الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات, صدر عن الدار التونسية للنشر، اللغة العربية ومشاكل الكتابة

Share

عرض : جعفر ماجد

ظهر هذه الايام كتاب للاستاذ البشير بن سلامة رئيس تحرير مجلة " الفكر " بعنوان " اللغة العربية ومشاكل الكتابة " وقد صدر الكتاب عن الدار التونسية للنشر في 202 صفحة من الحجم المتوسط مشتملا على فصول كان المؤلف نشرها فى محلة الفكر وتناولها بالشرح والتحليل فى كثير من الصحف التونسية وينقسم الكتاب الى ثلاثة ابواب :

الباب الاول : الكتابة العربية بين النظرية والتطبيق ، وفيه خمسة فصول . الباب الثاني : الخلق الادبي واللغة العربية ، وفيه خمسة فصول والباب الثالث : في لغات الشعر العربى ، وفيه خمسة فصول ايضا

وقدم الاستاذ محمد مزالى هذا التأليف بكلمة جمعت بين رقة المشاعر دقة التحليل ، فحدثنا عن علاقته بالبشير بن سلامة وعما بين شخص المؤلف أفكاره من روابط متينة تجعل هذا الكتاب تعبيرا عن موقف نضالى واستمرار لنشاط بدأ منذ أيام الدراسة ، فقال عن التأليف :

" لا أشك في نجاح هذا الكتاب وفيما سيكون له من بعيد الاثر على اجيالنا الصاعدة ، كما لا أشك في ان المعاني التى آمنا بها منذ عشرين سنه مرت أول لقاء لنا والتي لا تزال ولن نزال ان شاء الله نسلك على نهجها ونستهدى اعمالنا بوحى منها هي التي سيكتب لها البقاء لانها هى وحدها الصدى الصادى بأعمق أعماق هذه الامة التى محبتها من الإيمان .

وقال عن المؤلف :

" ان ابرز مقومات شخصيته اصالتها وايمانه بوطنه ومحبته العارمة له وتفانيه فى خدمته والنهوض به " .

عالج الكاتب في القسم الاول الاسباب التى عاقت اللغة العربية عن السير ومن أهمها مشكلة الطباعة والشكل ولعل قراء مجلة " الفكر " يذكرون ان الاستاذ بن سلامة عرض منذ مدة على الرأى العربى طريقة مطبعية جديدة . وإذا كان الحكم على هذه الحلول المعروضة يهم اصحاب الاختصاص ليبينوا

طرافتها ، فهذه الفصول الخمسة تشتمل على ثقافة غزيرة لانها عالجت موضوع الكتابة من حوانبه كلها التاريخية والحضارية والبيداغوجية والثقافية ومما يجدر قوله ان الكاتب لم يكن مؤرخا يكتفى بالملاحظة والتسجيل بل مفكرا له مواقفه الشخصية من شتى الموضوعات التى حيرت كل الناطقين بالضاد : سلطان الذاكرة واثره فى حياة اللغة العربية ، قيمة الكتابة وأثرها فى حياة البشر ، نزول القرآن حدث لغوى ، تأثير الكتابة المنقوصة فى التعليم وفي الانتاج الادبي التونسى ، تاريخ الحلول المطبعية المعروضة فى العالم العربى

ومن سوء الحظ ان المعنيين بأمر الكتابة لم يولوا فيما يظهر هذا الحل التونسي ما يستحقه من عناية . ولا نحب ان نعتقد كما تدفعنا كثير من المعطيات الى ذلك ان هذا الصمت لا يبرره الا الشعور بالنقص والتهاون بكل عمل تونسي والاعراض عنه شكا فى عبقريتنا واحتقارا لمواهبنا ورفضا لكل عطاء بولد تحت سمائنا وايمان البشير بن سلامة بتطوير الكتابة ايمان قوى حاد حتى أنه يقول : " لا يمكن ان نتصور ازدهار فى هذا الميدان اى الميدان الثقافي اذا لم تنتشر القراءة السهلة ولا يتسنى ذلك الا بشكل جميع الحروف ٠٠٠

ذلك ان الكتابة فى رأيه وثيقة الصلة بالخلق الادبى الذى خصص له المؤلف الباب الثاني من كتابه . فازمة الخلق الادبي ازمة لغة أى ازمة فهم ووعى للغتنا من حيث هى تعسر ، والصعوبة التى يعانيها الكاتب العربى تكمن بين الثقافة التى يعتمدها ويعيش فى محيطها وبناء اللغة التى يستعملها ويورد الكاتب أمثلة لذلك خاصة من الشعر الموزون او المبنى على التفعيلة . وحتى لا ننسب اليه ما لم يقصد فاننا نفضل ان نورد رأيه بعباراته . يرى الاستاذ بن سلامة ان حركة الشعر الحر قد اخطأت لانها تعتمد على ما فى بناء ثقافتها من عنصر هام كان هو السبب في تطوير الشعر العربي الا وهو العنصر العامي في الإيقاع الشعرى . والحقيقة اننا لا نفهم وجه هذا التقسيم ، تقسيم الايقاع الشعرى الى عامي وغير عامي . فالكلام كله مبنى على مقاطع سواء أكان عاميا أو غير عامى والابقاع فى الشعر العربي لا يقوم على عدد المقاطع بل على نوعية المجانسة بينها وما يوجد من تفاعل فى غير العامي يمكن ان يكتب عليه العامي وقد كتب الزجل على بحور الخليل والعكس ايضا موجود

وللمؤلف رأى فى الاوزان يتخلص فى قوله :

ان كل وزن من اوزان الشعر العربى لا يمكن ان تستكمل فيه العدة الفنية الا مرة واحدة اذ هو لا يحتمل اكثر من قافية واحدة تقد على قده " .

وهذا يستحيل التسليم به لانه يجعل القافية العربية المبتكرة على عدد بحور

الخليل اى لا تبلغ عدد الاصابع وكل ما عداها محاكاة وتقليد كما ان قول الاستاذ بن سلامة ان التفعيلة ليست وحدة ايقاعه صحيح اما استنتاجاته فلا . ، من سبوء الحظ ان هذا المجال لا يسمح بالدخول فى مناقشات فنية مختصه الا اننا لا نرى ايقاعا للشعر العربى فى غير التفعيلة وكل ما عدا ذلك ليس الا تتابع مقاطع لا يحصل فيها تغيم الا متى كونت تفعيلة او جزءا من تفعيلة ويكفي ان يعود الانسان الى كلام الخطباء ليرى فيه من الايقاعات ما يطربه دون ان يكون شعرا لانه يركب تفعيلات فى غير نسق البحور ولكنها تفعيلات على كل حال . بقى أن الدافع الذى حمل الاستاذ بن سلامة على هذه الاستنتاجات هو الرغبة فى التجديد وهو مطمح شريف .

ومن المحاور التى ركزت عليها هذه الدراسات فى كتاب اللغة العربية مشاكل الكتابة البحث عن مقومات الادب التونسى ماضيا وحاضرا ومستقبلا للاستاذ بن سلامة تعبير مشهور أثار حفيظة كثير من الناس هو " الادب الجاهل التونسي " فالمؤلف يتبنى بحرارة ما انتجه كتاب قرطاج قبل الفتح الاسلامى اى فى ما يسميه الجاهلية التونسية ويدعو الى الانكباب على درسه وادخاله في البرامح المدرسية باعتباره حلقة هامة من تراثنا وقد كتب أبو القاسم الشابي منذ اربعين سنة : " انما الذي يغض منا معشر التونسيين ان نتخذ من هذا الادب اى الادب العربي الذي لم يخلق لنا ولم نخلق له غذاء لارواحنا ورحيقا لقلوبنا لا نترشف غيره " واستنتج الكاتب من هذه القول ان الشابى ثار ثورة واعية على الشعر العربى وانكره انكارا لروحه البعيدة عن روح العصر الغربية عن الروح التونسية وبعد الشعر العربى عن روح العصر هو ما عناه الشابى وعالجه في محاضرته الخيال الشعرى عند العرب مقارنا بينه ، وبين الادب الغربى المعاصر من خلال ما قرأه من ترجمات اما ابتعاد الادب العربى عن الروح التونسية فهذا ما لا نظن ان الشابى عناه او قصد اليه . فقد عبر عن اعجابه بشعر الغرب واساطير اليونان فهل معنى ذلك اذن ان الادب الغربى اقرب الى اذواقنا من الادب العربى الا ان الشابى نفسه لم يكن قادرا فى رأي المؤلف على اتمام ثورته لانه كتب القصائد الموزونة وبقى وفيا للسنة الثقافية العربية محمود المسعدى وهكذا يطرح الاستاذ بن سلامة قضية اخرى على بساط البحث وهي حد جديد للشعر العربى النثر العربى ونتبين من كل ما رأينا ان كتاب اللغة العربية ومشاكل الكتابة يدعوك الى التفكير المضني ولا يتركك مرتاحا واذا لم نتفق مع الاستاذ بن سلامة : كب آرائه فلا ننكر سعبه الحاد في التجديد وايمانه القوى بقضيته وهذا فضل كبير

اشترك في نشرتنا البريدية