عندما يشعر كل قارئ بأنه مسؤول عن كل شاعر ويحس كل شاعر بأنه مسؤول أمام كل قارئ تكون ولادة الشعر صعبة ويكون المولود شعرا ليس إلا . . . ع . ش .
أطلت علينا سنابل الحرية لأحمد القديدى كباكورة أدبية شعرية تلتمع فيها موهبة فكرية متفتحه جادة الى الانطلاق بخيال خصب وصور موحية وتصوير صادق لانفعالات الذات نحو تطوير المفاهيم الفنية والمعانى الشعرية الخصبة فى صيغ متحررة متناسقة واشكال متكاملة لا تجعلنا مطلقا نحسب أن هذا النوع من الاطار الشعرى هو بلا حرارة أو بلا انسجام ... لا شك وأن أحمد القديدى من الذين عمدوا الى الابداع والابتكار مع المحافظة على الاصالة والتنكر للجمود فى ما يتعلق بفنون الادب وقد ساهمت اشعاره التى بين أيدينا فى جعل التجديد يسمو بالخواطر والصور الى أفق أوسع بمعان أدق وأرفع فى حركه منطلقة لم يظهر عليها تكلف أو تصنع وقد استهوانا بأسلوبه السهل العميق وبراعته فى تصوير الاحداث ثم أنه استطاع أن يستوعب موضوعات الفصائد بكل طواعية وبرهن مرة اخرى على ان أسلوب التحديد هذا يتسع كأقوى وأعمق ما يكون الاتساع لكل ابتكار وخلق وتوليد . . من الاعماق انبثقت اذن اشعار القديم مترجمه عن انطباعات صادقة وخلجات حية وتجارب " صغيرة " مر بها الشاعر وعالجها بصيغ فلسفية لم تعتمد الرمزية الغامضة بل الايحاء الجميل العميق المستمد من البيئة التى نعيشها جميعا والتى مكنت الشاعر من حساسية جسمها الالهام والوحى فى صور نابضة ترجمت عن موضوعات نسعى الى تحقيق وحدة أهدافها واستمرارها واتصالها بالخير والحب والجمال .. .
قصائد هذه المجموعة مارست فى معظمها موضوع الحرية الهادفة التى يدعو اليها بلغة العقل بعدما تأمل العالم حواليه وامعن فى النظر اليه بأحاسيسه ومن هنا كانت ولادة فنه الانسانى الذى لم يتجاوز الواقع والذى لم يعتمد المطلق الغامض فى طرقه لموضوع الانسان والحرية هادفا بذلك الى البحث عن واقع آخر أكثر جمالا وطمأنينة يرتبط مصيره أساسا بمصير الحرية التى بحث لها فى قصائده عن اكثر من سبب تستقر به فى هذا الواقع المر المضطرب . .. والجديد فى شعر القديدي يبدو هو انطلاقة معظم قصائده من فكرة واضحة معينة شأنها فى ذلك كبقية الاعمال الادبية والفنية الاخرى وهذا بدون أن تفقد اشعاره قيمة عملها الشعرى أو أن يطغى عليها الموقف الانسانى الذى خصص له الشاعر ركنا هاما من الديوان فالشعر جاء فى مجموعة القديدى " تفكير بالصورة " كما يقول بلنسل . . .
ويمكن تقسيم اشعار هذا الديوان وقصائده الى اربع مجموعات تلخص أهم ما طرق فيها الشاعر من مواضيع مختلفة :
- قصائد عطف للشعب والفقراء . - قصائد حب للثوار والشهداء . - قصائد حنين للأطفال الأبرياء . - قصائد المرأة والجسد والأشياء . .
يقول أحمد الهرقام فى تقديم " سنابل الحرية " متحدثا عن الشاعر " . . وبمرور الزمن نما فى أعماقه حب كبير لأولئك الذين نبع مصيرهم من حياتهم فأحب وجوههم السمراء المعبرة . . . "
انه " أحب المدينة التى فتحت أمامه دروب المعرفة وكشفت لديه اسرار الناس وخبايا نفوسهم " وأحب كذلك الشعراء لان حبهم هذا هو الزاد والخبر والنضال الذى يصنع للشعب القدر :
حبكم أحمله زاد السفر
يا رفاقى
فهو خبز الجائعين
ونضال الكادحين
وهو فى اشعاركم جم الحنين
حبكم يصنع للشعب القدر . . .
وهذا العطف والحب للفقراء والعمال يترجم عنه فى أكثر من قصيدة وموضع بصورة رقيقة مؤثرة .
ويولى أحمد القديدى فى قصائده اعتناء خاصا بالثوار ويسامرهم فى أمسيات حب كبير لأن الثورة عنده بناء للسلم والوطن والحرية :
وهو مع ذلك تمتد كلماته الى ما وراء المحيط الذى يعيش فيه وتسبح خواطره فى خضم المكان الذى تصلب الايام فيه براكين الحقد واليأس ، ربما يكون هذا المكان قلبه الشاعر ، أو وطنه الحبيب أو أدغال افريقيا وهذه الكلمات التى ينحتها بمشاعر الحب والمجد تنطلق من جديد فى دعوة حارة الى الغد الهادىء :
افريقيا
الأمس نحرقه ونبدأ من جديد
بلا رجوع
وبلا خنوع
من أجل الوطن والشعب والاطفال يثور القلب الحاقد وتنفجر الدموع البائسة لهيبا محرقا من كل فم جائع يبحث عن لقمة وفى حناجر كل من يهتف بالأمن والسلام فى عالم الضياع والقلق .
وفى قصيدة اخرى - لوممبا - يرفع الشاعر الكأس ليشرب الحب على نخب " الثائر " الانسان :
لانه تمرد الانسان ضد خسة الانسان
لان " سبارتاكيس " لا يزال
على صليب الحقد فى الادغال
عيناه نجمتان
وقلبه بركان ...
وفي قصائد المرأة والجسد والأشياء " يغوص الشاعر فى مشاعر الجمال " ويسبح مع المرآة فى موسم الحب الى بلاده لان الحب هناك حقيقة وسلام ولانه لا يباع ولا يشترى مثلما هو فى جنيف مثلا :
الحب هاهنا مزيف منهار
يباع يشترى كأنفه الاشياء
يقام بين الناس يا صديقتى جدار
فيرقصون فى جنون ...
ويهرب الشاعر بمشاعره بعيدا عن " أغانى الخراب والدمار " الى بلاده وصديقته .
ويموت الحب فى قلبه ليحيا ويصحو على حقيقة الالم ويملأ الضلوع حزنا جاء من هناك من البعيد :
طفل على شفتيه ترتسم الوداعه
فى الليل يعصر ثدى أم
عل يمنحه الحليب
لكنما القحط الرهيب
لم يبق خصبا فى النساء ولا ثمارا فى الحقول . . .
غير أن الليل الذى ينفخ ارواحا لعينة فى الانسان يدفع به الى الغناء للجسد وحتى الى الصلاة .
ومن الاشياء التى صنعها الحب الكبير ، الخلود الابدى وثمار القلب الذى أراد أن تخصب ساعة الحصاد عندما يقبل الانسان سنابل الارض ويعبر المكان الى السلام على مطية الزمن الطويل .
ومن أجمل قصائد هذه المجموعة قصيدة خواطر شاعر متعب التى جاءت كجسر يعبر به القديدى رحاب العدم الى الوجود عبر عينى صاحبته التى " تحب الليل مجهولا كعينيها " .
وأهرب من سهاد الليل والصمت
من التفكير فى موتى
وأهرب عبر عينيك
فألقى فيهما قدرى
وابنى فيهما بيتى
وأوقد فيهما قنديل أحلامى بلا زيت
أنا من دون عينيك
غريب قابع فى غابة المقت . . .
بعد هذا العرض لأهم ما احتوى عليه ديوان القديدى لا يسعنا الا ان نبارك هذا المجهود الشاب داعين الى المزيد من التعمق فى محتوياته التى هى بحق تعبر عن ارادة قلب شاعر وسع الدنيا فكره الصغير ففتح لها مشاعره الحالمة فى وحدته .

