طبعا ، والحق يقال انه ما كل كاتب بكاتب ، وهذا ما لا نزاع فيه بحيث ان القلم الذى يجرى على القرطاس ما هو الا اثارة فكر المؤلف الذي برووى الينا ما اثبتته الحياة الاجتماعية فى خصوص أسرة ريفية ، وهى رامية بنفسها من نفسها فى صعوبات الاحداث اليومية ، التى كان لها ان تتجنبها لو مكثت فى واحتها الخلابة أو أراضيها الخصبة .
والقلم هذا الناطق عن لسان المؤلف ، الاستاذ البشر بن سلامة ، وكانه يردد الايه الكريمة: " هذه بضاعتهم ردت اليهم " حيث فى نعبر صفحاته المائة والتسعين نجد قدرة صاحب البضاعة على تمرين القارئ المتعطش إلى اسلوب صحيح بذل فى تحقيقه وخدمته جهد المقل .
رواية " عائشة " بما فيها من أبوابها الاربعة ودور كل من الاشخاص فيها من عانشه نفسها الى الناصر بالمرور بعلي وعادل وحتى الفريك مصطفى ما هى سوى خلاصة جهاد الانسان فى الحياة الى فقدانها ، نعم فقدانها التام !
ان ما فى هذا الكتاب من مخاطبة العقول ونجوى القلوب ووضع الاسس لنفسية البشرية فى هيكلها الطبيعى قصد التوازن الحقيقي بين الواقع والخبال فهو معنى الحذر من آفة عبور الدنيا التى أصبحت غير كافية لاهلها حتى
يتركوها عن قصد ، لجهلهم ان الخاتمة ما هى سوى عدم العودة الى تلك الدنيا ، دنياهم .
رواية " عائشة " منبر الاهوال فيه تساءلت المسكينة ، بطل أبوابها الاربعة وكانها تقول : فليت شعرى ماذا موردى ؟ والى ماذا مآلى وأيضا مرجعى ؟ وم الذي سبق به القضاء فى حقى ؟ فكان الجواب ما احتوى عليه " باب الجنان " المختصر فى القول الصادق : " ان الابرار لفى نعيم وان الفجار لفى جحيم " ويا ليت عائشة قد عرضت نفسها على الواقع ! حتى عرفت مستقرها قبل الفوات ، قبل الموت ، وحتى قبرت مع ابنة أختها الملاك ، وحتى استشهد " سالم " فى بلد بعيد وبعيد جدا .
وان صح قول شاعر فى قصيدته :
فما قضى احد منها لبانته وما انتهى الا الى ارب
فان " عائشة " بقلم الاستاذ البشير بن سلامة تحمل فى طيها الروائى منطلق عن مجتمع اراد تلقائيا ترك الجادة - فى أمور - لأعنة الرياح دون هدف ما يسعى اليه أو معرفة ، وان شئت لا قدرة له على التحكم فى مسار ولا على التمشى مع متطلبات الحياة البدنية والعقلية وخصوصا الروحية . فكان الاضطراب يعوزه الاتزان وكانت الموت وكان الفناء .
كتاب " عائشة " المتمم في أسوبه التحريرى العربى الاصيل بألفاظ جاءت بالله التونسية قصد المزيد من البيان والتثبيت والاثبات هو حقا كتاب لكل قارئ برمى من الرواية اعانة الانسان حيثما كان لمعرفة نفسه وأيضا معرفة الآخرين ويدفعه عن طريق أدوار شخصيات الرواية الى آفاق الخير ، آفاق السعادة اليومية ، حيث فى صفحاته - وعددها 190 - دراسة اجتماعية ، واعية ، وافية ، كفيلة للوصول لافهامنا ، كلنا ، ان ضعف الموقف عن المقاومة ، امام توفير الرفاهة والحب المفرط ، منه استسلام النفس الى الاسترخاء وفقدان قوة الكفاح ، وفعلا فعلا !!
" عائشة " هى تلك الرواية وهى أيضا الواقعة وان كان الانتقام قد يشفى غليل الانسان فانه لا يصح وضعا وقد يأتي حتما بنتيجة عكسية . فماتت عائشة وماتت البنت الملاك الطاهر ومات سالم وما بقى فى ختام القول فى
بابه الاخير ، باب الجنان ، سوى ان اجمل ما فى الحياة ما هي الا قنوات المشاعر الفياضه المرتبطة ان لم تكن المقتبسة من قنوات العقل الواعي ، ولكن أين هذا وذاك ؟
وان قال سليمان عليه السلام لما سخر له الكثير من النعماء: " ربي أوزعني ان أشكر نعمتك التي انعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وادخلنى برحمتك في عبادك الصالحين " فان من تمام الشكر للمولى سبحانه الشكر للكاتب ، كاتب " عائشة " بما امكن من تأليف ليكون مضربا للمثل وموضوعا للتربية الاجتماعية ومسرحا فى لغة عربية صحيحة واضحة لا تحريف فيها ولا نقصان ، تذكر دائما للقارئ قول أبى العلاء المعرى :
وهل يأبق الانسان من ملك ربه فيخرج من أرض له وسماء ؟!
