قال ابن اسحاق " حين أورد أسماء من اجتمع الى يهود من بني قيلة : ومن بني لوذان عمرو بن عوف : نبتل بن الحارث . وهو الذي قال له " فيه " رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من احب ان ينظر الى الشيطان فلينظر الى نبتل بن الحارث " وكان رجلا جسيما . اذالم ثائر شعر الرأس . احمر العينين . اسفع الخدين ، وكان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يتحدث اليه فيسمع منه ثم ينقل حديثه الى المنافقين وهو الذي قال : انما محمد اذن - من حدثه شيئا صدقه ، فأنزل الله تعالى عز وجل : " ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل هو اأذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين . ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم "
قال ابن اسحاق : وحدثني رجل من بلعجلان انه حدث : " ان جبريل عليه السلام اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : انه يجلس اليك رجل اذلم ، ثائر شعر الرأس ، امصع الخدين ، كأنهما قدران ، من صفر ، كبده اغلظ من كبد الحمار ، ينقل حديثك الى المنافقين فاحذروه " قال : وكانت تلك صفة نبتل بن الحارث " فيما يذكرون .
" انتهى ما نقلته من كتاب السيرة " .
ولقد أشكل على ، هذا مع ما أورده
السمهودي مما يناقضه ، فقد أورد السمهودى في كتابه : ) وفاء الوفاء ( ما نصه : ) وروى يحي عن عبد العزيز بن عبد الله عثمان بن حنيف : قال : لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم " على " بني عمرو بن عوف . وقد كان بين الاوس والخزرج ما كان من العداوة . وكانت الخزرج تخاف ان تدخل دار الاوس ، وكانت الاوس تخاف ان تدخل دار الخزرج ، وكان اسعد بن زرارة . قتل نبتل بن الحارث يوم بعث ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أين اسعد بن زرارة ؟ فقال سعد بن خيثمة ومبشر بن عبد المنذر ، ورفاعة بن عبد المنذر : كان يا رسول الله . اصاب منا رجلا يوم بعاث . فلما كانت ليلة الاربعاء جاء اسعد الى النبي صلى الله عليه وسلم متقنعا بين المغرب والعشاء . فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : يا ابا امامة جئت من منزلك إلى ها هنا وبينك وبين القوم ما بينك ! قال ابو أمامة : لا والذي بعثك بالحق ، ما كنت لاسمع بك في مكان ، الا جئتك ، ثم بات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اصبح ، ثم غدا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن خيثمة ورفاعة ومبشر ابنى عبد المنذر : اجيروه . قالوا : انت يا رسول الله فأجره ، فجوارنا في جوارك
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يجيره بعضكم . فقال سعد بن خيثمة : هو . في جواري . ثم ذهب سعد بن خيثمة اللى أسعد بن زرارة في بيته فجاء به مخاصرة ، يده في يده ، ظهرا ، حتى انتهى الى بني عمرو بن عوف ، ثم قالت الاوس : يا رسول الله كلنا له جار ، فكان اسعد بن زرارة يغدو ويروح الى رسول الله صلى الله عليه وسلم . انتهى .
واذا عدنا بالذاكرة الى يوم بعاث نجد هذا اليوم آخر ما بين الاوس والخزرج من ايام الحرب " ان استثنينا ما كان من يوم لظاهرة بعد الاسلام والهجرة " وكان الرسول الاعظم صلى الله عليه وسلم أمر بأن تكتب فيه وثيقة الصلح الدائم بين الاوس والخزرج فلم يقع في الظاهرة " حرة العنبرية اليوم " أذى بين الطرفين ولكنهم عادوا معه صلى الله عليه وسلم متخاصرين فرحين بما من الله عليهم ، اسفين على ما كاد لهم أبالسة يهود الاخابث . عادوا وقد اصلح الله شأنهم وكبت عدوهم ، .
سنة يوم بعث كانت قبل الهجرة بخمس او اربع سنوات . فاذا كان قد ثبت أن أسعد بن زرارة قتل نبتل بن الحارث في يوم بعث قبل الهجرة النبوية بسنوات فهذا مشكل عندي ان قارنته بما أوردته عن ابن اسحاق فيما قال :
وهنا أرى ان اكمل حدثي هذا بها اورده من الاعلام والاعيان تتمة للبحث :
قال ابن اسحاق : ان نبتل بن الحارث من بني لوذان بن عمرو بن عوف من الاوس والذي نقله السيد السمهودى عن ابن زيالة في منزل بني لوذان ما قال فيه : " وخرجت بنو
السميعة وهم بنو لوذان بن عمرو فسكنوا عند زقاق ركيح ، وابتنوا اطما يقال له السعدان . وموضعه في الربع - براء مكسورة وباء تحتية موحدة - من اسفل مسكنة قال : حائط هناك . ثم يقول السيد السمهودي : ولعل الربع هو الحديقة المعروفة اليوم " يعني في زمنه " بالربعي . وكان بنو السميعة يدعون في الجاهلية بنى الصماء ، فسماهم النبي صلى الله عليه وسلم : بني السميعة .
والذي ينطبق عليه الحال اليوم ان الربعي بستان نضر في منطقة ما بين قربان والعوالى كان فلاحه عبد الله قاشجي . وهذه المنطقة التي فيها الربع تتوسط منازل الاوس يليهم من الجنوب منازل بني النضير ومن الجنوب الشرقي منازل قريظة ، ومن الشرق منازل بني الحارث بن الخزرج ، فيكون نبتل بن الحارث من اهل ناحية الربعي في قربان التي هي من منازل الاوس
وامضي بعد هذا ، الى " أسعد بن زرارة " فهو من بني غنم بن مالك بن النجار من اصحاب العقبة الاولى والثانية . مات قبل بدر الكبرى بالذبحة وهذا المرض يعرف اليوم كما اعتقد بالجنبة او ذات الجنب. وبنو النجار اوسط البيوت في الخزرج.
وعلى ما ذهب اليه السيد السمهودى فيما نقله ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أجيروه . الجوار والحلف كلمتان مترادفتان ويعرفان في زمن ادركته بالعاني
واجابة لاشارة المرسول الاعظم صلى
الله عليه وسلم اجاره من كانوا قبل خصوما له يحاولون اخذ الثأر منه ، اجاره كبار من شخصيات الاوس : سعد بن خيثمة من بني السلم بموافقة رفاعة ومبشر ابني عبد المنذر من بني زيد اهل قباء.
و " سعد بن خيثمة " هو صاحب " دار الاعزاب " الدار التى دخل نصفها الشرقي في مسجد قباء في المقبب الجنوبي ونصفها كان دازا ثم بعدها الى المغرب دار لها قبة ومحراب يسكن فيها قبل جند الشرطة هناك ) ١) وفي هذا الدار كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيت لياليه في قباء اوائل ايام الهجرة .
استشهد سعد بن خيثمة يوم بدر الكبرى . الداران هدمتا في التوسعة السعودية ( ٢)
اما " وفاعلة بن عبد المنذر " فكان نقيبا من نقباء الاوس ممن شهد العقبة ونزل عليه من المهاجرين كما قال ابن اسحاق آل البكير اربعتهم يوم الهجرة .
واما " بشير بن عبد المنذر " وهو " ابو لبابة " فقصته في قيظة مشهورة .
بقي ان اعود الى بعث وتعيين موقعه اكمالا للحديث واتماما للفائدة .
من المتفق عليه ان بعاثا هو يوم من الايام التي كانت بين الاوس والخزرج : بني
قيلة ، اما الموضع في النصوص فالذي نقل السيد السمهودي انه حصن وقيل مزرعة عند بني قريظة على ميلين من المدينة ، وقال عن الزركشي : انه حصن للاوس . وقال بعضهم : هو من اموال بني قيظة ، وبه مزرعة يقال له قوري . ورزين يقول : هو موضع عند قوري او القروري " انتهى ملخصه " .
و كلها واقع صحيح الا من بعض النقطاني التحديد والبعد ، كلها ينطبق على الجهة المعروفة اليوم بالمبعوث والمبيعيث . وكلتاهما مزرعتان في الجنوب من مبنى العريض او صرار سابقا . زمرعتان قائمتان في منتهي الحرة الشرقية من شرقها يصب فيهما شعبة من وادي مهزور قادمة من شرقي حلية قريظة . " جبل في جنوب الحرة " و " حصن " . . هذا صحيح ايضا ، لقد وجدت اثره في غربى المزرعتين المذكورتين بنحو نصف ميل وعلى هذا فتكون المنطقة التي فيها المزرعتان والحصن هي قورى " بالالف اللينة " الا ان الحصن المذكور لم يبق منه الا اساسه ، اما الخلاف في نسبته لقريظة او الاوس فهذا ناتج من توسطه بين داريهما : فقريظة في جنوبه ، وجنوبه الغربي ، وبنو حارثة في شماله ، وشماله الغربي ، وبنو عبد الاشهل وزعوراء الاوس وكلهم من الاوس في مغربه ، ويلاحظ انني ذكرت ) الاوس ) مقرونة بزعوراء ، لان في اليهود هذا الاسم اي زعوراء " اصحاب مشربة ام ابراهيم " .
وبالمناسبة أذكر قصة حدثت لي وفيها بعض الفائدة فيما يتعلق بقورى ، ولعل ) قورى )هو موضع البحث هنا :
كنت خرجت في يوم من ايام بحثي اريد طريق الهيلاء الذي مرت عليه نار الحرة من جبل اشجع ، اريد ما حول جبال ميطان والحلاءة الكبار على بعد اثني عشر ميلا من الجنوب الشرقي من العوالي . وفي طريقي وجدت بعض آثار الحصون ، الشيء الذي عدلت بسببه عن الرحلة ، كانت معي الة مصورة من نوع " الكوداك " وحقيبة صغيرة وبعض اقراص البسكويت وترمس شاي وسجادة صغيرة ، كان الوقت اذ ذاك ظهرا ، كنت حلية قريظة وراء ظهري ، وانا متجه الى ناحية الشمال الشرقي ، رأيت مرتفعا في الحرة ، وظهر لي بعض شئ خلته جدرانا او بقاياها واتجهت اليه بدون تردد ، فاذا هو اثر حصن عظيم ، ودخلته ، فكان المبعوث منه في الشرق وكانت بئر دشم وما حولها من الغرب للشمال . انه موقع استيراتيجي يحمي كل المنطقة هناك ، فاستخلصت من مشاهداتى مع تطبيق النصوص ان هذا هو ) حصن بعثاث ( الذي كان عنده الميدان الحربي بين الاوس والخزرج ، وينطبق تماما على النصوص . اديت المكتوبة ، واكتفيت بالعثور على هذا الحصن الكبير في يومي هذا . وعدت أدراجي اقصد المدينة . وفكرت أن اختصر الطريق فكان الاختصار في نظري ان امضي الى بئر وبستان دشم . في الطريق مزرعة للامير عبد الله السديري رحمه الله ، وحدث ما استوقفني طويلا ، لقد رأيت على بعد ، ما اظنه مدفعا عسكريا ، ذهبت الى ان حكومة الاتراك ، تركته هناك ، فمضيت اليه
لاتحقق ما ظننت ، وكلما اقتربت منه ازداد عجبي ، ووقفت عليه فاذا هو قطعة من الحجر تعرت عنها الحرة ولعل هذه التعرية كانت في غضون آلاف السنين ، واليك حال هذا الحجر العجيب
الحجر في طول ثمانية امتار تقريبا في عرض ١×١ م الا ان رأسه المرتفع يزيد عن المتر ، هذا الحجر يرتكز احد طرفيه فى الحرة ثم يرتفع شيئا فشيئا حتى يكون تشكيله خطا مائلا ليكون من خطه وخط ارض الحرة زاوية حادة يلتقي خطاها في ارض الحرة ، ولم اصطحب معى مقياسا هندسيا فدخلت تحت اوسط الخط المائل فلم يصل رأسي الى السقف وقامتي في نحو ١٦٥ سم .
مضيت محتارا ، هل هو قورى الذى سميت به المنطقة ام قورى هي المزرعة المسماة اليوم بالمبيعيث ؟ انه ممكن ، لم أكن بالذي يسكت على ما شاهد ، مضيت ابحث عن سكان الحرة من قبيلة بني رشيدواخيرا علمت من بعضهم ان هذا الحجر يطلقون عليه اسم " ابي ظهور " .
أخي القارىء الكريم لقد خرجت عن موضوع المطالعات في السيرة . وان ما كتبته هنا وان كان استطرادا فله علاقة على ما اظن بموضوعي . . فسامحني فيما اطلت . . والله ولي التوفيق والى اللقاء ان شاء الله تعالى .
(المدينة )

