الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات, قراءة فى ديوان شعر مغربى، الشوق للابحار فى هموم الانسان المغربى

Share

الشوق للأبحار : حروف مثيرة جدا انها عنوان المجموعة الشعرية الثانية (1 ) للشاعر المغربي عنيبة الحمرى ، ومن رحم العنوان ينبثق سؤال: ما هو الرداء الذى يرتديه الابحار عند الشاعر ؟ . ان الحمرى لا يعنى هنا اللجوء الى البحر تهربا من دائرة الرفض والمعاناة ، وانما يعنى الابحار فى يوم التمرد والبحث عن بديل لهذا " العالم الاجرب الذي يطارد أبناءه ويغرقهم فى ظلامه ، فى تعبه اليومى من أجل الخبز " (2 )

وببساطة متناهية ينقلنا الشاعر الشاب الى ساحته الشعرية حيث تتشابك الاضداد وترققص المتناقضات ، انها ساحة تعكس الآلام والآمال والمهادنة والتمرد واليأس والحلم ، وتعكس بصورة أكبر هموم الانسان المغربى . وبسرعة فائقة

نتجاوب مع الشاعر وذلك لكونه " يتميز بالقدرة على التعبير الدقيق ، وتصوير الموضوع تصويرا واضحا مختصرا بسيطا ، يلتقط منه الصورة واضحة . فليس فى كتابته غموض من ينظر الى داخله بعمق ، ولكنه تعبير واضح مختصر . . "  ( 3 ) .

وفى بداية الديوان نجده يجسم مأساة الجيل الذى يعيش بلا هدف وكفى حياة ما بشاعة ان تكون بلا هدف :

فيا أسفى

اذا الأزهار قالت لى :

"بلا هدف "

تمد العطر والأشواق لا تدرى

تجوب الليل فى السر

بلا فجر

ونلاحظ أن الشاعر يصف الازهار بطريقة نادرة ، انها فى هذه الأشعار مرتبطة ب " أزهار الشر " ، ذلك انه ينزع عنها غلالتها السحرية وايحاءها للربيع والامل ، وتتخذ عنده ابعادا جديدة تنصهر داخلها معانى التشاؤم واليأس

ويرتفع الشاعر بالتزامه الى المستوى الانسانى حين يسوق مآسى الانسان الأسود :

الأبيض " الانسان " ينعم بالمروج

والأسود " المنبوذ " يعلف

ما يساق من السروج

عند المساء

عند الخروج

وينزل الشاعر الى الاكواخ القصديرية حيث يتعلق الشقاء وتسيطر الأمراض :

أكواخنا مستنقعات

حزم من القصدير

يغشاها السقوط

ويوضح الأسباب التى تدفع بالانسان الى مغادرة وطنه ، والهروب إلى بلاد أخرى لا تربطه بها لغة أو دين أو قومية :

رتابة الأيام تؤلمه فيطلب منجما

يهوى بلاد الآخرين بأرضها لن يسأما

لنتمعن كيف استطاع الشاعر بدقة فائقة أن ينقل الينا صورة عن البطالة دون أن يستعمل كلمات تدل عليها بوضوح ، انه قال : رتابة الأيام تؤلمه . ومتى يشعر الفرد برتابة الأيام لدرجة الألم ؟ انه يشعر بها حينما تستوعبه الجدة

الأيام تمر ، والشباب يفنى والعامل فى بلاد الغربة لا يشعر بشئ ، ان المرارة التى ذاقها فى بلده جعلته يفكر فى المال وحده . لقد تحول إلى انسان اخر فقدت المناظر عنده كل التعابير والايحاءات ، حتى السماء فى بلاد الاغتراب تبدو كأنها منعدمة فلقد :

ألف الظلام فلا غرابة أن يعيش بلا سما

القناديل : وسيلة للاضاءة وتبديد الظلام والضباب ولكن القناديل عند  الشاعر يكسوها هى بدورها الضباب :

الله يا مدينتى

أو هكذا أبوابك الغبراء

تفتح فى المساء

أعتابك الملأى ، قناديل

الضباب

ويحلم الشاعر بانبلاج الصبح ويبنى حلمه على الصبر والمعاناة البصرية والخوض فى غمار الليل :

الصخرة الصماء لا تخشى المطارق

والحديد

كن سائحا عبر الدروب بلا جواز

لترى عذابات الحريق

أو سائقا بالليل لا يخشى الطريق

حتى يرى الفجر الوليد

ويطلب الشاعر التضحية ، ويستمد حروفه من حكمة مشهورة فى هذا المجال :

وبلا مشقات محال

أن تعتلى قمم الجبال

شئ طبيعي أن يكون المرء غريبا خارج وطنه ولكن أن يكون غريبا داخل وطنه ، فهذا شئ مفجع نعم ، ما أقسى الغربة ! حين تعصف بك وأنت تدب فوق الارض التى عرفها أبواك وأجدادك والتي أمدتك بتقاليد معينة ومشاعر نبيلة كل الأجزاء المرتبطة بك تندثر لتصبح غريبا فى بيتك :

مل المدار

هذا الغريب فما له فى البر دار

عصفت به فى التيه أجناس

فسار

أني يسير

فالجو باك والغروب

قد أشعل الأنحاء نار

ويسأم الشاعر ، ويلتجئ - بلاوعى - الى دائرة الإستسلام :

فمعذرة سأفنى بالحشيش

المنتقى عمرى

وأنسى بالكؤوس هزيمة

الأيام

ولكنه سرعان ما يرجع الى وتيرته السامية التى رقص عليها منذ البداية وتلازمه فترة الحلم والأمل فيقول :

اذا الليل استطال فحزننا

مصباح

ينير ظلامنا أو ربما

تذرو الرياح غبارها

نرتاح

وحين يتحقق الحلم ، سيستطيع الشاعر أن يتمشى فى أزقة البلد مرتاحا :

وأغدو مستريح القلب والجسد

أطوف الدرب فى بلدى

وما بمدينتى شبح

جفاه الأفعوان طريح

ويرتمى الحمرى فى أحضان القضية العربية المجيدة ، بكل ما تحمله فى باطنها من خلافات وأحزان ، فيقول بيأس ممزوج بالأسى :

القدس ضاع

القدس ضاع

ضاع القدس ، والشعب يتجرع بمرارة هذا الحادث...... و"السادة" يرقصون فى دوائر المبارزة :

الكون راوده النعاس

بقصيدة لأبى نواس  

قالت : ذر الألبان يشربها أناس

وغيرنا

بحكاية الأشعار من بشار

يلهو : شركت الكلب

فى ولغ الاطار

القرن العشرون : قرن الأقمار الاصطناعية وغزو الفضاء والنزول على سطح القمر وعندنا هو قرن ( الجاهلية ) . أجل ، ما زال السادة يرددون

الالفاظ الطنانة ، ويعيشون طبعة ثانية من ( داحس ) و ( الغبراء ) و ( البسوس ) ويردد الصوت القديم

نفس البلادة تغلب ، بكر ، تميم

الحروف القبلية يشعلها (الرواد) ألا قاتل الله التخلف وشئ مؤسف حقا أن يؤدى الشعب دائما ضريبة الأغلاط والحماقات يبنى ويحلم وينتظر ، ويأتي من يأتي ليهدم أعمال أجيال فى لحظة شذوذ أو جنون :

ستضيع كل بيوتنا ، والأهداف

غبراء عافتها الضفاف

ستضيع كل بيوتنا ، والأهداف

عذراء فارقها العفاف

المثقفون ، هؤلاء ( الطبقة ) الواعية يتألمون ويتحسرون فيكتبون حين تغفو الرقابة الطائشة ، والكتابة عندهم هي قدرهم ونبراسهم ، ولكنها عند الشاعر  ليست كل شئ ، انه يطلب من المثقف أن يدمر ويدمر حتى يسقط في ساحة الانتحار :

لك أن تقول

لى أن أقول

والحبر حبر ما يزال على الورق

فلنحترق !

فلنحترق !

قتل " الحلاج " وبقى فى ضمائرنا رمزا للشجاعة الفكرية وأعدم "لوركا " وبقيت أشعاره حية نابضة تفضح الطغيان واللؤم.... فالانسان ينتهى بالموت ، ولكن كتاباته تبقى حية :

هى الأفكار مثل الأرض

يموت الشخص لا تفنى

ويتخذ الحمري من ( عمورية ) رمزا لحدث كبير مر أمامه :

على بهو الأسود ترددت طلقات

تطايرت الشظايا فى المدى النشوان

وذابت فى الصدى حفلات

الى الغابات !

الى الغابات !

وتنقض على الشاعر لحظة يأس ، فيرى أن الحناجر غنت كثيرا بلا جدوى ، فيصيح :

جفت حناجرنا فأين المقبره ؟

شدوا الرحيل الى الضريح

أين الضريح ؟ !

أين الضريح ؟ !

ويتناول الشاعر اسطورة " بروكوتس " ( 4 ) ورمز الخلاص عنده ليس " غودو " ولكنه " تيزي " (5 ) ، فيناديه :

أيا تيزى ، فأينك أين ؟

تخلصنا من العنفين

فلا ننسى عصارة ما بنت

أيدى الحفاة سنين

فللموت البطئ على السرير

أنين !

الرصيد ، كلمة غالبا ما تقرن بالمصرف ، وعند الشاعر تتحول الى شئ اخر . فحين نسأل الكادحين الصبيين عن رصيدهم ، يجيبونا :

وكل رصيدنا فقراء

ويدمج الشاعر اليأس بالأمل بطريقة جذابة فى قوله :

ويورق حزنهم صبار

ليثمر فى روابى الوهم

يظلل زورق الابحار

ونبحر مع الشاعر :

وأبحرنا

بعون الله يا بحار :

يطول الليل لا يرأف

ووسط الامواج الهائلة يتكسر المجداف ، ومع ذلك فأمل الشاعر أكبر من أن يؤثر فيه هذا الحدث :

هناك تكسر المجذاف

فيا بحار لا تأسف

دع الأخشاب للمتحف

وكن بحارنا الأشرف

المدينة قابعة عل شط البحر وانياب الذئاب تستهدف دائما الأماكن " الستراتيجية " ، والسكان يؤدون ضريبة هذا الموقع ، فخيرات المدينة لا تعود اليهم ، حيث تظل دائما فى بطون الاستعماريين والانتهازيين :

بوابة بالحر تهدى السائرين

مدت أكفا للمحيط

منحت شواطئها الرحيق

للوافدين

ويثور الشاعر على امتثالية السكان المميتة ، ، هؤلاء السكان الذين يبلغ اقصى جهادهم رفع لافتة جوفاء أو ترنم بألفاظ خاوية هذه الألفاظ التى يقول عنها الشاعر بحسرة :

لو أن كل عبارة هزت جدار

أو حطمت جسرا وأتلفت الديار

أو زلزلت " نعشا" ومزقت الطريق

لو أنها حجبت عيون الشر عن

نفث السموم

كنا استرحنا من قديم

الأزمنة

الوطن : بلد جميل ، طبيعته فاتنة ، وأهله طيبون ، وثرواته مدهشة ولكن الشاعر لا يهمه من هذا شئ اذا لم يتمتع الشعب الكادج بخيرات وطنه

والطقس هذا طقسنا ما أجمله

والجو هذا جونا لا كفء له

كرم الضيافة مرحبا لا حد له

من غيرما ، جفن ننام

مثقوبة أيامنا لا تذكروا

سوء الختام

وينتهى مطاف الشاعر فى القصائد برسم رائع لأوجاع اللاجئين الفلسطينيين الذين حكم ( بضم الحاء )عليهم بحياة الخيام الشاقة :

الليل يحبو لاجئا فى خيمتى يتمدد

والريح تعوى فى الدجن زفراتها تتردد

مطر وبرد ، خيمتى الدكاء كم تتنهد

والعام بعد العام فى أحشائها يتجمد

وأنا هنا فى حوزتى هذا الدقيق الأسود

منفاى هذى الخيمة الغضبى بحقدى تشهد

وفى الأبيات الباقية من هذه القصيدة الجميلة تتجسد روعة الشاعر المغربى الذى يعتبر هموم الفلسطينيين هموما له ، ويتغنى بها كضرورة إلزامية تفرضها عليه القومية واللغة والدين ، وفوق هذا كله يفرضها هو نفسه على نفسه

وأخيرا ، ان هذه المجموعة الشعرية القيمة تعتبر اضافة جيدة أمد بها الأستاذ الحمرى المكتبة الشعرية العربية ، وتكذب آراء التافهين الطاعنين فى شعر المبدعين المغاربة

المغرب )

اشترك في نشرتنا البريدية