الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات, صدر عن الدار التونسية للنشر، كتاب : القصة والرواية في تونس

Share

عرض : جعفر ماجد

اصدرت الدار التونسية للنشر دراسة بالفرنسية للبحاثة التونسي الدكتور محمد فريد غازى حول القصة والرواية فى تونس وقد اخترنا ا ان نقدم هذه الدراسة لان موضوعها هو الانتاج القصصى التونسى فى اللغة العربية ، ومعلوم ان المرحوم محمد فريد غازى خلف آثارا جاهزة تنتظر النشر قد طال عليها العهد ، فكان ظهور هذه النشرية بشرى للذين يحز فى نفوسهم ان تضيع جهود العاملين ، يشتمل الكتيب على 123 صفحة من الحجم المتوسط ، تنقسم الى ثلاثة ابواب : 1) الذهنيات التقليدية ، 2) الوضع الاستعمارى وظهور الرمز ، 3) القدر الانسانى فى القصة والرواية ، وفاجأ المرحوم غازى قراءه بهذا الاعتراف :"مضى على زمن طويل لم أكن أظن فيه ان القصة التونسية توجد فى غير أدب المسعدى والدوعاجي حتى أثبت لدى البحث فى الصحف والدوريات التى ظهرت قبل سنة 1938 ان هذا اللون الادبى موجود عندنا واحيانا بكثرة ظهرت المقامة فى شكلها الطريف مع محمود بيرم صاحب المقام المعجونية والمقامة العتروسية والمقامة الزفتية ، الا ان الادب الخيالي لم يبرز للوجود قبل الحماية الفرنسية باستثناء بعض القطع المنشورة بالرائد التونسى" ، ويمكن القول ان الرواية التونسية ولدت مع مجلة العالم الادبى لزين العابدين السنوسى التى يجعلها غازى فى عداد المجلات الرومنطيقية ، نشر السنوسي سنة 1930 قصة عنوانها ( الحبيبة ) بامضاء المحدث ، اثار فيها قضية الزواج على الطريقة القديمة فكانت تصويرا حقيقيا للأوضاع الاجتماعية وتناول فى أقصوصات اخرى موضوعات هامة مثل علاقة المرأة المسلمة بالاوربيين وعلاقة

الشبان التونسيين بالباريسيات الحسان واشار الدكتور غازى انه وجد الى جانب زين العابدين السنوسي قصاصا آخر ما زال مغمورا هو التيجابى بن سالم صاحب أقصوصة ( هل كان مجنونا ) وموضوعها علاقه غرامية بين تونسى وجارة ايطالية ، ويقول غازى ان التيجانى بن سالم كان مترجما بارعا نقل الى العربية كثيرا من الأقصوصات الاجنبية .

اما محمد عبد الخالق وهو الاسم المستعار لمحمد البشروش فقد ظهرت مواهبه القصصية فى " زوجة أحمد شرودة " و "على العياري" و "من تكون هذه الساحرة " و " البريئة " وغيرها من الاقصوصات ، وعرف فى هذا العهد قصاص آخر هو مصطفى خريف الذى نشرت له مجلة " العالم الادبى" : "دموع القمر" و "الحاج على " ويصل بنا الدكتور محمد فريد غازى الى جماعة "تحت السور" فيحدثنا عن ( البانكة العريانة ) ومجالس الكبادى ومطبعه العرب وعن الادب الغزير الذى ظهر فى ما بين 1933 و 1939 ، لاشك أن المعهد الصادقي سيعطي للادب التونسى خيرة قصاصية الا ان اسماء مثل الدوعاجي ومحمد العريبي وتوفيق بوغدير والهادى العبيدى طبعت عهد الثلاثينيات - في القسم الثاني من هذه الدراسة ، اهتم محمد فريد غازى بظهور الأدب الرمزي الذي كان يمثله محمود المسعدى ويرجع الكتاب جنوح صاحب السد للرمز الى ثقافته المتينة المتنوعة ، لقد كتب المسعدى للرد على طه حسين عندما عده متأثرا بكامو فقال : انه كان يقرأ أشهر المؤلفات وربما تأثر بنفس المصادر التى طبعت أدب كامو ، ورأى غازى فى " السد " اول محاولة عربية للتوفيق بين لغة عربية كلاسيكية وموضوع جديد ، اما ( مولد النسيان ) فابطاله يعيدون باسمائهم الى الذاكرة ازهى ايام العرب فى جاهليتهم ويقارن الباحث هذا الادب بما يشبهه فى الادب الغربى كأدب بودلير وفاليرى وقوته وكتب المسعدى لونا ثالثا سماه ( احاديث ) منها حديث الكلب وحديث العدد وحديث القيامة وفي ( السندباد والطهارة ) نراه يتناول موضوعا اخر هو موضوع البحر والتاجر الذي حنكته التجارب وعرف من عجايب العالم ما يجعله يجسم شخصية سندباد ألف ليلة وليلة ، ( والسنددباد والطهارة ) تعكس تأثر الكاتب باخبار الف ليلة وليلة اى بالثقافة العربية الاسلامية وخلاصة القول في اغراض المسعدى انه كاتب لا يندرج فى دائرة الادباء الملتزمين ، الا ان دوره لم يكن سلبيا رغم وقوعه تحت ضغط ثقافته وجاذبية الماضي ، اما طرافته فتكمن بالخصوص فى لغته لغة فصحى تذكرنا بازهى عهود العربية مع تأثيرات من الغرب عن طريق كتاب أمثال مالارميه وفاليرى وقصاص ثان من اشهر قصاصينا هو " على الدعاجى " المتوفى سنة 1949 كان ادبه

تصويرا دقيقا لتونس فيما بين الحربين ، يمتاز الدعاجى بمرحه الذي يميزه عن كاتب مثل المازني ولا أدل على ذلك من جولته حول حانات البحر المتوسط والفرق بينه وبين المسعدى ان الدوعاجي كاتب خالط الشعب بباب سويقة والحلفاوين وهذا لا يعنى انه لم يتأثر بالادب الغربى فكثيرا ما نجد عنده اثار همنغورى ولندن ويرى غازى ان الدعاجى أثار فى ( سهرت منه الليالي ) قضية المرأة في المجتمع العربي بصورة مبكرة فصور الحياة التونسية الحضرية باسلوب بارع لا مجال فيه للاستطرادات التى عرف بها كتاب عصره ويمتاز الدعاجى بانه لا يضمر ايديولوجية معينة ، بل كان يصدر عن صدق مما ينبغى ان يؤهله ليكون فى عداد كبار القصاصين العرب ، وكتاب الاقصوصة من جيل المسعدى والدوعاجي كثيرون ، ذكر منهم غازى فى هذه الدراسة محمد العريبى الذي كان يجسم قلق الجيل ، وعبد الرزاق كرباكه الذي كان عنوان الرقة الحضرية ، نشرت له مجلة " الثريا " ( عبرة فى قصة ) ، وهي عبارة عن نقد لاذع للمجتمع البورجوازى الذى كان ينتسب اليه ، وتصور أقصوصات توفيق بوغدير الحياة اليومية وللاخوين باكير ، عبد الوهاب ومحمد نماذج من الحياة التونسة القديمة ، كما جاء ذلك في ( الحلاق ) و ( يأكل الدنيا ويتسحر بالآخرة ) و ( المائدة ) وفي هذا العهد ، ما زال محمد المرزوقى يبحث عن طريقة رغم انتاجه الغزير ، ويرى غازى ان المسعدى والدوعاجى ينتسبان الى جيل هرم لم تعد له صلة بالحياة الجديدة من اعلام الجيل الجديد البشير خريف صاحب (افلاس أو حبك دربانى ) وقد تنبأ الباحث منذ ذلك العهد للبشير خريف بزعامة الاتجاه المعاصر في كتابة القصة بتونس ولم يكن البشير خريف حديث العهد بالانتاج القصصي ، فقد كتب منذ سنة 1937 في ( الدستور ) ليلة الوطنية ، ثم سكت عشر سنوات وكتب ( افلاس أو حبك دربانى ) ، وهي قصة شاب زيتوني ذي ثقافة تقليدية تفتح قلبه للحب ولــــ ( برق الليل ) مكانة خاصة في ادب البشير خريف ، ويمر محمد فريد غازى الى رشاد الحمزاوى والطاهر فيفة والطيب التريكى ومحمد فرج الشاذلى وصالح القرمادى الذين يمثلون الاتجاه الثورى فى القصة ، وظهر الطاهر فيفة فى مجلة ( المباحث ) بفصول أدبية ثم فى ( الندوة ) وخاصة " الفكر " بأقصوصات ذات طابع شعبى ملتزم ، ( مناجاة أبي جراب وموسى ) و ( بطن يتحدث ) وتحت شعاع الشمس وصوت الارض ووصية ، كلها تكون عالما شعبيا يزخر بالعمال ويتناقض تماما مع عالم الحضر ويقدم نظرة خاصة الى المجتمع التونسي المتطور ومع الطيب التريكي في ( سالم الحوات ) و ( سعيد الحمال ) نحيا حياة قروية صفاقسية ، ونشر التريكي " بالندوة " و " بالفكر " فلم ير فيه القراء كاتبا ملتزما مثل الطاهر فيفة ، بل فنانا يؤمن بنظرية الفن للفن ، اما أقصوصات

محمد فرج الشاذلي من لون آخر ، ( مصرع صالح ) تلتزم بالقضية الوطنية في تصور ثائرا تونسيا لقى مصرعه اثناء ادائه لواجبه المقدس و (حامل الحقائب ) لوحة عن قرية ساحلية ايام الكفاح و ( وحي العوده ) تصوير لثور شاب من الساحل يرمز حمله للكدرون الى تشبثه بطبقة اجتماعية خاصة تعيش خارح المدينة وهكذا نرى عند محمد فرج الشاذلى عالمين مختلفين ، عالم التقليد وعالم التجديد والثورة المتفائلة وفي ( طبيبان ) ، صور طريقتين الطب التقليدي والطب الحديث و ( دكتور القرية ) نقد لاذع للطبيب الذى فى سيارته الفخمة غير شاعر بآلام منتظريه المساكين و ( مواكب الايام) اثر اوحت به الثورة الجزائرية فى هذا اللون الادبى يدرج محمد فريد غازى (طرننو) لمحمد رشاد الحمزاوى ، ولما ظهرت سنة 1960 مجلة " التجديد " برزت نخبة من الشبان لها طريقة فى الكتابة تميزها عن الجيل السابق الاقصوصة الاولى التى ظهرت في العدد الاول هى ( الشيات اى ماسح الاحذية) لصالح القرمادى ، فالشيات رمز للطبقة الفقيرة و ( سعيد او بذرة الجلفاوين ) صورة عن الحياة التقليدية وفي ( ميثاق السفينة ) للمنجى الشملى نقد للمثقف التونسي الذي لم ينسجم مع مجتمعه ويخصص ومحمد فريد غازى الجزء الثالث من دراسته لما سماه القدر الانسانى فى الاقصوصة وفي القصة التونسية ، فالالوان التى وقع تحليلها فى القسمين الاولين لها علاقة بوضع البلاد ، اما اللون الانساني فيتناول اغراضا لا علاقة لها بالمجتمع ، بل هى نقد للمثقف التونسي الذي لم ينسجم مع مجتمعه ويخصص محمد فريد غازي (رشيد الغالي ) صاحب " لن أسائلك " و " من أمسى " و " اليها " و " قالت لى " و "الغبى" وكلها منشورة بــ " الفكر " وحسن نصر صاحب " الطفله والعجوز " و " الطفل والسمكة " و " أابتسم غدا ؟ " و " دموع غالية " و"الثور الذي خلفه أبي " واكتشف الباحث فى حسن نصر قصاصا ذا رقه شعرية وداعية من دعاة التجديد .

وتحدث الدكتور غازي عن نوع قصصى آخر ظهر سنه 1945 يمتار بتصوير الوسطر البرجوازى بالرغم من ان كاتبيه يعدون احيانا مع الاصناف المذكورة ، فى التحليل السابق من عناوين اللون البرجوازى " فنجان قهوة " و " مشكله حسابية " ( لتوفيق بوغدير ) .

ويستمر الباحث في استخراج بعض المضامين الاخرى ويرتب بمقتضاها اصنافا اخرى من القصص وتنتهي دراسته بغير خاتمة مما قد يدل على انها غير تامة .

ولا شك ان الذين انتظروا ظهور هذه الدراسة قد ابتهجوا بها لانها مساهمه هامة فى التعريف بالانتاج القصصى التونسى ، فليت الدار التونسيه للنشر تسعى الى اصدار كل ما خلفه الدكتور فريد غازى من الاعمال العلمية والادبية .

اشترك في نشرتنا البريدية