الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات, رواية " عائشة "

Share

حضرة أخي الفاضل الأكرم البشير بن سلامه ، أيده الله بحسن عونه وبعد ،

لقد انعزلت فى القيروان بضعة أيام بحثا عن " الجذور " فكأني رغم إيماني بما أعمل هنا فى العاصمة محتاج الى الانغراس من حين لآخر فى ذلك التراب العبق الذى احتضننا حفاة عراة أيام الطفولة الصعبة ... لعلني أيضا لهذا السبب النفسى طالعت " عائشة " فوجدت فيها نفس هذا البحث عن الجذور ،

بمفهوم المسلسل الامريكي  Roots ) ) لكن بأكثر عبقرية مكنتك وأنت الكاتب المثقف من ان تطوع اللغة العربية لهذا البحث عن الذات ، وانت أشبه بالسارى ليلا وفي يدك قنديل اللغة تضئ به ما استطعت من ظلمات الذاكرة والفكر وخلجات الضمير وهواجس الماضى القريب والبعيد .

ولكم شدتنى بعض الصور شدا ، حتى احسست كأني كاتبها لا قارؤها ،  و كأني مبدعها لا مستهلكها كقولك فى ص 13 : " وأسرع للارتواء من ليونة الليل قبل ان تبددها الحرارة ... "

أو قولك فى العصا ص 24 : " اذ لها ثلاثة فروع صغيرة فى أسفلها تزيد عن المآرب المذكورة فى القرآن ، فهي صالحة لاقتطاف التين الهندى ... "

أو وصفك " للحنايا " الواقفة الصامدة بالانسان الذي  " ... كلما اشتدت به الدنيا واذاقته مرارة العيش وسقته من المذلة والمهانة ألوانا وصبر على ذلك ... وقدر على الصمود الا وانتشلته فى آخر الامر وبدلت عسره يسرا ... ( ص 35 ) "

أو قولك ( ص 49 ) عن النوم : " الذى تدفعه فيهجم عليك وتضربه بسياط اليقظة فيتنمر ويكتسحك لتغرق فى الاحلام أو النوم الثقيل ... "

ولا أخفيك حضرة الاخ الاعز انني ما زلت أواصل المطالعة ، فكأني أصبحت إلفا لهؤلاء الناس الذين صورتهم بصدق بليغ ودقة متناهية ، حتى كدت أسمعهم يتهامسون أو يتناجون وقد فتحت لى ما انغلق من أبواب اسرارهم وأحاسيسهم وعواطفهم ... بتلك اللغة العربية التى أردتها مشكولة لا تقف عند تعبير شعبى ولا تستنكف من عبارة متداولة ، ولا تخشى الاستطراد للتأمل فى تركيبة المجتمع تأملا سياسيا أو حضاريا لا يبعد بك عن الادب بل يكشف طبيعة رجل السياسة فيك مهما حاولت - محقا - توريتها فى فصول " عائشة " ومن ذلك حديثك المستطرد فى ص 39 : " عالمان اثنان التقيا فى هذين الشخصين : عالم البلدية وعالم ساكني الارياف هما ركيزتان لتونس الخالدة امتزجا منذ الدهور ... "

ومن هنا تتجلى من خلال الاسطر والمعاني ما يسميه الاعاجم ( Toile de fcand) لكامل الرواية وأقصد ما سميته أنت " تونس الخالدة  " فاذا بقارئك يلج باب حضارة من خلال رواية ، واذا به أيضا ينعرج للتأمل فى تراث من خلال أحداث ، وتمده أنت بمفاتيح " تونس الخالدة " وهو يظن أنك تمنحه مفاتيح كتاب صغير ذي 190 صفحة .

أخي الأكرم الأجل البشير بن سلامه ،

لعلني لا أبالغ اذا أكدت دون احتراز ان معنى آخر من معاني " عائشة " هو الايمان بالقيم المثلى ، تلك القيم التى تجعل المرء إنسانا ، وتنمى جانب التقوى فى النفس التى سواها الله على حساب جانب الفجور . تلك القيم التى لخصتها فأحسنت تلخيصها عند نطقك بلسان الازهر لــ " عائشة " ص 168 حين قال :

" نعم أنا فلاح بسيط ولكنني قرأت وتأملت هذا الكون وهذه الطبيعة وعرفت منها ان لها نواميس عليها تقوم وتبقى الى الابد وكذلك حياتنا نحن البشر يجب ان تخضع لنواميس إن حدنا عنها فللضياع والتهافت ... "

أما الهاجس الاخير الذي استولى على - كقارىء - ل " عائشة " هو إطارها الكونى أو ما اصطلح على تسميته النقاد الهيكليون بــ ( cadre cosmique ) وهو الذي يعرج ( من المعراج ) بالعمل الادبى الى منزلة العمل الصوفى ، وذلك بين غاية البيان في كل فصول " عائشة " حيث تنتهى الرواية على تلك النغمة الصوفية وضمن ذلك الاطار الكوني بقولك ص  171 :

" كالرؤيا تماما حلما يعيشه الانسان وكأنه فترة من العمر طويلة وهو فى واقع آليقظة لحظة عابرة من نومة خاطفة ... "

وبعد أيها الأخ الأكبر ، أرجو أن اكون وفقت بعض التوفيق في تلقي ما أردت تبليغه من رسالة هذا العمل المبدع ، وأنا مدين لك بالشكر والعرفان لأننى خرجت من صمتي الادبي وحاولت أن أكتب لا أقول : بل بعض ما . أوحاه عملك الرائع من خواطر فى زمن شح بالادب و " شاح " من النقد ، لا تسمع فيه إلا أصواتا وأصداء باهتة .

وتقبل حضرة الأخ خالص المودة .

اشترك في نشرتنا البريدية