رشيد الذوادى من الكتاب التونسيين المعنيين بفن السير والتراجم ، يتابع كل نبتة تنجم فى حقل الفكر التونسى ، فيمهد لها المكانة اللائقة بها فى سجل الأدب والثقافة والفكر ، الذي أصبح حافلا بالأعلام .
وقد استقبلت المكتبة العربية بحفاوة تجارب الذوادى فى مجال التراجم من أمثال كتاب " حسن النورى " ، وكتاب أبطال وشهداء " ، وكتاب " أعلام من بنزرت " ، وكتاب " أدباء تونسيون "
أما كتابه الذي نعرضه اليوم وهو كتاب " رواد الاصلاح " فيتميز بأنه رحلة حول خمسة من الرواد ، عاشوا في فترات متتابعة امتدت من عام 1820 الى عام 1940 ، وتمثلت رسالتهم فى المحاولة الجادة لاصلاح المجتمع العربى الاسلامى فى فترة من أشد فترات حياته قسوة وظلمة ، فاستطاعوا بعبقريتهم وثوريتهم ونضالهم واصرارهم أن يمزقوا حجب الظلام والجهالة ، وأن يصيحوا فى وجه الجبروت الاستعمارى ، وأن يفجروا فى نفوس مجتمعاتها طاقات الثورة ، وأن يبشروا بعالم أفضل ، فكانوا طلائع الحرية ، وأضاءوا طريق الأمة نحو فجر التحرر والاستقلال والتقدم الذى نسلكه اليوم .
وليست شخصيات الذوادى فى هذا الكتاب قاصرة على المحيط التونسى كما عودنا فى كتبه السابقة ، ولكن دائرة الاصلاح اتسعت أمامه ، فجال معها فى أنحاء العالم العربى والاسلامى أينما وجد الاصلاح ورجاله الذين ندين لها
اليوم بما أحرزناه من يقظة ، وما سنحرزه غدا من تقدم فى مجالات الفكر والحرية والثقافة والسياسة .
وحين تذكر كلمة الاصلاح فى تونس تتداعى الى الذاكرة شخصية خير الدين التونسى ، محاطة بهالة من التقدير والاجلال ، سواء من المثقفين أو السياسيين أو رجل الشارع .
وخير الدين فى وعى الدائرة التونسية المحدودة ليس عبقرية عربية نونسية فحسب ، ولكنه أسطورة سياسية وفكرية على النطاق الأممى .
فهو ظاهرة شاذة بمقياس عصره وبيئته ، وهو شخصية فذة على المستوى العالمى ، حيث عاش ومارس حياته بين العشرينات والتسعينات من القرن التاسع عشر فى بلد متخلف مهدد بالاستعمار بين يوم وآخر .
وحبكا للأسطورة لا بد أن يكون خير الدين من سبى القوقاز ، وأن يباع فى سوق استامبول ، ليستستقبله قصر نقيب الأشراف ، فيتربى مع ابنه الوحيد ، وحينما تحزن الأسرة لفقد وحيدها تتخلص من شبح الذكرى بإعادة بيع رفيق حياته خير الدين ، وبالتداول يصل الى ساحة باى تونس ، الذى يرى فيه شخصية غير عادية ، فيخصص له المعلمين والمربين ، وتسعفه همته ، فلا يقتصر على تلقى المبادىء ، بل يعكف على فنون الحرب والسياسة ، ويلازم العلماء ، ويتقن الفرنسية الى جانب العربية والتركية .
وتونس يومئذ بلد متخلف ، لم يبق له من الحضارة سوى هيكل متداع ، ولا من الدين الا بعض المظاهر والقشور التى انزوت فى الكتاتيب وأركان التكايا والزوايا ، بينما التعليم المدنى خاضع للجاليات الأجنبية ، وما يتبع ذلك من فساد الحكم ، وانهيار الاقتصاد
لقد أزعج ذلك الباى أحمد باشا مولى خير الدين ، فحاول ادخال بعض التنظيمات على هياكل الادارة ، وصادف ذلك اهتمام الدولة العلية على عهد محمود الثانى باقتباس بعض النظم الأوروبية ، وتطبيقها فى مختلف ولاياتها ومن بينها تونس
وبمعونة خير الدين استطاع الباى أن يشجع الثقافة ، وينظم الجيش والادارة ، ويخفف الضرائب ، ويلغى الرق .
وفى هذه الأثناء ألحق خير الدين بالحاشية ، وصحب الباى فى زيارته لملك فرنسا ، ثم عين أميرا للواء ، ووكل اليه بعض المهام العسكرية والاقتصادية الخطيرة ، وكلف باصلاح أوجه الفساد الادارى والانحرافات السياسية فى البلاد .
وقد اقتضت بعض هذه المهام أن يقيم فى فرنسا ثلاث سنوات متصلة ، حيث واتته الفرصة لتوسيع آفاق ثقافته ، والتعرف على أعلام أوروبا وبلدانها وأسباب تقدمها .
وتداول كبريتات الوظائف ، فعين وزيرا للحرية ، ثم رئىسا للوزراء ، كما تداولته العقبات التى اعترضت طريقه الاصلاحى ، فترك الحكم ، وعكف عن تدوين تجاربه فى كتاب حلل فيه تطور المجتمعات المتقدمة ، وسماه " أقوم المسالك فى معرفة أحوال الممالك " .
وظل خير الدين بعيدا عن الحكم سبع سنوات استشرى فيها الفساد ووقع فيها الانهيار الاقتصادى ، فاستدانت الحكومة بفوائد ربوية باهظة اضطرتها لفرض ضرائب عالية ، مما فجر الثورة الشعبية المشهورة بقيادة على
وخوفا على تونس من تفاقم الأمور حولها ، وانقضاض الاستعمار الفرنسى الذي داهم جارتها الجزائر - كلف الباى خير الدين برئاسة اللجنة المالية التى شكلت لتسوية ديون تونس ، فأنقذها من الانهيار الاقتصادى والاستعمار السياسى ، وقام بتوثيق العلاقات بينها وبين الدولة العلية ، فعينه الباى وزيرا أكبر الى جانب رئاسة اللجنة المالية .
واستيقظت سعايات الناقمين على خير الدين ، وعلى الاتجاه الاصلاحى عامة ، فنحى عن الحكم ، وصودرت حريته ، مما جعله يفكر في الهجرة ، وحينئذ استدعاه السلطان عبد الحميد الذى كان قد اطلع على آرائه الاصلاحية فى كتابه " أقوم المسالك فعينه رئيسا للجنة الاقتصادية ، ثم عينه صدرا أعظم للدولة العلية ، لكن قلبه ظل معلقا بتونس ، متابعا لأحداثها ، وقد حزن حزنا شديدا عندما علم باحتلالها على أيدى الفرنسيين ، وظل حزينا عليها حتى فارق الحياة .
ولقد كان خير الدين طاقة فكرية ووطنية واصلاحية جعلته من أعلام القرن التاسع عشر ، ووضعته على رأس المصلحين العرب والمسلمين فى فترة كانت
تموج بالتقلبات العالمية الخطيرة ، فكان من حسناته أن أصدر أول دستور فى البلاد الاسلامية كلها ، هو عهد الأمان
وكان أعظم تراث فكرى وسياسى واجتماعى خلفه خير الدين ، بل خلفته هذه الفترة هو كتاب " أقوم المسالك" الذي حلل فيه أحداث العالم الاسلامى على ضوء الحركة التقدمية التى شملت الدول الاوروبية ، وجعلها تسبق الشرق بمراحل بعيدة .
وترجع أهمية هذا الكتاب الى أنه صدر عن مصلح عربى مسلم ، وحوى أفكارا سياسية تقدمية فى فترة مبكرة من حياة الشرقية المتخلفة
وتذكرنا سيرة خير الدين بحياة ابن خلدون في عناصر كثيرة مشتركة ، من بينها الآراء الثورية الجريئة ، والدعوة للانتقاض على التقاليد البالية ، وعلى أسباب التخلف التى تحيط بالعالم الاسلامى ، كما يتشابهان فى انتاجهما الفكرى التقدمى بالنسبة لعصريهما ، فقد لفت كتاب خير الدين أنظار العالم كله ، وترجم فور صدوره الى العديد من اللغات الاوروبية ، وما يزال يجد صداه حتى الآن ، ويعتبر من مفاخر الفكر التونسى ، كما يعد مرجعا مبكرا للدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وحوله تدار الرسائل والبحوث الجامعية .
واذا كان الدارسون التونسيون يعلقون الاهمية الكبيرة على مقدمة هذا الكتاب وحدها لما حوت من أفكار وآراء ذاتية ، واذا كانوا يرون أن الكتاب نفسه لا يعدو أن يكون معلومات جغرافية وتاريخية واجتماعية عن البلاد الاوروبية التى زارها فان بعض الباحثين فى المشرق قد كشفوا فى صلب الكتاب عن نظريات سياسية عربية أصيلة فى الادارة السياسية لم تتوصل اليها أوروبا الا فى أوائل القرن العشرين
فى هذا الكتاب ينادى خير الدين بالقضاء على الاستبداد والحكم المطلق ومقاومة الدكتاتورية ، كما يرى أن المبادئ الاسلامية هى أصلح الانظمة للمجتمع الحر العادل ، كذلك يرى أن يجمع العالم الاسلامى بين روح الاسلام وما فى المدنية الحديثة من عوامل التقدم ، كما كان يحبذ النظام الرأسمالى ويدعو الى التعليم المهنى
وقد ترك خير الدين الى جانب ذلك بذرة الحرية والاصلاح ، والتقدم التى ما تزال تونس تحمل شعلتها ، وما يزال تلاميذه يسيرون على دربه فى الحرية
والاستقلال والتقدم ، ولا ينكر أبناء تونس أن آراء خير الدين وما فيها من وطنية ، وما استلهموه من مبادئها الاصلاحية قد عصمتهم من الغرق فى دوامة التجهيل والتغريب ، ومنحتهم حصانة المقاومة ضد الاستعمار الرهيب الذى انتصروا عليه .
أما الشخصية التونسية الثانية فى مجال الاصلاح فهى شخصية محمد بيرم الخامس ، الذى عاش فترة ما بين الأربعينات والتسعينات من القرن الماضى ويعد من أحرار العالم الاسلامى ، فلقد نضجت اهتماماته بالسياسة واصلاح شؤون الحكم فى وقت مبكر ، وتولى مشيخة بعض المدارس الكبرى وهو ما يزال فى شرخ الشباب ، كما تولى التدريس فى جامعة الزيتونة ، فبث فى تلاميذه روح التمرد والنقمة على الأوضاع السائدة فى العالم الاسلامى ، ووجه المثقفين الى الاصلاح ، وقد رحل فى أنحاء الشرق والغرب ، واستقر بمصر حيث أصدر جريدة " الاعلام " ، وتولى القضاء وبعض المهام السياسية وساهم فى النهضة الفكرية ، وألف فى الفلسفة والعلوم الشرعية والسياسية ، وأبرز مؤلفاته كتاب " صفوة الاعتبار " ، وهو موسوعة فى السياسة والتاريخ والرحلات ووصف البلدان ومجتمعاتها وسياستها
وقد مارس الاصلاح من جذوره ، اذ كان يرى أن اصلاح التعليم هو البداية ، كما نادى باصلاح الاخلاق ، وتطبيق النظم النيابية
وهو من أنصار خير الدين ومؤازرى دعوته ، وقد استعان به خير الدين فى تنظيم التعليم والاوقاف ، وتولى بعد خير الدين اصلاح القضاء ، وتنظيم المستشفيات وحاول اصلاح نظم الحكم
والتقى فى الشرق بأقطاب الفكر والسياسة ، أمثال الشريف حسين ، ومدحت باشا ، وسعد زغلول ، وأديب اسحق ، وسليم نقاش
وخلاصة آرائه تتركز فى الرجوع الى مبادئ القرآن ، وتطهير الدين من البدع ، وفتح باب الاجتهاد ، والانتفاع بثمرات العلم الحديث ، وتجديد أساليب التعليم
أما عبد الحميد بن باديس الذي عاش بين عام 1889 وعام 1940 فلم تعرف الجزائر خطيبا يماثله فى البلاغة وقوة التأثير فى الجماهير كان من الرواد الذين فجروا الثورات ، ودفعوا شعوبهم الى ميادين التقدم
وقد استمسك بعروبة الجزائر فى مواجهة الاستعمار الاستيطانى الذى كاد يجتاحها الى الأبد ، وبذلك أصبح أبا الجزائر ومعلمها
ولد ابن باديس فى قسنطينة بالجزائر ، والتحق بالزيتونة فى تونس وفيها تخرج ، وقام بالتدريس لطلابها
وممن تأثر بهم البشير صفر ، والثعالبى فى تونس ، والطاهر الجزائرى فى دمشق ، ومحمد عبده ، وجمال الدين الافغانى ، وعبد الرحمن الكواكبى ومحمد اقبال ، وقاسم أمين على اختلاف اتجاهاتهم ومذاهبهم فى الاصلاح .
وقد اصطنع فى سبيل تحقيق أهدافه الاصلاحية مختلف الوسائل ، كفنون الادب ، والصحافة ، والخطابة ، ولكى تظل الجزائر عربية مسلمة كان لا بد من بعث الحركة الدينية التجديدية ، ونشر اللغة العربية فى جميع مجالات الحياة .
وأما جمال الدين الأفغانى ، فالى جانب ما هو معروف عنه من معلومات شائعة ركز على دوره الرائد فى علاج أزمات العالم الاسلامى ، ودعوته الى التجمع تحت ظلال الجامعة الاسلامية ، وكانت سياحاته فى جميع أنحاء القارات ذات أثر فعال فى النهوض بالعالم الاسلامى ، غير أن دوره فى مصر ، والتقاءه بمحمد عبده ، وتأليف جمعية العروة الوثقى ، وتعاونهما على ايقاظ العالم الاسلامى ، وتنقية الاسلام من الخرافات ، واعلان الثورة على الاستعمار والاقطاع - كان من أكبر الأدوار التى لعبها جمال الدين الأفغانى فى حياته كلها .
والحديث عن جمال الدين لا بد أن يستدعى الحديث عن تلميذه وحواريه محمد عبده ، لأنهما لعبا دورا مشتركا فى حياة الأمة العربية والعالم الاسلامى ، بحيث يكمل كل منهما الآخر
غير أن المؤلف أبرز شجاعة محمد عبده ، وجرأته فى الجهر بآرائه ، واقدامه على التجديد ، وحملته على الجمود والرجعية ، كما تحدث عن أدواره الدينية والسياسية ، وعن مواقفه من اصلاح التعليم ، وما لقيه من تكريم الهيئات فى مختلف أنحاء العالم ، وما صادفه من عقبات فى سبيل تحرير الفكر ، وتطهير الدين ، وتحرير الأساليب الادبية من بقايا عصور الانحطاط ، وتقويم أسلوب الصحافة ، وتصحيح أفكار المستشرقين عن الدين الاسلامى ، ورد تهجماتهم عليه .
غير أن المؤلف وقع فى التباس صغير عند حديثه عن الحركة التجديدية التى قام بها محمد عبده ، فقد اشتبه عليه اسم الكاتب الكبير عباس محمود العقاد ، مؤلف كتاب " محمد عبده" فى سلسلة أعلام العرب ، وعباس محمود ، مترجم كتاب " الاسلام والتجديد فى مصر" ، وهما شخصان مختلفان .
وهكذا يقدم لنا الباحث التونسى رشيد الذوادى فى هذا الكتاب نماذج جديدة من أعلام الفكر والاصلاح ، تجمعهم نزعة الاصلاح ، وإرادة تغيير لمجتمع ، فى فترة حرجة من حياة الأمة العربية والعالم الاسلامى
تجمعهم كذلك المعاصرة ، كما تجمعهم العروبة والاسلام مهما اختلفت بهم الديار ، ويثقل ضميرهم الواجب نحو الوطن ، والالتزام بحماية الدين
والقدر المشترك بينهم يتمثل فى حرية الرأى ، والشجاعة فى الجهر بالحق ، والحرص على لغتهم والتقاليد الصالحة للمجتمع الاسلامى الواعى
ولقد بذل المؤلف الكثير من الجهد لكى يجمع أطراف المعلومات عن هؤلاء الأعلام ، سواء فى جمع المراجع الكثيرة والمبعثرة فى أنحاء العالم أو فى تنقية هذه المعلومات مما أدخل عليها لتشويه سيرة هؤلاء الأعلام ، سواء من الأدعياء أو الحاقدين ، وبهذا استطاع أن يقدم الينا هؤلاء الاعلام بالصورة اللائقة بهم وبما بذلوه من جهود مضنية فى سبيل مجتمعاتهم ، وبالصورة التى تليق بالمؤلف كباحث ألزم نفسه بأن ينصف هؤلاء المجاهدين من قالة السوء ، ومن الحملات المغرضة التى وجهت اليهم في حياتهم كثيرا ، وبعد رحيلهم أكثر وأكثر
ولم يكن ذلك بالامر الهين ، فان كلمة الحق تثقل ضمائر الذين يتحرون فيها وجه الصواب بالجمع والتدقيق والموازنة والتحقيق ، حتى تبدو كلمة الحق فى المكانة الجديرة بها .
ويبدو من عديد المراجع وأشتات المصادر التى استنطقها المؤلف ، ومن الموازنات والتدقيق وتقليب وجوه الرأى ، والتحقيقات والتصويبات التى تحراها الذوادى أنه يحترم التاريخ ، ويحترم قلمه ، وقبل هذا وذاك يحترم قارئه ، وفى سبيل ذلك يهون كل جهد يبذله الباحث لكى يؤدى واجب الحقيقة ، ولكى يكون جديرا باحترام قرائه ، وهو الأمر الذى نغبط من أجله الذوادى ، ونباركه عليه .

