الذى يريد أن يتعرض بالتعقيب لمثل هذه المجموعة التونسية المحلية دا لا بد ان يكون لديه الرصيد الضرورى من المعرفة بمسرح الاحداث لقياس مدى الصدق الواقعى ، وبالتالى الصدق الفنى فى هذه المجموعة .
وأنا لا أستطيع أن أدعى هذه المعرفة ، فزيارة عابرة لتونس ، وقضاء معظم أيامها فى العاصمة ليست بالقدر الكافى لمعرفة دقائق التراب الذى جلبت من ذراته هذه القصص ، وعلى أديمه جرت أحداثها .
ان كل ما أزعمه أننى على مجرد صلة بالانتاج الفنى لأدباء تونس المعاصرين ، أعجب به ، وأتتلمذ عليه ، وأتفاعل معه ، ولكن الشعب الخلاق ، صانع هذا الانتاج جدير بأن تدرس خصائصه وفلسفته واهتماماته قبل الاقدام على ابداء رأى سليم فى مجموعة قصص تتناول دقائق حياته الخاصة ، مهما يكن فيها من السمات الانسانية العامة ، فانها قائمة فى المقام الأول على المشخصات المحلية .
لهذا فان حديثى عن مجموعة " ظلال على الارض " مجرد عرض لما استطعت أن ألتقطه من بين سطورها ، مجرد آنطباع قارىء عادى ، يلتقى بكاتب هذه المجموعة ربما لأول مرة ، دون معرفة مسبقة للأبعاد التى حددها لنفسه والأهداف التى يبتغيها ، ومقدار السرعة أو البطء الذى يريد أن يركب به هذه الموجة الجديدة
ولتعتبر هذه الكلمة - اذن - ترحيبا بموهبة قصصية جديدة نسبيا نضاف الى الرصيد الكبير للانتاج التونسى المعاصر الذى ينافس الزمن
تناولت هذه المجموعة من يد مؤلفها فى نفس الوقت الذى تناولت فيه عدد يوليه من مجلة " الفكر " التونسية ، فوقع نظري على قصة منشورة للمؤلف
فى نفس العدد ، كادت تصرفنى عن قراءة مجموعته كاملة ، لاننى وجدت فى هذه القصة شيئا أقرب ما ينتمى اليه هو السريالية ، أو اللامعقول . . . أو اللامقبول ، ووحدت فى تركيبها شيئا أشبه ما يكون بالهلوسة ، أو الشفرية المعقدة لجماعات المقاومة السرية .
وأنا لست ضد التجديد والتحرر والتطور الدائم ، ولكننى ضد الغموض وتبديد الهدف ، وفقدان قنوات الاتصال بين الكاتب والقارئ
الا أننى - تقديرا للهدية ، واحتفاء بخطوات قطعها المؤلف إلى منزلى المتواضع جدا فى أول زيارة له الى القاهرة - أخذت أتصفح المجموعة ، فالتقيت بأولى قصصها " ثمن الحصير " ، التى ردتني الى الثقة بفن الفنان ، وانتمائه بحرارة الى حركة التحرر الشعبى . . حركة بناء الوطن من الاساس الذى لا بد أن يقوم على سواعد كل الشعب الكادح فى سبيل الحرية .
ان قيمة الفنان هى أن يخلق من الشئ العادى معجزة ما ، وأن يتصاعد بالواقع المحلى الى أفق الانسانية الواسع بالادوات البسيطة ، وبمجرد حركة صغيرة تشبه حركة انطلاق الصاروخ
وفى هذه القصة على بساطتها شحنة انسانية تشد اهتمام أى قارىء ، فالصغار التواقون للوصول من أيسر الطرق ، وبالاعتماد على النفس ، الى تحقيق شخصية أمتهم ، والذين يصرون على تعلم لغة أمتهم وسط الظلام الذى يكثفه الاستعمار - هم أبطال الوطنية الحقيقيون فى أى بلاد العالم . . هم أناس لا يستعصى عليهم أن يصنعوا معجزات الغد لتحرير أوطانهم
لقد أدركوا بأحاسيسهم الصغيرة الملهمة أن حركة التجهيل والتغريب وانتزاع الشعب من دينه ولغته مقدمة لانتزاع الارض من سكانها ، او انتزاعهم من بين احضانها .
واتقاء لهذه الكارثة أخذوا يجمعون الملالم من مصراتهم الخاصة لينظموا حلقة يلقنون فيها لغة بلادهم بطريقة تلقائية ووقائية ضد الاستعمار الفكرى المداهم .
وقصة " الكلاب الضالة " حوار بين جندين من جنود الاحتلال يفضح الاجانب الذين يحتلون كبريتات الوظائف فى البلاد ، ويمارسون التجارة المحرمة ، ويمتهنون الدنس ليسمنوا ويغتنوا ، فى حماية أمثال هذين
الشابين ممن يغرر بهم ، والذين يجندون لهذه المهمة الخسيسة ، وهى حماية كبار المستعمرين ، وهم ينهبون البلاد العزلاء المسالمة .
انها حركة ارتداد من الداخل ، وصحوة ضمير يثيره ما تمارسه حكومات الاحتلال من ابتزاز لأقوات البشر ، واغتال لحريات البشر
وقصة " رحل يستيقظ " تحكر مأساة عامل متعطل ، تسومه الشركات الاجنبية مع كل العمال سوء الهوان . . عامل ترك أبناءه فى القرية ينتظرون أجره الضئيل ليعيشوا عليه .
والقصة تصور التناقض بينه وبين أعضاء النقابة المضربين ، وتصور تمزقه بين معدات أطفاله التى تصرخ من الجوع ، وأبدانهم التى ترتعش تحت ضربات العرى ، وبين مصلحة الجماعة . . ومستقبل الوطن
هناك المستعمرون بوحشيتهم العارمة ، والمواطنون يحملون حرياتهم الجريحة ، وبازائها ظنونه وآماله فى أن يثوب المستعمرون الى صوابهم قبل أن ينفد صبر الشعب . . ويثور .
الصراع محتدم بينه وبين زملائه ، صراع متوازن - لا هو قادر على اقناعهم بالصبر ، ولا هم مقدمون لارغامه على الاضراب ، وان راودهم ذلك .
وهو صراع ايجابى حميد بين الجبهة التى ما تزال تؤمن بوجود النزعة الانسانية فى الانسان حتى وهو فى قمة سعار الوحشية ، وبين الجبهة الثورية المتصاعدة .
الرجل يمشى وفى آذانه صراخ أطفاله ، يؤمن لهم كسرة الخبز ، يغدو الى عمله والكل مضربون ، والأمل ما زال يراوده فى صحوة ضمير الاستعمار هو يعرف أن الجماعة على صواب ، ولكن ماذا يفعل ؟ ليس أمامه فرصة للاختيار لكن المفاجأة تفرض نفسها عليه عليه . . ان الاستعمار قد اغتال فرحات حشاد زعيم العمال ، وموضع أمله وأمل الجميع ، ويستمر الرجل فى طريقه ، وهو يضمر شيئا ، لقد تحرر من الخوف ، ومن الامل فى ضمير الاستعمار ، فذهب الى موقعه المعتاد فى العمل لتحويل خطوط السكك الحديدية أمام القطارات ، لكنه اصر على ألا يفتح الطريق أمام القطار القادم ، ولتنزل الكارثة بالاعداء ، ولما حاول ناظر المحطة أن يرغمه على العمل عاجله بضربة أودت بحياته ، وأطلق ساقيه للهرب ، وظل مختفيا حتى عثر عليه أحد الزملاء مقتولا فى أحد الشعاب الجبلية ، لقد اغتالوه هو أيضا ، ولكن بعدما صنع شيئا .
وفي قصة " رجل لبى النداء " نلتقي برجل مدمن ، يظل ست سنوات تائها مشردا ، يشرب لينسى ، ولكن ماذا كان يريد أن ينسى ؟ لقد أراد أن يطرد من ذاكرته ما فعله رصاص المستعمرين بكوخه ، والجنود وهم يركلون أمه يكسرون ذراعها ، يمزقون ثيابها ، أراد أن ينسى القبور التسعة التى ضمت اياه وأخويه وستة من أبناء عمومته صرعهم رصاص الاحتلال
انه فى الواقع لا يريد أن ينسى ، لكنه لا يؤمن بالصبر ، ولا بالمستقبل ، ولا بأن الثورة آتية ، ولا بانتفاضة الشعوب
ولكن عندما اندلعت الثورة ، يومها فقط كف عن الشراب ، وأسرع ليلتحق بجيش الثوار ، وهنا تبددت الغشاوات التى عاشها ، وتحول اليأس والشعور بالخزى الى انطلاق نحو العمل الايجابى بكل ما لديه من أشواق الى الثأر .
وشبيه بهذا قصة " عندما تصرخ الدماء ، وهي قصة كهل وزوجته ، يدخل عليهما ابنهما الوحيد جريحا نازفا ، فينعيان عليه طيشه واندفاعه ، لكنه لا يهتم ، بل يستصغر ما أصابه الى جانب الجراح التى أحدثها الاستعمار حينما عقد محاكمه لمحاكمة عشرين امرأة هتفن بحق بلادهن فى الحرية ، وهذا الجرح واحد من مئات الجراح التى أصيب بها الشباب المتظاهرون احتجاجا على هذه المحاكمة .
ويطرق الباب بعنف . . ان رجال الشرطة يتعقبون الشاب ، دفعته الأم لكى يهرب فوق أسطح المنازل المجاورة ، فشل رجال الشرطة فى القبض عليه فلماذا لا يأخذون الأب رهينة ، وقد يجىء دور الأم كذلك .
وكان فى الخارج دور جديد ينتظر الشاب الجريح ، عملية فدائية جديدة يحمل فيها منشورات الثورة الى بنزرت ، ومن جديد يقبض عليه ، ويتعرض لكل ألوان التعذيب ولكل ألوان الاغراء ، لكنه لا يعترف ، التعذيب مستمر والاصرار مستمر ، وصحته تسوء ، وهو يسخر من جلاديه ، وحينما يفرج عن الأب ويعود الى بيته ليحدث زوجته عن بطولة الابن ، وواجب كل المواطنين والتخلى عن فرديته ليندمج فى مجتمعه المناضل - اذا بيد الشرطى تطرق الباب هذه المرة بشئ من الرفق غير المعتاد ، لتنعى الى الوالدين وحيدهما
ويلتفت الوالد الى زوجته يعزيها ، ويهنئها ، فقد أصبح لهما ابن شهيد . . اصبح ابنهما بطلا من أبطال التحرير ، وأصبح أبوه الكهل ثائرا متعطشا
للدماء ، لقد نسى ابنه ، ونسى نفسه ، وترك زوجته وحيدة ليلتحق بموكب الشباب الذين خرجوا يثأرون لمواطنيهم ، خرج ليحقق أمنية ابنه الشهيد ويكمل دوره فى تحرير تونس الأم .
على هذا المنوال تسير الأقاصيص التى حرصت على عرض معظمها فى هذا المجال ، والتى خصها المؤلف بعنوان متميز ، حيث سماها باسم " ظلال حمراء " ويعني المؤلف أنها مخضبة بالدم ، وكلها تجرى فى نطاق حركة التحرير الوطنية التى أشرك فيها جميع أبطاله ، وهم من أواسط المواطنين وصغارهم وبسطائهم الذين نذروا حياتهم وكل مقدرات هذه الحياة لتحرير بلادهم
أما القسم الآخر من هذه المجموعة فقد اختار له الكاتب عنوان " . . وظلال أخرى " ، وفيه يعالج المؤلف عددا من المشكلات الاجتماعية ، وفي مقدمة هذا القسم قصة " آثار جرح " ، وتحكى عن حياة طبيب ناجح ، يعمل بهمة فى سبيل النجاح والشهرة ، يعيش مع خادمه العجوز بعد أن غاضبته زوجته
لقد غاضبته زوجته على أثر اكتشاف علاقته باحدى مريضاته التى أوقعته فى شباكها ، فهزت استقامته ، وكادت تجرفه الى تيار غير حميد .
وفي منتصف الليل تستدعيه أم الزوجة ، لتنبئه بأن زوجته تريد أن تراه للمرة الأخيرة قبل أن تفارق الحياة على أثر أزمة صحية مفاجئة .
ويسرع من فوره فينقلها الى المصحة ليجرى لها عملية جراحية ، وتحت تأثير المخدر يستمع منها الى كلمات الحب والوفاء له يرغم كل ما حدث : ويغادران المصحة الى بيتهما ليستأنفا حياة زوجية سعيدة ، بعد أن زال كل أثر لجرح الثقة المفقودة .
وهذه القصة تعالج فى بساطة وسذاجة الأثر المترتب على اغراق رجال الاعمال الناجحين فى أعمالهم ، والتضحية بالناحية العاطفية التى لا بد ان تسود الحياة الزوجية .
ولقد كانت النتيجة المنطقية أن تنحرف الزوجة نتيجة لهذا الاهمال ، ولكن المؤلف أراد أن يعاقب الزوج ، فجعله يسقط رغم تماسكه واستقامته تحت اغراء احدى مريضاته المنحرفات
ولا يعطى المؤلف مبررا لذلك ، بل على العكس ، يصور الزوجة فى صورة
تجعل أى زوج يفكر ألف مرة قبل أن يهجرها ، فهي شابة جميلة الى حد الفتنة ، جذابة ، تصغر زوجها بثلاث عشرة سنة ، مليئة بالحنان واللطف تحاول أن توفر له أسباب السعادة ، لم تفكر يوما فى التدخل فى خصوصيات زوجها ، لذلك كان عنادها واصرارها على الفراق غريبا عليها ، وكانت سلبية البطلين معا ، وبرودهما معا مما دفع المؤلف لان ينهى الأزمة بينهما فجأة وبطريقة مفتعلة ، تلعب فيها الصدفة كل أدوار البطولة
وقصة " مصير كل يوم " أكثر سذاجة وبساطة ، وتحكى عن فتاة فقدت والديها ، فتبناها طبيب ، دربها على مهنة التمريض ، ثم قدمها لرجل فقد زوجته وابنته لتقوم على رعايته ، فأخلصت فى مهمتها اخلاصا جعله يثق بها ولهذا لما عاد ابن أخيه الشاب من البعثة ، ووفدت عليه أخته وابنتها لينصب شباكهما حول الشاب من أجل أن يتزوج ابنة عمته ، رأينا الرجل يقف بجانب الفتاة ، لينقذها من حادث السرقة الذى افتعلته أخته ، فيطرد أخته وابنتها من بيته ، ويجعل الحلى التى دستها أخته على الفتاة هدية عرسها ، ويزوجها من ابن أخيه .
وقصة " الرجل الآخر " تعالج مشكلة الخيانة الزوجية ، وموقف الزوج بازائها ، واختلاف المواقف باختلاف الرجال فى معالجة الموقف ، لقد ترك الزوج الأول زوجته الخائنة عند أول مواجهة له مع الجريمة ، فطلقها على الفور لتلحق بعشيقها ، أما هذا العشيق فحينما أصبح زوجا ، وحينما واجه نفس الموقف مع رجل آخر ، ما كان منه الا أن قتله وقتلها ، وحينما رآه الزوج الأول يساق الى المحاكمة لم يتشف فيه ، وانما رثى له .
وفى ثنايا القصة تصوير للبؤس ، وكيف جنى على جمال المرأة وعلى حياتها الزوجية ، لانها لم تكن فى مستوى المحنة ، فسقطت أمام الاغراء واستمرت تسقط وتسقط .
ومن خلال القصة نرى قسوة المؤلف على المرأة ، واتهامها بأن الغدر والخيانة فى طبعها .
وفى قصلة " رجل حطم نفسه " تصوير لبشاعة الادمان ، ومدى فتك المخدرات بالقيم وبكل وسائل الحياة ، ثم بالحياة نفسها .
والتداعى فى هذه الصورة سهل ، فقد استدان الرجل ، ثم يدد أثاث بيته ، ثم ممتلكات زوجته التى رحلت عنه بأولادها ورفضت العودة
والجديد فى القصة أن يحاول صديقه اصلاحه ، فيأخذه الى بيته ، حيث يحتجزه هناك ، ويمنعه من الخروج كى لا يتصل بمصدر هذه السموم ، ويوكل زوجته بمراقبة تحركاته ، حتى كاد الصديق يوقن بأن مريضه قد عوفى ، لكن المدمن يغافل زوجة صديقه ويسرق خاتمها ويتسلل ليشترى المخدرات وحينما يعود ويسمع أصوات الشجار بين الصديق وزوجته حول الخاتم ، هنا فقط يصحو ضميره ، ولا يجد تكفيرا عن هذه الخطيئة الا بأن يذهب الى مسكنه الخاص فيشنق نفسه خلاصا من كل هذه المآسى
انها " حالة " يبدو فيها البطل مشلول الارادة منحل العزم لا يفكر ولا يدبر ، ولا يستطيع أن يتكيف للحالة الطبيعية اذا توفرت له ، وقد صوره المؤلف فى الاطار الطبيعي لصورته ، وأعطاه المبررات الطبيعية المؤدية الى النتيجة المتوقعة .
أما شخصية الصديق فلم تكن مهيأة للدور الذى تصدت له ، وكانت السلبية والغفلة عن التوقعات وتقدير الاحتمالات من الأمور التى أفقدتها هذا الدور ، وجعلتها فى خدمة المأساة بدلا من أن تجعل لها دورا ايجابيا يتحكم فى صنع الأحداث .
وقصة " رجل غريب " تسترعى الانتباه ، لانها غريبة على المجتمع ، فعهدنا بالشخصيات المنطوية أن تكون شخصيات منيت بالفشل ، ولم يتوفر لها أى حظ من النحاح ، أما أن يوحد شخص مثقف ذكى ذو منزلة مهنية واجتماعية مرموقة كهذا المحامى ، ثم يعتزل الحياة وينزوى عن الأحياء ، فهذا ولا شك نموذج نادر ، يأتي تاليا فى المرتبة للمدمن الشرير الفاقد الارادة ، كلاهما عبء على المجتمع واستنزاف لقواه ، واذا بدا فى الظاهر أنه لا يضر أحدا بسلوكه هذا ، فانه فى الواقع أكثر ضررا من المدمن ، لانه - عن عمد - لم يبادل المجتمع المودة والتعاطف والمصلحة ، لم يرد مقابل حياته وتعليمه ورفاهيته التى تقاضاها من دم المجتمع الذى نماه .
وقصة " كنز السعادة " صورة تحليلية لشخصية من الطبقة الدنيا ، رجل لا يملك من الدنيا سوى عضلاته القوية المفتولة ، لكنها هينة عليه ، تافهة فى نظره ما دام لا يجد لها عملا ، ويدور الحوار بينه وبين زوجته ، هى ترى أن السعادة انما هي فى الصحة ، وهو يتساءل : ما قيمة الصحة البدنية اذا ظلت معطلة بلا عمل ؟
وحينما توفر له العمل ، وكادت تكمل له السعادة جاء يوم فانحشرت دراعه بين عربتى القطار فأصبح بلا ذراع ، وحينئذ لم يجد له الا يدا واحدة يمدها للاستجداء .
وهي قصة لطيفة بالرغم من أنها تسفر عن مأساة ، تشبه الى حد كبير تلك النوادر الشائعة فى الآداب القديمة ، والتى تعلم الصبر والحكمة
و " سفينة القمح " تصور حالة . . حالة المجاعة فى البلاد ، ممثلة فى شخص حميد ، الذى يرى جاره الحمال يأتى كل ليلة بما يخفيه من كميات القمح أثناء عمله فى تفريغ سفينة الغلال ، بينما هو جائع يعتمد فى حياته على أمه العجوز التى تقوم بالخدمة فى المنازل أحيانا .
انه لا يستطيع ان يعمل لانه عليل ، وهو يحلم بأن يرحل الى بلاد الامريكان الذين يرسلون القمح الى بلاد الشرق بدل أن يلقوه فى البحر ، وتبحث عنه امه فى كل مكان فلا تجده ، ويصبح اختفاؤه سرا من الأسرار
وفى القصة تبدو التناقضات بين الجائع والشبعان حتى من بين أبناء الطبقة الواحدة المعدمة ، ومع شدة الفقر فلا بد أن يكون هناك شئ يثير الحسد
و " جلد الثعبان " قصة راقصة تجتر ماضيها التعس عن طريق استرجاع الحوادث وهى فى قمة الشهرة والمجد ، عندما يستثير انتباهها اعجاب البطل بجمال جسدها ، كيف نشأت فى الوحل والفاقة ، كيف كانت أمها تخدم فى البيوت ، كيف كان أبوها يجمع أعقاب السجائر ، كيف كانت تجوع وتعرى وتهرب من الخدمة فى المنازل ، فيكويها أبوها بالنار ، كيف أنشبت الأم أظافرها ذات يوم فى وجهها لتستل لقمة الخبز من فمها بعد أن كادت تبتلعها
وأخيرا . . كيف سقطت تحت ضغط ابن الأسرة التى كانت تقوم بخدمتها وكيف تدحرجت بين الأرجل حتى تناولها الخادم الاقرع ، وحينما تشاجر الخادم مع سيده من أجلها طردتها الأسرة ، فظلت تسقط وتسقط حتى جف ماء الحياة فى وجهها .
لكنها الآن قبلة الأنظار ، ولو أن كل ما فيها مزيف ، حتى جلدها ليس أصباغ وأدهان ، تتمنى لو خرجت منه كما يخرج الثعبان من جلده . انها تسترجع حياتها على هذا النحو ابان لقائها مع البطل فى سهرة حافلة ،
أغرته من بعدها ليقضى بقية الليل معها ، فما كادت الشمس تشرق حتى كان هو يبحث عن الباب المؤدى الى الطريق ليهرب . . لقد كشف زيفها .
وفى القصة نلمح بصمات القصة المهجرية ، ونكاد نسمع فى جنباتها صوت ميخائيل نعيمة فى بعض مجموعته " كان ما كان "
واذا حاولنا أن نتلمس لهذه المجموعة ملامح تميزها ، وجدناها تتسم بالأصالة والصدق ، والمحلية ، والطبيعية ، والبراعة فى رسم الشخصيات
ومعظم شخصياتها من الطبقات الدنيا فى المجتمع ، لكن المؤلف ينتزع لها أعجاب القارئ قسرا .
والمجموعة فى جملتها ملحمة متتابعة الاناشيد ، وصور وراءها صور رائعة للنضال الوطني الذى يخوضه الشعب بكل فئاته من الشباب والفتيات والشيوخ والنساء والأطفال ضد الاستعمار ، وضد سلبيات المجتمع .
وأسلوب المجموعة سهل مشرق ، ولغتها ميسرة محكمة ، سواء فى السرد أو فى الحوار ، تقل فيها اللهجات المحلية الدارجة .
والمؤلف يهتم بالدقائق والتفاصيل ، يعبر بالصورة المكثفة والحركة السريعة ، يستعيض بها من الافاضة والتطويل ، انه ينتقى الكلمات الموجزة التى تكون عناصر الصورة المعبرة عن الحدث أو ترسم الشخصية من أقصر طريق .
وهو يقدم لقصصه بخطوط سريعة وشاملة تبسط أمام القارئ خلفية الموضوع ، وتكشف أمامه الجو ، وتشير الى الابطال ، وتتركه يتنبأ بالأحداث ويشارك فيها منذ السطور الأولى
وفي كثير من المواقف تشيع روح السخرية ، فتؤدى دورها فى تكثيف الصراع الناشب فى كل نبضة من نبضات هذه المجموعة
غير أن هناك ما يميز القصص الكفاحية عن القصص التى تتناول مشكلات المجتمع وتعالج سلبياته .
فأقاصيص " الظلال الحمراء " تعد وثائق لعصر التحرير ، تترصد الأحداث ، وتسجل المواقف ، وتصور بطولة الشعب ، ونلاحظ فيها النغمة الحادة والتوتر والجدية ، وابراز اللحظات الحاسمة ، وروح المأساة ، وألحان المرثيات
أما فى قصص " الظلال الأخرى " فتهدا النغمة ، وتجنح الى الطول والتحليل والبحث عن اللحظات السعيدة ، والتشبث بالايحاءات اللذيذة وروح الشاعرية
وبقدر ما فى القسم الأول من الحماس وحرارة العرض ، والاندفاع الذى يحمل القارئ إلى ما يسمونه " مسرح العمليات " - نجد السرد فى القسم الثانى يتلكأ ويبطئ وهو يمسح على المشكلات الاجتماعية ، ويتوقف عند مجرد التشخيص دون أن يتخذ منها موقفا ولو بالرمز أو الايحاء ، لكن المشهود به أن المجموعة استطاعت بيسر وبراعة أن تبرز تناقضات النفس الانسانية فى أبسط حالاتها وفي أشدها تعقيدا
وحسب القصاص التونسى عبد الواحد براهم انه صنع من الخامة المحلية ومن الأشخاص السذج البسطاء فنا يستطيع أن يجد له قراء فى أى زمان وفى أى مكان ، يتعاطفون مع شخصياته وأحداثه وبيئته وروحه الانسانية والنضالية .
وحسبه أنه صعد هذه البسائط المحدودة الى ملأ أوسع من مجر المحلية المحدودة .

