الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات, خواطر حول ديوان محمد الفائز القيروانى

Share

نشرت الدار التونسية منذ مدة ديوان ( محمد الفائز القيروانى ) الجزء الاول وهو من منشورات اللجنة الثقافية المحلية بالقيروان يقع فى 114 صفحة ما عدا الغلاف الذى يحمل اسم صاحب الديوان باللون الاخضر مع صورة لبيت صلاة تبدو أساطينه قائمة شامخة وظل هذا الديوان مدة مطبوعا لكنه لم ير النور لاسباب ليس هذا محل ذكرها وسألت عنه مرارا حتى استجاب لى الصديق العزيز والزميل الكريم الاستاذ محمد مزهود حينما التقيت به فى ساقية سيدى يوسف ووفى بوعده فارسل الى نسخة من هذا الديوان مشكورا فى نفس الوقت الذى وافتنى نسخة ثانية من اللجنة الثقافية بالقيروان مع كامل تقديرى لها.واذا كان فهرس هذا الديوان ينص على ان هنالك كلمة حول جمع الديوان من صفحة 5 إلى صفحة 9 وان هناك ترجمة لحياة الشاعر فى سطور من صفحة 9 الى صفحة 13 فان الديوان لا نجد فى أوله وحيث أشير الا الى تقديم موجز للديوان خطه الاستاذ محمد الفيتورى فأين كلمة جمع لديوان وأين حياة الشاعر ؟ لعل هذا قد طرح بعد الطباعة لنفس الاسباب التى قلنا ان هذا ليس موعد الحديث عنها .. والآن الى مقدمة الاستاذ الفيتورى الذى يقول فيها وما كان محمد الفائز رجل هزل فقد امتاز بجده فى أداء وظيفته

التربوية وبطريقته الرشيقة فى افهام الدرس واختيار المواضيع وبأسلوبه المحكم فى التعليم فغرس فينا حب اللغة العربية التى ناضل فى سبيل اشعاعها ودربنا على اتقانها وتذوقها وكان الفائز وطنيا غيورا فبالرغم من البيئة التى عاش فيها والبلاد تحت هيمنة الاستعمار كان شجاعا يصدع برأيه وينادى فى قصائده بتحريك الضمير الوطنى فالشعر الذى توغل فى بحوره ونفذ فى قوافيه هو مرآة انعكست عليها شخصيته القومية وشاعريته الرقيقة العذبة ونزعته الوجدانية وغيرته الوطنية ودعوته الاصلاحية فهو انموذج حي لاغراض سامية متنوعة من حب ورقة غزل ، ويشتمل الديوان على الوطنيات وتضم تسع قصائد والوجدانية وب 21 قصيدة ويضم قسم المراثى تسع مرثيات ويحتوى قسم المناسبات على أربعين قطعة وهكذا يكون بالديوان 79 قصيدة نظمت على بحور الخليل بين كامل ووافر ورمل ومتقارب وبسيط وخفيف ومجتث ورجز وطويل بين تام ومجزوء وهذه القصائد مأخوذة من المخطوط ومن كتاب الادب التونسى لزين العابدين السنوسى ومن بعض المجلات التونسية ومحفوظات تلامذة الشاعر والملاحظ ان الناشر او المعلق قد نسب الى مجلة مكارم الاخلاق الصفاقسية نشر قصيدين هما جماعات القرآن مكارم الاخلاق 11 رمضان 1355 عدد 3 وربوع الزهر العدد 15 فى جمادى الثانية 1356 ه.

بيما هناك قصيد ثالث بالديوان وهو ( لولا الامانى ) نشر أيضا بالمجلة المذكورة فى عددها الثانى عشر الصادر فى 1 ربيع 1355 ه. كما ان الناشر ذكر فى تحية الفائز الى جمعية الكتاب والمؤلفين انها نشرت بالوزير وقد اجتهد فى البحث عن العدد ولم يوفق وهذا العدد موجود عندى وبوسعى ان أسلم صورة من القصيد المذكور لمن يريده وهو العدد 379 الصادر فى يوم 4 ماى 1933 من جريدة الوزير .

هذا وهناك قصائد اخرى معروفة نشرت ولم يضمها الديوان ولعل موعدنا بها الجزء الثانى من القصائد والتى نشرت ولم يطبع قصيده الذى قرض به كتاب تونس الجغرافية لصاحبيه المختار السماوى ومحمد كمون ومطلعه :

هذا الكتاب لنشر تونس اخرجا   وعليه من حسن الطلاوة رونق

وله قصيد بعنوان اعراب عن وجدان مطلعه :

حل السرور وجاء فى ابانه    فاستقبل البشرى وطيب زمانه

والتعاليق الموجودة حول قصائد لديوان تكشف عدة حقائق وتلقى الاضواء عن ظروف صوغ الشاعر لقصائده من ذلك تشطيره الذى يقو فيه :

قتل امرئ فى غابة    اهون من خل غدر

ونكث عهد سابق    جريمة لا تغتفر

وقتل شعب امن      كمثل ضيف يحتقر

وهجر خلان الصبا   مسألة فيها نظر

فقد ذكر الشاعر انه زار صفاقس سنة 1947 وأحس بجفاء من طرف بعض أصدقائه فشطر الابيات المذكورة وبعث بها اليهم بدون امضاء حتى تفطنوا وأزيل الخلاف وان ما دعى فى الديوان بقسم المناسبات كان الاولى بأن يقع ضمن باب الاجتماعيات لانه صور فيه حياة اليتم والفقر والجهل ودعا الى التعليم وصيانة الاسلام بهذه الديار وها نحن بعد هذه الملاحظات نتجول بأقسام الديوان فنقف قليلا مع الوطنيات وها هو الشاعر محمد الفائز بين يدى الزعيم سنة 1949 عند عودته من الشرق يقول :

بكرت قبل سواجع الاطيار    مستلهما من وحيها اشعارى

حتى ظفرت به فصغته رائقا    مدحا لضيف مدينة الاثار

فاسمع نشيد القيروان فانها     جذلى تتيه بضيفها المغوار

جاءت ترحب بالحبيب وترتجى   بمناله فى الحل والاسفار

فانظر تجدها كالصباح وضاءة   يشدو الهزار بها على الاشجار

فى كل بيت رسمكم متصدر     ان لم يكن فى السمع والابصار

أيقظت نواما وسقت سفينة     كادت تحيد على شفا الاخطار

وبعثت صوتك داويا فتحركت   همم الشباب لمطمح الانظار

يا ليث تونس يا رجاء شبابها     حفظتك للعليا يد الاقدار

فاقبل سلاما من بلاد صفقت   فرحا بكم يا سيد الاحرار

ومن هذا الباب قوله آملا ان يتحول وضع البلاد الى ما هو أوفق :

تصفو الحياة بتونس لبغيضها     ورضيع حب يشتكى الاعواما

لولا الامانى وهى أعذب مورد    لتركت افراخى بها ابتاما

ولتهت مغتبطا بمن سكنوا الثرى  فالحر يأبى ان يعيش مضاما

وفى الوجدانيات تجديد وتلوين وتنويع لطريقة عرض صوره الشعرية اسلوبا وروحا ومن قصائد هذا الباب ما نختار منه :

قف على قبرى اذا خلفنى    اهل ودى وتولوا زمرا

واسقه من صيب الدمع كما   كان دمعى سابقا منهمرا

وانثر الزهر حواليه وقل        هكذا كنت نحب الزهرا

وذر الورق تغنينى كما          كنت من قبل اغنى الشعرا

وخذ الغصن بكفيك وقل     ههنا غصن وداد هصرا

وسيسلونى خبيث القلب من   بعد ما يمسى وسادى حجرا

وتفقد الزيتونة شاعرها الفذ فى حادث سيارة وهو الشاعر الاستاذ محمد بوشربية الذى نأمل أن نرى ديوانه قريبا فيقف شاعرنا يرثيه وقد ورد فى باب المراثى قصيد بعنوان نكبة الزيتونة نقتطف منه :

ودعت بالامس القريب أديبا   واليوم ابكى شاعرا وحبيبا

وبالامس روعني الحمام بنابغ   فبعثت من دمعى عليه صبيبا

واليوم افقد عبقريا ملهما      يا طالما اذكى القلوب لهيبا

سهم اصاب يد القضاء (محمدا)  فغدا ضجيعا فى التراب غريبا

جرح اصاب القيروان بقلبها      والجرح يصعب ان اصاب قلوبا

فجعت به الزيتونة الغراء          وانهد البناء وخربت تخريبا

تبكى بنات الشعر شاعرها الذى   ملأ الرياض ترنما ونحيبا

نم في ثرى الوطن الذى احببته    وبذلت فيه شبابك المحبوبا

ونختم هذه الجولة باختيار هذه الابيات من باب ( المناسبات ) بعنوان ذكرى المولد :

هذه ذكرى ازدياد المصطفى    مبعث العزا امام المرسلين

كسيت بالعز والكون احتفى   بمجئ الصادق البر الامين

يا لها من ذكريات وكفى        انها ميلاد خير العالمين

هذه نظرة عاجلة حول ديوان محد الفائز القيروانى الذى كان رغم محافظته على أوزان الخليل يحاول ان يستخدم مجزوءها وان يلون القوافى ويعدد الروى ويختار العبارة الرقيقة والصورة الطبيعية المغرية فجاء ديوانه صورة صادقة بروح أصيلة فى نزعة الى التلوين والتطوير استحق بها ان يكون من رواد شعر المعاصرة وأدباء الجيل الذين خلدوا حياة أمتهم بكل ما فى وسعهم من ايمان .

اشترك في نشرتنا البريدية