره ، فكان في ( ل اقاصيصه يتحاور مع الواقع ويتحدث معه بلا كلفة وبلا تزويق وأفاصيصه نلتقط المشاهد وتصور حياة الناس دون أن تأتي بالحلول ، لذلك يقص الاقاصيص باهته ومقتضبة وتنحدر فى بساطتنا إلى حد ، وحس وانت تقرأ القصة بضرورة التحليل أكثر وبضرورة الحبكه اكثر ، لانك تشعر بعمق أن كل نهاية الأقاصيص تيقى مفتوحه تحتاج الى اقفال للغلق ، وان أوصال هذه الأقاصيص مصابة بالرضوض وتحتاج الى الدواء بالصياغة الجديدة والكتابة الجديدة ، حتى لا تكون تقريرا للواقع وتصويرا له كما لو كنا أمام عدسة فوتوغرافية
فأسأل الكاتب ما هى مزية الفن اذا لم يرتفع بالواقع الواقع ، الى واقع فنى جديد فيه ما فى أعماق الانسان من طموح ، وفيه ما في النفس البشرية السامية من عزوف عن ضحالة الحياة اليومية ،
ثم ما هو جهد الفنان اذا لم يحاول الخلق وبذل الجهد واعمال الخيال والعقل إلى يقتصر ما فعل صاحبنا على مشاهد معروفة . والا لكان كالذي يخال نفسه : يصنع تماثيل من حجر الجبال ، ولكنه ينسى أو لا يرغب في بذل الجهد
فيقدم لنا الاحجار كما هى عليه فى معدنها الطبيعى . على أن أحسن قصة فى هذه المجموعة هي قصة : " حوار فى الظل " التى عنون بها الكاتب كتابه ، فهذه القصة عبارة عن هواحس تنتاب البطل وهو فى حالة ضياع نام ، وبطل القصة هذه يمتاز بالعجز والشعور بالفراغ والسير على حافة البااوية ، فلا يقدر على تحريك عزمه للوصول الى غاياته لأنه مكبل بالعجز ولأن من مشاكله الكبرى أن لا مشكلة له ، ولضياعه فهو يبحث عن المعقول داخل الاطار الاجتماعي ولكنه يقتنع كل مرة بأن هذا الاطار يعمره الفراغ ولا شىء غيره :
مشكلتى أن لا أفكر فى أية مشكلة صور قاتمة تسللت عقلي . . لكي استريح لا بد لى من معقول . . لكى أستنشق النسيم لا بد لى أن أجدد رئتى . . لا شئ فى الصورة غير الفراغ - متى أصعد الدرج - عندما تصير رجلا - أنا سأصعد وسترى - عجزك أعرفه
فمجموعة يحيى محمد هي تصوير يكاد يكون فوتوغرافيا لحياة الناس ، والفن الحقيقي ليس نقل الواقع كما هو كائن بل كما يجب أن يكون ، ومهما يكن فان الكاتب قد استطاع أن يقدم لنا لوحات صادقة كانت انطباعيه احيانا ، ووصفية موغلة فى تصوير الجزئيات حينا آخر ، ونقدية تتناول تشريح مشاكل المجتمع والحياة تارة ، وتتحسس نفسيات الناس بما فيها من قلق وحيرة تارة أخرى . ومن ثمة كان أكثر ما ورد من أقاصيص في مجموعة حوار فى الظل هو حوار مع الواقع

