الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات, حوار في الظل حوار مع الواقع

Share

إذا أردت أن تعرف معدن القصة عند يحيى محمد فالتفت الى الواقع المعاش وتأمل من الحياة اليومية ، فانك لواجد هناك مقطع أقاصيصه ومادة ادبه . لذلك كانت مواضيع أقاصيصه تتناول مشاكل عادية تحدث للناس إبان العمل أو النزهة أو إبان موقف من مواقف الحياة العديدة . خذ مثلا لذالك قصته " الكرة المحظوظة " ) 1 ( التى يعالج فيها مشكلة رياضة كرة القدم فى بلادنا ، والتى كثيرا ما تؤول الى تهريج وعراك وتحميس أخرق

وقصة " راققصه الصامبا " ) 2 ( يبدى الكاتب فيها إعجابه بالراقصة الزنجيه الافريقية مريم ، ويطريها لاجادتها رقصة الصاميا أثناء حفل أقامته بمسرح قرطاج

أما قصة " الفنان " ) 3 ) فهى مثل قصة راقصة الصامبا يقدم فيها الكاتب استحسانه لأنام موسيقى آسيوى أقام هو أيضا حفلة بقرطاج

وفي قصة " بائع الجرائد " ) 4 ( يصف الكاتب رحلا يبيع الصحف بولع ونشاط مما يجعل كمية جرائده تنفذ بسرعة ، لكن ذلك يجعله هدفا للانتقاد

من طرف زملائه فى المهنة ، وفي القصة اشارة الى أن كل المخلصين العاملين لا مفر لهم من انتقاد الكسالى أو المتفرجين على هامش الحياة لا شأن لهم الا الكلام والهذر . ويصف الكاتب أحيانا حياة البيع والشراء كما هو الحال في قصته " فى السوق " ) 1 ( التى تتجلى فيها انطباعات الكاتب على حياة الباعه وحياة البيع والشراء

وقصة " الفندول " ) 2 ( تدور حوادثها فى فينيزيا والرااوية يصف فيها حياة مارينا وأمها ، كما يذكر فيها ذكرياته مع مارينا بالخصوص صاحبة زورق الفندول المعد للسياح

هذه المجموعة من الاقاصيص وصفية ككل الاقاصيص السابقة الاخرى إلا أن هذه مغرقة أكثر فى الوصف ، إذ لا يتورع أثناءها الكاتب عن إيراد كلام الباعة وحديثهم وأغانيهم التى يؤلفونها لاشهار سلعهم ، ويورد الكاتب هذه الأغاني كما هى فى معدنها بلا تغيير وبلا تبديل

فقصة " بائع المشمش " ) 3 ) تصف الواقع المعاش - تصف باب سويقة بحركته وضجيجيجه ومقاهيه وطابعه العتيق . وتصور الغلال المعروضة فيه وتضم نماذج من محاورات الباعة مع الحرفاء : ) 4 (

- الله يبارك - سلعة طيبة . . - ربى يستر كل شئ بثوابه . . - وردة حمراء رشقتها على صدرك . ذوق ها الكعبة . - يعطيك من ثمار الجنة . - قداش الكيلو ؟ - باللى يحب الوكال - محلى جوابك .

فها هنا يورد لنا الكاتب نسخة طبق الأصل لواقع يعرفه عامة الناس في الكاتب فقط بمجهود تنظيم الاحداث فى هذا الواقع ، وتنسيق اللوحات فيه حتى لا تبقى على ما هى عليه من تشتت ولا منطقية ، ولكننا مع ذلك نحس فى قرارة نفوسنا بأنه ليس هناك محاولة مبذولة لايجاد ملامح فنية أحسن وأسمى من أحداث الحياة اليومية ، بل نرى الكاتب يقتصر فى الغالب على تنظيم اشتات الواقع لا غير ، وهو لهذا كان عبارة عن مسجله تلتقط الكلام من أفواه الباعة لتسمعه للجمهور كما هو عليه في طبيعته .

وقد تتخذ مواضيع أقاصيصه مضامين نقدية تتجه مباشرة دون تقبة أو ضبابيه نحو هدفها . فاللفتاة بطلة قصة " احتراق " ) 1 ( مغرمة بالتمثيل فتذهب الى مدير المسرح طالبة منه الانخراط في احدى الجمعيات التمثيلية لكن المدير يعبث بعفافها فتكون بذلك مسرحية من نوع آخر

وقصة " مخبأ الصيف " ) 2 ( تنقد أوضاعا سياسية معينة ، فبطل القصة يمنع من دخول حديقة قصر الأمير الذى يذهب كل صيف الى سويسرا ، ليقضى وقتا هناك على ضفاف " لاك ليمون " متمتعا بالشراب والنساء وفي الوقت الذى يقضى فيه الأمير وقته فى اقتناء اللوحات الفنية والزرار والأثاث البلورى الرفيع كان شعبه ينام على الجوع والفقر

وموضوع قصة " سلة المهملات " ) 3 ( ينقد بشدة الروتين الإداري وتهاون الموظفين عن اعمالهم ، فبطل هذه القصة يذهب مع الساعة العاشرة إلى عمله وحتى فى اوقات العمل فانه يقضى الوقت فى قراءة الحرائد وشرب القهوة والتدخين والحديث مع زملاء المهنة ، ولا بدور حديث الموظفين المحترمين الا على المكان المفضل الذى سيقضون فيه امسات الخمر والنشوة والجلوس مع النساء . فنقد الكاتب للروتين الادارى واضح فى هذهم القصة فهؤلاء الموظفون يقتلون الوقت فى الفراغ بينما مصالح الناس مجمدة في

الدفاتر التى تشكو من الغبار ، وأوقاتهم تهدر على أقدام الكسل والاهمال فتقف بنسب هذا السلوك عجلة التطور فى صلب الشعوب ويسود التخلف . وحتى إن نهاهم بعض مسؤوليهم عن هذا السلوك فانهم يلقون بوصاياهم فى سلة المهملات

وقد ينقد الكاتب في أقاصيصه مواضيع عامة مثل قصة : " الصمت " ) 1 ( التى تنقد ضاع الوقت فى انتظار القطر ، كما تنفد عدم احترام المسافرين لنظافة وسائل النقل . وبعض الأقاصيص ينقد الوضع الاقتصادى الذى ساد فيها بن الستينات والسبعينات مثل قصة " غمامات " ) 2 ( التى تعالج قضية البطالة والاحتكار والسرقات التى حدثت فى البنوك والشركات

وقد تكون الأقاصيص فى صورة ذكريات ، تتعلق بفترة من فترات الشباب مثال ذلك : " الظل الآخر " ) 3 ( التى تدور حوادثها فى شاطئ صلامبو ، إذ للتقى بطل القصة بامرأة كان له معها تاريخ ، فيحن الى الماضى ويود أن لو يرجع اليه لان فارق السن بينه وبين تلك المرأة يمنعه من ربط العلاقة معها من جديد . . . ويحس البطل فى أعماقه بأن كل شئ قد تغير . . . فبطلة الماضي كانت قد انحدرت الى الاتصال بالرجال جنسيا يوم أن فقدت والدها وأمها ، فهى امرأة مصدومة ، أرادت أن تنسى واقعها بالانغماس فى اللذة فصدمة الواقع هي التى جعلتها تفعل ما بدا لها . . . وبطل القصة يحار في سبب ذلك التغير فيحاور المرأة : ) 4 (

- مأساتك حزينة - قبل عشرين سنة لا- وحتى بعدها  يبدو أنك هجرت الرجال - أمثالك

وها هنا يتجلى واضحا أن مأساة أبطال يحيى محمد تتمثل في شعورهم لهذا الزمن الهارب الذي يغير كل شىء بفعل مروره ، فلم بعد في كلمات البطل - بالنسبة الى المرأة التى عرفها - حرارة ، ولم تعد هي بالنسبة الى اليه تلك التى كانت . فكلاهما قد جعله الزمن غريبا عن الآخر ، فكان من ثمة ظل الحاضى يخيم على البطل ، وكان من ثمة حنينه إليه ، لأنه منبع اللذة ومسرح الأيام الجميلة

انى أحب الماضى . . . وطأة الحاضر . . سيطرة المستقبل . . ظلام الافق . . أنا لا أنسى جيدها الساحر . . ترى هل تتذكر هذا التاريخ بأرقامه . . بأيامه . . بلياليه " ) 1 ( .

إن الحوار فى هذه الأقاصيص حى ، لأنه مستورد من لغة الحياة اليومية ذات فيه ما فى حياة الناس من حركية ودأت فيحي محمد مأخوذ ومفتون بالواقع ، فهو يع منه موضوعاته ويغرف منه زاد تفكيره ، فكان في ( ل اقاصيصه يتحاور مع الواقع ويتحدث معه بلا كلفة وبلا تزويق وأفاصيصه نلتقط المشاهد وتصور حياة الناس دون أن تأتي بالحلول ، لذلك يقص الاقاصيص باهته ومقتضبة وتنحدر فى بساطتنا إلى حد ، وحس وانت تقرأ القصة بضرورة التحليل أكثر وبضرورة الحبكه اكثر ، لانك تشعر بعمق أن كل نهاية الأقاصيص تيقى مفتوحه تحتاج الى اقفال للغلق ، وان أوصال هذه الأقاصيص مصابة بالرضوض وتحتاج الى الدواء بالصياغة الجديدة والكتابة الجديدة ، حتى لا تكون تقريرا للواقع وتصويرا له كما لو كنا أمام عدسة فوتوغرافية

فأسأل الكاتب ما هى مزية الفن اذا لم يرتفع بالواقع الواقع ، الى واقع فنى جديد فيه ما فى أعماق الانسان من طموح ، وفيه ما في النفس البشرية السامية من عزوف عن ضحالة الحياة اليومية ،

ثم ما هو جهد الفنان اذا لم يحاول الخلق وبذل الجهد واعمال الخيال والعقل إلى يقتصر ما فعل صاحبنا على مشاهد معروفة . والا لكان كالذي يخال نفسه : يصنع تماثيل من حجر الجبال ، ولكنه ينسى أو لا يرغب في بذل الجهد

فيقدم لنا الاحجار كما هى عليه فى معدنها الطبيعى . على أن أحسن قصة فى هذه المجموعة هي قصة : " حوار فى الظل " التى عنون بها الكاتب كتابه ، فهذه القصة عبارة عن هواحس تنتاب البطل وهو فى حالة ضياع نام ، وبطل القصة هذه يمتاز بالعجز والشعور بالفراغ والسير على حافة البااوية ، فلا يقدر على تحريك عزمه للوصول الى غاياته لأنه مكبل بالعجز ولأن من مشاكله الكبرى أن لا مشكلة له ، ولضياعه فهو يبحث عن المعقول داخل الاطار الاجتماعي ولكنه يقتنع كل مرة بأن هذا الاطار يعمره الفراغ ولا شىء غيره :

مشكلتى أن لا أفكر فى أية مشكلة صور قاتمة تسللت عقلي . . لكي استريح لا بد لى من معقول . . لكى أستنشق النسيم لا بد لى أن أجدد رئتى . . لا شئ فى الصورة غير الفراغ - متى أصعد الدرج - عندما تصير رجلا - أنا سأصعد وسترى - عجزك أعرفه

فمجموعة يحيى محمد هي تصوير يكاد يكون فوتوغرافيا لحياة الناس ، والفن الحقيقي ليس نقل الواقع كما هو كائن بل كما يجب أن يكون ، ومهما يكن فان الكاتب قد استطاع أن يقدم لنا لوحات صادقة كانت انطباعيه احيانا ، ووصفية موغلة فى تصوير الجزئيات حينا آخر ، ونقدية تتناول تشريح مشاكل المجتمع والحياة تارة ، وتتحسس نفسيات الناس بما فيها من قلق وحيرة تارة أخرى . ومن ثمة كان أكثر ما ورد من أقاصيص في مجموعة حوار فى الظل هو حوار مع الواقع

اشترك في نشرتنا البريدية