قرأت اخيرا كتاب ( جنى زهرة الآس فى بناء مدينة فاس ) لعلى الجزنائى من اهل القرن الثامن الهجرى ، ولم يمض غير قليل حتى اهدانى صديقى الدكتور نقولا زيادة استاذ التاريخ والادب بالجامعة الامريكية فى بيروت كتابا جديدا ترجمه تحت عنوان : " فاس فى عصر بنى مرين " .
تذكرت وانا افتح غلاف الكتاب واتطلع الى عنوانه الكتب التى صدرت عن المدن المغربية : تاريخ تطوان للاستاذ داود ، تاريخ مكناس للمرحوم عبد الرحمن بن زيدان ، تاريخ مراكش للمرحوم العباس التعارجى . تاريخ اسفى للمرحوم محمد الكتانونى الخ . . وتساءلت : لماذا لم ينهض عالم او مؤرخ لكتابة تاريخ فاس على غرار ما فعل الاساتذة الاجلاء الذين اضطلعوا بكتابة تاريخ امهات المدن المغربية ؟ وبقطع النظر عن رأى فى اسلوب الكتابة عن المدن وعن الاسلوب الذى نهجه القدماء وتبعهم المحدثون من جمع كل ما تتصل بالمدينة من قريب او بعيد دون المحافظة على منهج خاص فى الدراسة والبحث ولا على موضوع خاص من الموضوعات التى تتصل بالمدينة
بقطع النظر عن كل ذلك ، فالواقع ان فاسا حظيت فى القديم والحديث بكتب ارخت لكثير من جوانب حضارتها . ويكفى ان نذكر القرطاس لابن آبى زرع ولو ان حديثه عن فاس كان عرضا ، وتاريخ فاس لابى القاسم بن جنون والمقباس فى اخبار المغرب وفاس لعبد الملك الوارق ، والمقتبس فى اخبار المغرب وفاس والاندلس ، وجنى زهرة الآس فى بناء مدينة فاس
وقد اهتم كثير من المحدثين بالكتابة عن فاس او عن بعض نواحى الحضارة بفاس . ومنهم الاستاذ عبد الهادى التازى الذى كتب عن حفلات الاعراس وتقاليدها . وكتب كثير من الاجانب وخاصة الفرنسيين الذين عاشوا فى المدينة العتيقة كتبا عن جوانب خاصة من عاصمة المغرب القديمة حتى كتب
احدهم عن فاس من خلال مطبخها . واستلهم كثير من القصاصين مدينة فاس فكتبوا عنها قصصا او وصفا واقعيا كما فعل الاخوان طارو
والكتاب الذى بين ايدينا اليوم " فاس فى عصر بنى مرين " نموذج من الكتب التى صدرت عن فاس . وقد كتبه الاستاذ روجيه لوتورنو استاذ الحضور الاسلامية فى جامعة " اكس - ان - بروفانص " بفرنسا . وهو استاذ قديم من اساتذة مدرسة مولاى ادريس الثانوية بفاس ، عاش فى المدينة استاذا ومديرا للمعهد وكان متصلا بسكانها اتصالا وثيقا . وكان كسائر الفرنسيين الذين عاشوا فى الثلاثينات والاربعينات ذا افكار استعمارية رجعية انعكست على كتابين اخرين كتبهما عن " فاس قبل الحماية " و " فاس فى حياتها اليومية " وعاش لوتورنو كذلك فى تونس يتحمل مسؤولية ضخمة فيها هى مسؤولية ادارة التعليم . والادارة فى عهد الاحتلال تعنى الوزارة
وقد نشرت الكتاب بالعربية فى بيروت مكتبة لبنان باشراف ومساهمة مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر ونشر الكتاب فى " سلسلة مراكز الحضارة " وهى سلسلة تعنى بالمدن التاريخية التى عاشت فيها الحضارة قرونا ، وصدر منها قبل الكتاب الذي نتحدث عنه اربعة كتب عن امهات المدن الحضارية منها : " دمشق فى عصر المماليك " ، " اثينا فى عهد بركلين و " شيراز مدينة الاولياء والشعراء " و " طيبة فى عهد انحوتب الثالث " وكلها كتب مترجمة ، غير ان كتاب دمشق كتبه بالانجليزية وترجمه مؤلف عربى هو صديقنا الدكتور نقولا زيادة
والدكتور زيادة هو الذى ترجم كتاب فاس فى عهد بنى مرين وهو ليس غريبا عن الدراسات المتصلة بالمغرب ، فقد زار المغرب العربى عدة مرات وكتب كتابا عن تاريخ تونس الحديث ، وتناولت كتبه العديدة شخصيات ومدنا مغربية فكتب عن مدينة مولاى ادريس " زرهون " وعن فاس ومراكش وتطوان ومكناس والمدن المهمة فى المغرب العربى كتونس والقيروان وطرابلس والجزائر وتلمسان . وكتب عن الرحالين المغاربة مثل ابن جبير وابن بطوطة والعبدرى وكتب عن شخصيات ادبية مغربية مثل اليوسى . فهو اذن من اكثر المؤرخين المحدثين اطلاعا على المغرب ودراية باهله ، وان كان لا ينصفه احيانا فيما يكتب من مقالات عارضة فى الصحف اللبنانية على اثر كل رحلة يقوم بها للمغرب
فترة ازدهار
ونعود الى الكتاب فنجد ان مؤلفه اختار فترة ازدهرت فيها الحياة الحضارية بالمغرب وخاصة فى العاصمة المغربية فاس . وهى فترة امتازت بافول نجم الاشعاع الحضارى فى مختلف انحاء العالم الاسلامى الغربى حيث انحسب الاسلام عن الاندلس ، وان كان ما يزال يئن تحت سياط الصليبيين المهاجمين
فى غرناطة ، وانحسر دور العاصمة عن مراكش ، ولم تعد لتلمسان مكانتها ولا لتونس . وكانت دمشق وبغداد تئنان تحت وطأة الغزو التترى الذى سلط عليهما قبل ذلك . ولم تعد فى العالم الاسلامى الا عاصمتان مزدهرتان القاهرة عاصمة المماليك وفاس عاصمة بنى مرين
هذه الفترة هى منتصف القرن الثامن الهجرى الذى تجمع لفاس فيه ما لم يتجمع لها من قبل من اسباب الازدهار الحضارى . وليس غريبا ذلك وقد تخلى النشاط عن مناطق مختلفة ليتركز كثير منه فى فاس بما تتوفر عليه من مركز استراتيجى وتجارى وحضارى وعلمى ، وما تجمع فيها من عناصر بشرية ساهمت فى اضفاء الوجه المشرق على المدينة التى احتضنتها وبثت فيها روح النضال الفعال
والمؤلف كباحث متمكن يعود بالمدينة الى بداية عهدها بالحياة او قبل ذلك فيصور موقعها وطبيعتها والممكنات حولها التى ساهمت فى امدادها بالماء ومواد البناء والاخشاب والنقل ويتحدث عن بداية بنائها او بناء المدن الثلاث التى تكونت منها " العدوتان وفاس الجديد " حديثا دقيقا مصطبغا بالطابع العلمى ، كما يتحدث عن اصل سكانها الذين انصهروا من عناصر مختلفة فى عنصر واحد هو عنصر السكان الذين اعطوها طابعها الحضارى والثقافى والصناعى
وقد لعبت فاس دورها الكبير فى العهود الاسلامية الاولى من حياتها فكانت عاصمة الادارسة ، وقامت بدورها كمركز عسكرى وتجارى فى عهدى المرابطين والموحدين ، وتهيأت فى عهدهما لتتبوا مركزها كعاصمة مهمه لما دعاها الداعى لذلك فى ايام بنى مرين
أهل فاس :
فى هذا الاطار الذى اعطى لمدينة فاس يتحدث المؤلف عن مختلف المظاهر لحضارية الصناعية والتجارية والفكرية التى تمتعت بها فاس واشعتها على المغرب باجمعه ، ويمتاز الكتاب فى وصف هذه المظاهر بالدقة والشمول والتتبع للجزيئات . فهو كتاب مجموعة من المظاهر الدقيقة لا مجموعة من الافكار عن حضارة فاس او الحضارة المغربية آنذاك . ولذلك نجده مثلا حينما يتحدث عن الطبقات الشعبية التى كانت تسكن فاسا عن عهد المرينيين لا يكتفى بالحديث الاجمالى عن هذه الطبقات ولكنه يعمد الى تحليلها ليتحدث عما تعينه عبارة " أهل فاس " التى ما تزال مستعملة حتى الآن . وهى الصفة التى تصهر سكان المدينة ولو كانوا فى اصلهم كما هو الغالب قادمين من أنحاء المغرب ولو كانوا مختلفين فى المركز المالى أو الثقافى أو فى العمل الذى يمارسونه . وحينما يتحدث عن الادارة يحلل وظيفة الوالى والقاضى والمحتسب واتصال كل منهم بالدولة والشعب وتصرف كل منهم ازاء وظيفته والمواطنين الذين يستظلون بظل ولايتهم . ونجد حديثا مستفيضا عن القاضى ( ص 63 ) من حيث شخصيته ودوره فى حياة المدينة والمرافق التى يشرف
عليها . ويشير بالاخص الى السلطة الادبية التى كان يتمتع بها الى جانب السلطة القضائية . وبسلطته الادبية يستطيع ان ينشر الوفاق فى المدينة وكانت له صفة الاشراف على مالية المدينة كما كانت له صفة الاشراف الحياة الفكرية والعلمية . ومن المهم ان ننقل من الكتاب هذه الشهادة التى تشرف تاريخ القضاء بالمغرب . قال لوتورنو : " ليس ثمة فى تاريخ بنى مرين خبر واحد عن قاض حاول ان يستغل نفوذه ليقوم بدور اكبر من الدور المرسوم له " .
التنظيم الاسلامى للسلطة
فى نطاق الادارة يتحدث المؤلف عن شئ مهم فى النظام الاسلامى وهو الشورى فيقول : " وقد كانوا ( الموظفون ) خاضعين مبدئيا للسلطان او وزرائه فقط ، ولم يكن عليهم ان يقدموا حسابا لسواهم . على ان هذا لم يكن ينطبق على الواقع . ذلك بانه اذا كان التنظيم الادارى للبلاد الاسلامية فى العصور الوسطى يقوم اصلا على مبدإ السلطة فقد كان يوجب الاخذ بمبدإ آخر اصلى فى العدالة الاسلامية العامة : وهو واجب المسؤولين فى التوصل الى جميع الحقائق قبل اتخاذ قرار ما . هذا الواجب الخاص المعروف بالمشورة لم يوضع له تشريع خاص الا انه كان يتبع عمليا . . ومثل ذلك يقال فى السلطان الذى كان عادة يستطلع راى العلماء فيما جل من شؤون الدولة كى يستوثق من صحة احكامه ، وكان يستشير الاعيان ليستطيع تحديد رد الفعل عند عامة الشعب " ص 67 .
ومن الصعب تتبع كل الجوانب الحضارية فى فاس كما تحدث عنها الكتاب فقد كان المؤلف كما قلنا حريصا على تتبع الامثلة التى لا يمكن ان تندرج تحت فكرة عامة ، ولكن لكل منها مدلوله الحضارى لان كلا منها ناشىء عن عمل انسانى وفكرى ويدوى . وارتباط كل منها بالآخر يعطى لحضارة المغرب ( التى تمثلها فاس فى هذا العصر ) طابع الدقة والشمول والمعرفة والتكامل وهكذا نجده يتحدث عن الخدمات العامة كتوزيع المياه فى المواسير على الدور والاحياء بدقة متناهية وكبناء الحمامات العمومية والنظافة العامة والشرطة والحراسة ونظام السجون والمستشفيات والنقل ، وادارة الاوقاف والتوثيق ويخرج المؤلف من تحليل هذه الخدمات العامة بان هذا التنظيم كان يكفى اهل فاس حاجاتهم ، وذلك لان الحياة كانت تعتمد على النظام الجماعى ولو انها كانت مجزأة الى عدد كبير من الخلايا . ص 87 .
هل وجد مسيحيون فى فاس ؟
ويتناول المؤلف الحياة اليومية فى فاس ايام بنى مرين فى فصل خاص ويتبعها بدقة متناهية . فهو يبدأ قصة الحياة اليومية بوصف المنزل وسكانه وخدمه . ويصف الغذاء وملابس الرجال والسيدات والعادات التقليدية فى
المصاهرة والزواج والافراح والولادة والختان والجنازة وعمل المرأة اليومى والالعاب الشائعة - ولم يذكر منها الا الشطرنج - والتنزه وحياة القصاصين والتدخين والانحراف الخلقى
ويتحدث فى صفحات قليلة من هذا الفصل عن حياة المسيحيين ( ؟ ) واليهود المغاربة . ورغم انه لم يستطع ان يثبت ان المسيحيين كانوا موجودين فى فاس ، الا انه يقول : من المحتمل انه كان ثمة مسيحيون فى فاس من قبل اذ ان احد ابواب المدينة فى عدوة الاندلس كان يسمى باب الكنيسة الا انهم اندثروا منذ ايام الموحدين على التأكيد او لعل ذلك تم قبل ايامهم . ولم يكن فى فاس فى القرن الثامن اى من المسيحيين الاتين من اوروبا باستثناء بعض الاسرى . اما عن اليهود فيؤكد المؤلف انهم استعادوا مكانتهم فى العهد المرينى بعد ان كان الموحدون شديدين فى معاملتهم . ويتحدث عن حياتها بشئ من الدقة ولكن فى غير تفصيل
وفى نطاق الحياة اليومية يتحدث الكتاب عن حياة البلاط المرينى اليومية فى عاداتها وتقاليدها الدقيقة
ثلاثة منابع للفن
ومركز المدينة لم يكن يتركها بمعزل عن النشاط الاقتصادى ، بل كان يعطيها دور القيادة فى الصناعة والتجارة والفنون الجميلة . ويحاول المؤلف ان يتتبع التطور الصناعى الذى انتعش مبكرا فى فاس بفضل الوافدين من القيروان وقرطبة وتفاعل مع الفن البربرى الاصيل حتى تكون فى المدينة ثلاثة نماذج فنية : فن قرطب وفن قيروانى وفن بربرى . وتدخلت الفنون فى الصناعة فكانت فى المدينة نحو 150 هيئة او حنطة تعمل جنبا الى جنب ، وهى التى انعشت المدينة والمغرب كله بالتبعية ، وانعشت التجارة التى كانت تصل إلى اعماق القارة الافريقية مجتازة الصحراء كما تصل الى المغرب العربى يفصل المؤلف الحديث عن كثير من هذه الصناعات التى كانت تجعل المغرب فى اكتفاء ذاتى عن الاستيراد . ويكفى ان نضرب مثلا بصناعة الثياب لنعرف انه فى القرن العاشر الهجرى كان فى فاس ما يزيد عن 5000 مصنع للحياكة تشغل 20 الف عامل
والحضارة الصناعية كانت تقوم على التكامل ، فكل ما تحتاجه من ادوات يصنع فى فاس نفسها .
وكانت الصناعة - كالصناعات الحديثة تماما تخلق ميدانا عماليا ونظاما لتنظيم الطوائف الحرفية فى نقابات ( الحنطة ) كانت تؤدى دورها خير قيام بالنسبة وكلهم يعملون بتعاون فى
قطاعهم الصناعى . ولا ينسى المؤلف ان يتحدث عن دور الصناع وعمال الصناعة فى المجال الاجتماعى والسياسى على السواء
الحياة الفكرية
واغلب الظن ان طابع الشمول فى الكتاب هو الذى جعل المؤلف يختصر الحديث عن الحياة الفكرية فلا يلمس الا ظواهرها المتعلقة بالتعليم فى القرويين ، ولكنه - وهو يشيد بمناصرة بنى مرين للتعلم العالى فى فاس ويعتبرهم المؤسسيين الحقيقيين لجامعة فاس - يعتبر الثقافة تقليدية لم تكن تتعدى نقل التراث من جيل الى جيل . ولم تكن " الحقيقة " التى ينقلها العلماء ناتجة عن التجربة الانسانية ، بل الحقيقة الالهية التى اوحى الله بها الى نبيه الكريم ( ص 177 ) ويأخذ على المرينيين انهم لم يتيحوا المجال للفلاسفة والمفكرين كما فعل الموحدون ولو انهم اتاحوا الفرصة لمؤرخين وأدباء امثال ابن خلدون وابن الخطيب وابن مرزوق . يخرج بنتيجة هى : ان الثقافة فى فاس كانت ترمى الى اخضاع الفرد وجعله لا يعدو ان يكون وعاء نقيا يتسع للحقيقة المجردة " .
ويتحدث المؤلف عن الحياة الدينية فى فاس التى تستمدها من مركزها ومن انها مدينة اسسها الاشراف وتقوم فيها جامعة اسلامية ، ولان طبيعة الحياة ونمطها اليومى يقوم على الدين . ويتخذ المؤلف هذا الفصل مناسبة ليتحدث عن اداء المواطنين الفرائض الخمس والاحتفال بالاعياد الدينية والتى تصطبغ بالدين ولو لم تكن دينية بالمعنى الكامل . ويخرج بنتائج هامة عن مظاهر التقوى الجماعية والفردية التى كان يعيش عليها المواطنون . وقد كانت تقوى عميقة رصينة حتى ان مدينة فاس لم يبد عليها منذ انشائها الى ايام بنى مرين ، ولم يبد عليها حتى اليوم آثار بدعة او " تنكب عن سوى العقيدة مما قد ينتهى الى ثورة من اى نوع " ويفسر ذلك بان " اهل فاس بالنسبة الى المجال الدينى وغيره لم يتخلوا عن اعتدالهم الطبيعى ، ليس بينهم صوفى عظيم كالحلاج او مصلح دينى مثل ابن تومرت . ان تقواهم نشيطة مليئة بالحياة يشترك فيها الجميع ، لا تستعصى على التوق الصوفى ، الا انها قبل كل شئ انسانية وديعة . . ص 206 .
ليست فاس مدينة اسرار
ان المؤلف من خلال هذه النظرة المتعمقة يعيش بعقله مع فاس كما يعيش بروحه واذا كان لا يأمل لفاس مستقبلا رائعا فى المجال الاقتصادى والحضارى الذى ساهمت فيه بقسط كبير واتخذت مركز القيادة فى المغرب العربى فانه يختم كتابه القيم عن فاس بهذه العبارة الجامعة " ليست فاس كما يقال كثيرا ، مدينة الاسرار ، بل مدينة الحس الصحيح والحياة الجيدة ، ولعل هذه هى ميزتها الرئيسية وهى صفة ، والحق يقال ، عظيمة ، وعظيمة بحق "
رغم هذا الاحساس بالدور الحضارى الذى قامت به فاس ورغم الالمام الواسع الدقيق المحكم المركز بمظاهر الحضارة الفاسية فى عصر بنى مرين فان المؤلف لم يتعمق كثيرا روح الحضارة المغربية فغرق فى المظاهر اكثر من التحليل والتعليل
عكاظيات فاس
اسجل ملاحظة تتصل بالجانب الفكرى والادبى على الاخص وهى المسابقات الشعرية التى كان المرينيون ينظمونها حتى كان للشعر سوق فى البلاط المرينى ، وينقل فى ذلك عن الحسن الوزان هذا الخبر : " كان المنشد ( الشاعر ) يقف على ضفة مرتفعة ، وعند ما كان المحكمون من اصحاب الكفاءات يصدرون حكمهم كان السلطان يمنح الشاعر المبرز مائه قطعا من الذهب وفرسا وجارية ويلقى عليه الثوب الذى يرتديه ، وكان يمنح كلا من الشعراء الباقين خمسين قطعة من الذهب "
اسجل هذه البادرة لعلها تضمد الراى الشائع من ان المغاربة لم يكونوا فى تاريخهم يعنون بالادب والشعر بخاصة .
وأسجل ايضا حقيقة مهمة اوردها المؤلف حينما تحدث عن الادارة والشرطة ( ص 78 ) حينما قال : " ان الاجرام كان نادرا فى فاس ، لان السكان كانوا اكثر تمسكا بالفضيلة منهم فى اماكن اخرى ، ولكن بسبب استقرار السكان كانت الحياة في الاحياء المحلية منظمة وكان الجميع يعرفون بعضهم بعضا : وكان كل منهم يعرف عادات الافراد الآخرين ، لذلك كان من الصعب ان يخرج اى من السكان عن سواء السبيل " .
وأسجل أيضا الفكرة التى أشار اليها من ان تعدد الزوجات والطلاق والتسرى لم يكن ما لوفا وشائعا فى فاس رغم انه مباح ( ص 102 ) .
ولست ابالغ فى شئ اذا سجلت ان ترجمة الكتاب كانت موفقة وان المجهود الذى بذله الدكتور زيادة فى الترجمة واستقصاء الاصطلاحات واستعمال الكلمات المغربية فى مدلولاتها الحقيقية لا يقل عن المجهود الذى بذله المؤلف فى جمع المعلومات وتنسيقها وتحليلها

