الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات, حول كتاب " اللغة العربية ومشاكل الكتابة "، هندسة التجاوز

Share

طبعاً ليس أجنى على الأثر من النقد التلخيصى . فأخف ضرره صرف الأكثرين عن النظر في الأصل . هذا مجزوم به فى بلدان تعد فيها المطالعة استهلاكاً حيوياً يومياً . ثم إن قيمه الاثر فيما ينتحه من ردود الفعل وقدح الأفكار وتنشيط الاذهان في اختلاف النقاش الى أن يلد الكتاب كتبا . وأعتقد أن لا سبيل الى هذا التوليد الفكرى فى تونس ما دام المستثقفون يعانون مركب التحقير المازوشى أو هذا الانعكاس الثقافي الشرطى : مسبقاً ودون إقتناع ولا مجرد اطلاع يحكم على ما ينتجه القلم التونسى بانعدام الجدوى . ونستثنى من ذلك الحديث المتواتر : مادحو " السد " أكثر من قارئيه وممن رأوه بعين عذرية . باختصار لا يؤتى التونسى كتابه إلا بشماله ! هذا فى الدنيا . . .

نشرت المكتبة العربية بباريس كتاباً عجيباً تحت عنوان :Construire avec le peuple للمهندس المعمارى المصرى حسن فتحي يعتبر موضوعه طريف الجدية فى العالم الثالث . فلأول مرة يعتمد إعتماداً علمياً في بناء حي للفلاحين على خصوصية المعطيات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية . . . الى حد يشعر معه الفلاح أنه هو المصمم والبانى والساكن. ذلك أن الغاية من هذا المشروع الطامح " تحديد حاضر فيه يستمر الماضي وينجم المستقبل " .

ولست أذكر هذا الكتاب المثرى تقديماً له ولكن تنبيها إلى ما بينه وبين " اللغة العربية ومشاكل الكتابة ( * ) " أى ما بين معطيات الوعى العربى المتباعدة

فى الظاهر من شديد الصلة . فحسن فتحى والبشير بن سلامة يلقيان في هندسة تجاوزية واحدة : إعادة التركيب المادى والذهنى وما تقتضيه من تهديم أى تحليل . على أن يتم هذا فى الاطار الوضعى للتقدم الحديث . ولما كانت الفعالية أبرز سمات هذا العصر فقد وعد الاول بتشييد مسكن شيق للفلاح المصرى فى أربعين يوماً مقابل 164 جنيها ، واقترح الثاني في ميدان لطباعة " كتابة نموذجية " تختزل فيها الاشكال المطبعية وبالتالى يختصر الوقت والتكاليف مع المحافظة على روح الخط العربي وجماله . وهي طريقة تتيسر بها القراءة على عامة الناس لانها أيضاً تتطلب أساساً وضع الحركات. هذا الهدف بالذات لاخلاص ثباته وإلحاحه هو الذى أوحى بمقارنة عابرة قد لا تخطئ إذا نحن فكرنا خلالها فى عنوان ثان أو ثانوى للكتاب : لنكتب للشعب !

فعلا ثمة توق آمل إلى بناء لغة تلتقى فيها الطبقات . وما النداء الى تقصير المسافة الفاصلة بين اللغة والكتابة عموماً وبين الفصحى والعامية  خصوصاً إلا تعبير علمي عن هذا التوق . ذلك أن " النظرة الاستقرارية " (أو الاستقراطية بالمعنى الاولى للكلمة ) كانت ولا تزال وسيلة فكرية للهيمنة  الطبقية . على أن هذا ليس منا تأويلا . فهناك حديث عن " برعاجية " اعتزلت فيها العربية باقتصارها على " نخبة معينة منذ القدم " بعيداً عن الجماهير . ولا أحد يشك في أنه لم يكن من فائدة هذه النخبة التنازل عن أشكال من التعبير به تعرف إجتماعياً وتميز . اللغة هنا كظاهرة الحجاب التاريخية مثلا - تلك الظاهرة البورجوازية الحضرية - أشد ارتباطاً بالنزعة المصلحية منه بالاسباب الدينية عكس ما يظن الكثيرون . وهى النزعة نفسها التى أدت فى الفترة الانتقالية إلى فشل التعريب على حساب الموضوعية ، لأن المدافعين عن الفرنسية يفقدون بضعفها ما يلعبون من أدوار . هذا وازع بشرى مفروغ منه .

لنواصل فى هذا الاتجاه ونلق أولى سؤال بالوضع : لماذا ظهر الكتاب فى هذا الزمان والمكان بالذات ؟ للاسف لا يمكن أن نذهب فى التحليل أبعد مما يسمح به الحال ، وليعذر القارىء إهمال أبعاد مختلفة لا غنى فى الأصل عن ذكرها .

فى الحديث عن التفاوت بين الثقافة الحية ( بالمعنى الانتروبولوجى للكلمة أى كل ما يمكن التعبير عنه من مظاهر الحياة فى تفاعلها ونموها ) وبين بناء اللغة الجاهز يرى البشير بن سلامة فيما يرى أن الشعر الحر خطا أوسع خطوة

نحو إعادة هذا البناء ولكنه لم يوفق إجمالا إلى إستثمار العنصر الشعبى العامي فبات ضحية ثنائية تفاوتية . المثال دقيق الاختيار ، ومن الفطنه أن خصص الكاتب للشعر باباً أخيراً أبقاه مفتوحاً . فوراء الوزن والتفعيلة والعمود و " غير العمودى والحر " نفس ايديولوجى تبين أن الشعر الحديث عندنا أقدر على تصويره من القصة والمقال إلى حد الآن . وقد يسر ذلك الاعتقاد بأن الشعراء " يقولون ما لا يفعلون " ! الشعر كغيره من أشكال التعبير الأدبي  والفنى اذا انسجمت كليته يعتبر جواباً جماعياً لما يبرز خلال التغير الاجتماعى من تساؤلات .

لنا مثال آخر أعم شمولاً : الادب الطلائعي فى تونس . كل الذين تهجموا عليه غاب عنهم ما بينه وبين هذه التساؤلات من علاقة . طبعا كقارىء - ولكن كقارئ فقط - قد لا أجد نفسي مرتاحا فى البناء اللغوي لتجربة " الانسان الصفر " الذكية ( مع الاشارة الى أن عدم الارتياح هذا نتيجة مرتحاة ) ولكن كباحث عن مدلولية هذه التجربة أضع من جديد نفس السؤال : لماذا كتبت فى الظروف الراهنة ؟ لكى لا نخرج عن منحى الكتاب العام نكتفى بهذا الافتراض : أمام التطور القومى والعالمى وجدت طبقة النخبة المثقفة عن طريق بعض أفرادها نفسها متأخرة عن التيارات الحديثة وعانت من ذلك مركبات . فظهرت أعراض " تقدمية " فيما كتبت . غير أن ثنائية تفاوتية كالتى يذكرها البشير ابن سلامة ثبتت أو تفاقمت . ذلك أن هذه المحاولة هي محاولة للخروج من وضع الخاصة الجامد لا للدخول فى وضع العامة ، فلم تؤد حتى الآن إلى لغة  جماهيرية لا سبيل اليها دون اعتبار مسبق لأهمية الوظيفة الاجتماعية  للاستعمال الفنى . والأمثلة عديدة فى مجالات أخرى . " حصة المرأة " مثلا ! على لسان أية امرأة تتكلم من لا ننكر تحررها وأية إمرأة تخاطب ؟ الجواب تعرفه  حمالة الحطب فى الريف.

المعطيات اذا متشابهة : فى المحافظة على عربية كلاسيكية غير زمنية أو فى تبني لغة أجنبية كما فى إستعمال تعبير طلائعي نزعة جماعية ضيقة في البداية . غير أن هذا الأخير أقرب إلى أن يفضى بأصحابه بعد مرحلة الهدم الحاضرة إلى بناء جديد تألف شكله المجموعات وتنفخ فيه من روحها .

يمكن التعريج بعد هذه الاشارة الى أساس الواقع الفكرى على بعض ما جاء فى الكتاب من تقاطعات منهجية مختلفة . ولعل أول ما يسترعى الانتباه هذه النظرة الشاملة إلى اللغة ككل لا يتجزأ كتابة وتعبيراً ، شكلاً ومضموناً تتفاعل

عناصرها في امتداد متواصل للزمن . هذا التعقد هو الذى يجعل من اللغة ما سموه " ظاهرة - إجتماعية - كلية " كما أنه هو الذى أدى إلى الربط بينها  وبين التقدم الحضاري عامة . ومن أطرف ما ذهب إليه البشير بن سلامة أن ما يميز أكابر الكتاب ليس الاسلوب فى معناه المتوارث كما علمونا ولكن تجاوز هذا الأسلوب إلى مرحلة تصهر فيها اللغة تبعاً للمعطيات المتجددة . معنى هذا أن " اللغة التجاوز " رجوع بالكتابة إلى المادة الاجتماعية الحية وتخليص لها من هيمنة صاحبها عليها هيمنة وهمية فى الواقع لأن الخلق الأدبى أو الفنى المنسجم تعبير عن مضمون بل ضمير جماعى يختلف كماً وكيفاً . وراء كل كتابة معتبرة أراد صاحبها أم لم يرد جماعة أو طبقة .

فتجاوز الاسلوب الذى هو " متعلق بلحم الكاتب ودمه مترجم عن فرديته فى أبشع صورها " ليس مجرد صناعة فنية وإنما هو فى نهاية الأمر تعميق وتوسيع لهذه الجماعة يتواصل فى اتجاه القاعدة .

وأضح أن هذه النظرة الديالكتيكية إلى اللغة بعيدة كل البعد عن طرق التجزئة يلجأ إليها الكثير من الدارسين والنقاد فاذا العناصر التى لا تعرف لا بانتمائها وإرتباطها تجمد بالعزل والتبسطائية . كل ما فى النص ( واللغة نص ) يفسر عدا الاساسي فيه : الحياة . يتساءل أبن سلامة : ماذا بعد أربعين سنة ؟ ويمكن أن نتساءل : ماذا بعد أبن سلام ؟ كيف يمكن بعد قرون تغير فيها وجه الدنيا وصورة الآخرة للتزم تصنيفه للشعراء ونحكم ذوقه فى اختيار ما يدرسه الطلاب ؛ تعليل هذا ولا شك أن اللغة العربية عامة وأدبها القديم  خاصة وضعاً نهائياً خارج الزمن فلم بعد له عليهما تأثير . وهل تمكن العودة إلى حدود الزمان أقساطا ؟ ! إذا كان هذا ممكنا فمعناه ان اللغة مجموعة أشلاء فارقتها الحياة وهو ما لا يمكن التسليم به ما دام على الارض من يتكلم هذه اللغة . اللغة أنتروبولوحيا . كل عند الآخر ما يتكلم . حتى الرب تعالى نبحث عنه في كلامه . ولن يتكلم الانسان أسلوباً ولا شكلاً ولا مضموناً ولكن كل هذا وغير هذا معاً . واذا سمح البشير بن سلامة أذكر ما كتب إلى بخط يده نوضحاً للرأى : " الفكرة الأساسية التى سيطرت على الكتاب كله اعتبار اللغة ككل : كتابة وتعبيراً ، وتفجيرها قصد ترقيتها وانصهارها فى العصر . إذ إتحاد اللغة بمصيرنا خيراً أو شراً هو أساس هذا العمل . فنحن لن نكون شيئاً يذكر إذا لم ترتق لغتنا " . فى هذا المستوى التركيبى الذى يتطابق فيه  الكائن الاجتماعى ولغته تطابقاً علمياً لا حدساً وتعاطفاً فحسب كان يجب أن يوضع مشكل التعريب مثلاً.

بقيت من بين المسائل الهامة مسألة لها صلة مباشرة بما سبق : اللغة

انتروبولوجيا وغير ذلك مما يربطها بالواقع المادى والفكرى . لكن ما حدود الواقع التونسى زمناً ومكاناً ؟ النقاش هنا يطول وقد يمل . تونس عربية إسلامية شرقية شمال أفريقية مغربية متوسطية وصلية أو كزيتونة القرآن لا شرقية ولا غربية . . كل هذا قيل ويقال وخلاصته وفرة التعارف ولا تعريف .

لا شك أن ذاكرة العربى قوية الأدخار إلى حد غريب ، وليس أيسر عليها من أن تعود به حالما إلى عهد الشورى والعدل والعصر الذهبى . " كنا " العربية  كصخرة سبيزيف أو هي " صندوق عجب " ! المحتوى المثال : أزدهار " خير أمة أخرجت للناس " فى الوحدة وبها . سبب الحنين : ضآلة الحاضر.  إلا أن هذه الضآلة فى الواقع ترجع بالاضافة إلى العوامل الخارجية المعروفة إلى  مفهوم خطى وحيد الاتجاه للتاريخ : كلما أراد الواحد منا تعريف شخصيته رأى نفسه صحابيا فغازيا فجاحظا ثم خلف أبواب الاجتهاد المغلقة ساكنا عطلا . لهذا كثيراً ما لا يجد لمفاخرة التقدم الأروبي غير " كنا " ...

التونسى شاء أم أبى يلتقى فى تعاطفية تاريخية بغيره ممن لهم " كنا " واحدة . ومن حق الملتزم أن يدعو إذا أراد للبحث عن وسائل بها تصير هذه التعاطفية وضعاً ملموساً معاشاً . هذا مجرد امكان . لان الموضوعية ( وغال ثمنها هنا ) لا ترى فى الحالة الراهنة الى ظواهر اختلافية . لكل بلد عربي هيكله الاجتماعي والاقتصادى والسياسى الخاص به . واذا قصرنا الحديث عن اللغة وجدنا أن اللغات الجماهيرية تختلف إختلافاً بينا نعرف مدى استغلال بعض المستشرقين والانصار له لأغراض سياسية . غير أنا نتأكد تبعاً لذلك من أهمية " اللغة التجاوز " كمشروع للتقارب بين البلدان العربية . ولكن هذا أيضاً من قبيل الامكان .

يبدو أنى رغم التصاقى النظرى بالواقع لم أستطع غير إبدال " كنا "  ب " سنكون وهذا تحيل على أبن سلامة وتفسير سطحى للتجاوز عنده . الكاتب أجرأ بكثير : ما دامت حالنا هذه فلا بد للنفس من أن تحمل وللفكر من أن يمرن على النظر فى خصوصية الواقع التونسي وذاتيته . اذ له " سنة أدبية فكرية قومية " تعتبر الحضارة العربية الإسلامية حلقة كبرى من حلقاتها لا أصلاً وحيداً لها . كنا نسلك الزمان تصعيداً حتى القرن السابع ثم نعرج شرقاً إلى المهلهل . ولكن أبن سلامة يقترح السير قدماً إلى قرطاج ، إلى " الأدب الجاهلى التونسى مؤكداً " أن الأدب اللاطينى الذى خلقه أبناء قرطاج قبل الفتح الإسلامى وزخرت به مكتباتها يحمل بين طياته هذه السنة الادبية

الفكرية القومية التى نجدها بالتالي مبثوثة كأحد ما يكون البث فى أدب الشابي والحداد وسعيد أبي بكر والدوعاجى " . هذا الالتصاق بالتربة أو هذه النظرة الإيكولوجية أقرب ما تكون الى المنهجية العلمية . وهى فى الوقت نفسه إلى تجاوز الانظمة الذهنية الموروثة ، قريبة من بادرة طه حسين التى كان علينا أن نرى فيما محاولة للاثارة وتجديد المواقف لا مجرد نفى لبعض الشعر الجاهلى .

إلا أنه أو لم تستعمل اللغة في معناها الحضارى العام لاعترضنا على هذا الرأي بأن المقارنة بين أهل الحزيرة العربية فى الجاهلية والاسلام وبين التونسيين قبل الفتح وبعده غير مدعمة ، لأن الاسلام بالنسبه للفريق الأول لم يوازه في الأول ، على الأقل فصل عن اللغة أو الجنس . ولكن لا تولى هذه المقارنة العفوية  أكثر مما تستحق من الأهمية . إذ الدعوة إلى التعرف والتعريف بأدب تونسي غير عربي أبعد من أن تنطلق منها وتقوم عليها . هذه الدعوة دحرجة لصخرة سيزيف العربية من عالم الاسطورة إلى الواقع .

هذا بعض ما قد يشيره الكتاب فى بعض الاذهان . وهو كما يتضح تعريج أقصر من أن يكون شافيا لما تقتضيه كل فكرة من توسع لم تجد به الفرصة . خصوصاً وأن "الكتابة العربية ومشاكل الكتابة " ليس مجموعة من الحلول بقدر ما هو استفزاز وتحريش لما استأنسنا ودجنا من المشاكل . وأنه ليكون  من الغبن حقاً أن لا يقبل مع الأعجاب والتقدير على عمل " غزير بالافكار الجديدة ، نابض بروح البذل الاصيلة " كما قدم الاستاذ مزالى وجامع بين ما نحتاج إليه من الجرأة والتواضع .

اشترك في نشرتنا البريدية