يقول « لويس أرغون » : . . . « حب فى « مجنون إيلزا » حقيقة مرتبطة بضرورات انسانية ، بالعدالة ، بالسلام . . . هو بحث معرفى فى أصالة العلاقات بين الذات والآخرين . . . » وهذا القول ينطبق الى حد ما على المجموعة الابداعية للكاتبة « نعمة الصيد » « رعشة حلم » ( * ) . وإن قراءة هذه المجموعة تكشف أن صاحبتها تخاطب الانسانية ، وما ذلك العشق المضطرم الا عاطفة سامية مرتبطة بالانعتاق بالتفاهم والانتماء ، عاطفة نقية تنتزع الانسان من فخ لاغتراب القاسى وتنازله بالحب والتواصل :
« قال : أنا خائف . . . الاحباط يحاصرنا . . . الخوف
شوك سريرنا . . .
طوفانه زلزال . . .
خبئيني في صدرك . . . خبئينى أغنية خضراء ترفل بالامانى . . .
حلما أبيض براقا . . .
ضمته . . . ضمته كعذوبة الحلم . . . كلطف الغيث . . .
قالت : لا تخف يا طفلى . . . ابق على صدرى حلما لؤلؤي الوهج . . يصحو وينمو فى مدى فكري . . . فلنقطع قضبان سجن الخوف . . . نحطم أغلاله . . . » ( ص 13 )
فالمجموعة عالم يتأجج عشقا يرمى أساسا الى خلق اتحاد اتحاد انسانى مطلق يترجمه حب صوفى وألفة بين رجل وامرأة الى حد الامتزاج والذوبان :
« الحب ليس عارا . . .
العار أن تكذبى . . .
ذوبى فى عشقك . . .
احترقى . . . » ( ص 32 )
ميل الى الآخر اذ هو عالم هذه المجموعة ، التحام مطلق ، رحلة حب طويلة عبر الحلم - والحلم يستطيع ان يلقى على اليقظة اضواء تمنحها مزيدا من ال الانسانى - وهو ايضا محاولة الانطلاق وتحطيم الاباطيل ، هو جموح ورفض ايجابى مرتبط بالامل والخلاص الى عالم مشرق . ونعيمة الصيد كاتبة ، مبدعة وفنانة ترسم « الرحلة » انطلاقا من الذات ووصولا إلى حضن الآخر ، وبلغة متميزة تتدفق شفافية تؤكد أنها رغم - « تحدى شيوخ القبيلة » - لا تعلن حربا وانما هو تحد يحقق التكامل ويخلق عالما أفضل ، عالما لذيذا يتوهج بالتوحد الانسانى . فلوحات نعيمة الصيد بصورها المدهشة النابضة بالتوتر والحياة تكشف لنا عن شعور كثيف بالحياة والانتماء فالرجل والمرأة ينطلقان « كطفلين » مبهورين بالحب يخصبان العالم ويدقان بعصاهما السحرية الحب - الاعاجيب . . إنها العودة الى الجنة المفقودة - الحرية :
« نلتقى يا حبيبى . . . كطفلين . . .
ننشر الحب . . . نوزع الفرح فى هذا العالم . . .
نبدد شقاءه . . .
يتمرغ شعري على صدرك . . .
يتنشق نسائم حنانك . . .
تلتهم خصلاته لحظات الحرية . . .
بعد طول قيد . . .
وأحبك . . . » ( ص 18 )
إنه الالتحام المطلق رمز الانتماء الحقيقى رغم النفاق « المقدس » بين الفرد والفرد ، رغم القيم العفنة ، إنه الانتماء الى هذا العالم تحتويه أحلام هذه الاديبة المبدعة وتنشده فتجسده كلماتها :
" أتطاوس فى الدروب الموحشة . . .
أفرش ذيول العشق المطررزة . . . الزاهية
فراش أمان
للأجساد النحيلة الراعشة . . .
يروي العيون الحائرة . . .
وأقف بكبرياء . . .
أقف . . .
بتحد رغم غضبهم . . .
لا أبدي خطوة الرجع . . .
تسكنني شهوة الانتصار على الوجع . . . » ( ص 33 )
وينبث الكائن الانسانى فى الانثى حين تكتشف زخم الحياة فتنشد الانعتاق وتنطلق عبر الدروب المغروسة جمرا ملتهبا ، بكل عنف محطمة كل الحواجز :
" غادرت شطآن الزمن . . .
شطآن عمري . . .
أبحرت لعصر غير عصري . . .
. . . . . . . . . . . . . . .
رغم أظافر الشراسة فى عنقى . . .
رغم أيديهم الغليظة . . .
رغم سكاكينهم . . . وخناجر الحقد المزروعة . . .
فى أضلعى . . .
رغم انهم حاولوا تقييدى . . .
حاولوا غزوي . . . » ( ص 31 )
والمرأة فى رحلة حب دائمة مع الرجل « تغتسل من أتعاب السنين السود » فكل لقاء هو زلزال يصدع الاغتراب الموحش المروع ، يخصب :
« جئت من أقاصى القارة الاخرى . . .
جئت . . .
فأعدت تشكيل عناصر حياتى . . .
صارت أغنى . . .
صارت أخصب . . . » ( ص 28 )
وتتصدع الوحدة يسحقها كل لقاء بعد طول انتظار فالحب هو سيد الموقف :
« سوى حبك المعتق . . .
يمزق حزنى . . . أنتى الخرساء . . .
تخترق صمتي وتنطق . . . » ( ص 45 )
وتسمو علاقة المرأة بالرجل الى أعلى مراتب العواطف فيصبح « طفلها المدلل » وتنتشي فيصبح الحبيب « النبيذ المعتق ، القمر ، العمر والمالك . . . »
وينكشف واقع المرأة المطحون بين حجرى الرحى ، فهى تنشد وتتوق الى عالم رائع نبيل لا يعرف الزيف والانحطاط والوجه المقنع القبيح ، عالم سلطانه الحب ، حيث تركض و « تسابق نهر التوتر فى دمها » متحدية الكل باسم العواطف وبصوت جميع النساء الذي يخرج من « خلف ثقوب الجدار » تصرخ وتعلن :
أنا امرأة ما انحنت للرياح والعواصف طواحين هوائى . . .
رغم تعب قلبى . . .
رغم بحة صوتى . . .
رغم جرحي المصلوب على مقصلة الحب . . . ذنبى . . .
فأجفانى لن تكل النوم على قارعة العشق . . . » ( ص 16 )
وهي امرأة صامدة متسلحة بعزيمة من فولاذ ، تتخطى حدود الزمن ، تزيل كل أسى تحوله الى حياة خصبة كثيفة :
أنا امرأة ضربت بصمودى جمجمة الصخر . . .
وركضت . . .
ركضت امتداد السنين . . .
امتداد دمى . . .
امتداد عمرى . . .
وانتهيت اخضرارا لفرحى . . .
ازدهارا لوجودى . . . » ( ص 17 )
وأجدني أنهى هذه الوقفة القصيرة فى عالم « نعيمة الصيد » بقول « بولدلار » لعله ينطبق أيضا ء مجموعة « رعشة حلم » وهو « إن وظيفة الشعر هو استخراج المدهش الذي يغمرنا . . . والمدهش - أولا - فى رعشة حلم هو تلك الغنائية الداخلية الطافحة المتدفقة نحو الآخر ، غنائية أرادت نعيمة الصيد أن تكون توقيع حضورها فى هذا العالم . والمدهش - ثانيا - هو ذلك الجو الاسطورى والشاعرى الذى تسحبه على المجموعة مهارتها فى استحضار عناصر الطبيعة والنبات والجماد ، فكلمات مثل « غيث ، لؤلؤ ، نبع ، ريح ، اعصار ، بحار ، برق ، رعد ، فجر ، سنابل ، زهر ، صخر ، نيران ، انسام ، زنابق ، خمائل . . . » تتردد كثيرا فى هذه المجموعة الابداعية .
والمدهش - ثالثا - هو « ذلك الحب ، تلك الرنة ، رنة السكر وغنة السعادة وغمغمة النفس الساهية فى غيبوبة الحلم » ( 1 ) ذلك الحب الذي تحدث عنه « أبو القاسم الشابى » ونشده ، ذلك « المعنى العميق العريق فى النفس الانسانية الذى يهز المشاعر ويؤجج نيران الحياة » ( 2 ) .
ومن يلج عالم نعيمة الصيد لا يستطيع الا أن يستقر فيه وكله آذان لذلك الحوار الغني مع الذات ، مع الآخر ، متأملا ذلك العقد الهام ، عقد الانتماء .

