كثيرات هن الشاعرات اللاتي بيزغ نجمهن فى سماء العالم العربى اليوم ، وتشرق من بينهن شموس وأقمار تضئ طريق الكلمة الشاعرة أمام الجيل ،وتشيع فى دنيا الشعر جوا دافئا معطرا متجاوب الانغام . وبعد ان كنا نتلمس على امتداد طريق الزمن المديد شاعرة تلمع على فترات متباعدة من رحله الفن الطويلة أصبحت مواكبة الفتاة الشاعرة لجيل الرجال متتابعة يوما بعد يوم وأصبح فى كل يوم يتردد على الأسماع والأفواه فى انحاء العالم العربى اسم شاعرة من الشاعرات الجديدات والمجددات
وبغض النظر عن التساؤلات التى تتردد فى الاوساط الأدبية عن تميز الأدب النسائي أو اندماجه فى التيار فان الشاعرات أصبحن يزحمن الموكب ، ويشاركن فى العطاء .
وآخر اسم يتلألأ اليوم على سجل الشعر فى آخر بلد كنا نتوقع أن نسمع انه ينبت الشاعرات هم اسم مبروكة بوساحة التى أنبتتها بلاد الميلون شهيد بلاد الجزائر .
ومبروكة بوساحة شاعرة مبشرة ويبدو أنها مبكرة ايضا . كالبرعم مازال يهفو الى الفجر وينفض عنه حبات الندى
وكأنها - كما يقدمها الشاعر الجزائرى المجرب محمد الاخضر السائحى - " خلقت لتكون شاعرة فالبيئة التى درجت عليها ، والوسط الذى عاشت فيه والظروف التى أحاطت بها تدفعها نحو الشعر . . .
ان رهافة حسها ، ورقة شعورها ، وسرعة تأثرها بما حولها . . تفجر . فى القلب طاقاته . . فيكون النبوغ ، وتكون العبقرية . . "
ومجموعتها الصغيرة(براعم) صورة من نفسها الانيقة الرشيقة ، اذ تبدأ الشاعرة باهدائها الى الجيل العربى الجزائرى كله . . الجيل الذى نبت من خلال لهيب الثورة ونارها المقدسة .
الى ملهمى ...وتوأم روحى... الى ابن بلادى...الجزائر.
وأولى سمات تميز هذه المجموعة الرقيقة هى الرقة الانثوية ، وحرارة الصدق والصورة البسيطة الأخاذة والساذجة التى لا يبدو عليها التصنع ولا تغشيها الصنعة .
تبدو حرارة الصدق وسمة البساطة ، ورقة النغم فى أولى قصائدها (أحب):
أنا يا حبيبي
أنا من أكون ؟
أنا لست شيئا
فكلى سكون
وكلى شجون
حياتى عدم
وحبى ندم
وروحي ألم
أنا من أكون ؟
ضباب ؟ عذاب ؟ جنون ؟
أحب ، وحبى يريد البقاء
ويهوى الخلود . . . ويأبى الصدود
أنا بشر . . . وأحب البشر
ولكن روحي لا تستقر
فهل من رجاء ؟ !
حب طبيعي ساذج حب انسانى هائم قلق . . حب البشر جميعا ، ولكن فيه التعطش الى الحب الواقعي . . . حب الفرد للفرد . . الاستجابة لنداء القلب . . . ولكن ...حينما يجيء الحب . . يجيء معه الدلال والمغاضبة والمقطوعة التالية تمثل تجربة ساذجة لهذه المغاضبة المفتعلة التى تبرز التناقض
غير المستقر فى الحب من اللهفة وابتغاء الحب ، الى النقيض ونفض اليد كلية من الحب . . . أهذا ممكن فى الحقيقة .
لا تناديني فقلبي فقد اليوم الوجيب
لست أدرى كيف أمسى صخرة لاتستجيب
كان كالدنيا اتساعا كان كالافق الرحيب
لاتؤاخذنى فانى صرت كالشىء الغريب
ولقد انسيت انى كان لى امس حبيب
صورة من السذاجة العاطفية تلبس ثوبا من سذاجة التعبير يعجل الشاعرة عن اختيار اللفظة أو العبارة الملائمة أو الدالة ، ولو كانت كلمة لا تؤاخذني التى تحمل من السخريه ما لا يلائم الموقف ، وعبارة " صرت كالشىء الغريب " التى لا تعنى شيئا ، أو تعنى فراغ القلب من معنى الحب الذى كانت بالأمس تنشده ثم يأتى التردد العاطفى ، وعدم الاستقرار فى مقطوعتها : " هل ستأتى التى تقول فيها :
قد وجدنا يا رفيقي عرضا فى ذا الوجود
والتقى الروحان فينا رغم هاتيك القيود
ومشينا بهوانا وحدنا فى اللاحدود
هل ستأتي للقائى أم ستنسى موعدى
أم ترانا نتلاقى وستأتى فى غد
لاهثا تهفو الى صدر حنون كالوليد
وترانا
يملأ الدنيا هوانا
نتناغى كالطيور
وترانا
كفراشات نشاوى بين أفواف الورود
فى حنايا ياى جحيم يتلظى من جفاك
كلما مس فؤادي خاطر شب هواك
فمتى تشفى جراحى ومتى توفى الوعود
ما علينا يا حبيبى لوأعدنا أمسنا
ورجعنا لصبانا ورشفنا كأسنا
وأعدنا الحب والوجد وهاتيك العهود
ومع هذا الخوف والتردد فان املا يبرق من بين مخاوف الشاعرة ويسكن جوانحها ويطمئنها الى عودة الحب والوجد .
لكن الملال يدركها فتندم على أنها قدمت قلبها قربانا للحب ، وخدعت برحيقه الجذاب عن مرارته القاسية
تقول مبروكة بوساحة في مقطوعة ليتني
ليتنى اعرف الحب ولاذقت الهوى
أو تعلمت الصدود وتعودت النوى
همت بالروض كنحلة
وأنا ما زلت طفلة
فتعشقت الورود
وتجشمت الصعود
ثم قدمت الرحيق
كي أجازى بالحريق
ليتنى لم اعرف الحب
ولا ذقت الهوى
أو تعلمت الصدود تعودت النوى
كلمات حلوة ، وموسيقى راقصة ، لكنها قلقة ليس وراءها عاطفة مركزة . والشاعرة فى حيرتها تحاول فى هذه المواقف أن تتفلسف ، علها تطمئن نفسها وتخرج من قلقها بشئ محدد الا ان حساسيتها تزداد كلما أوغل بها طريق الحب وتتزايد حيرتها وقلقها ، وتتساءل ، ثم لا تجد على شفتيها ما تجيب به ، سوى انها لا تدرى
تقول فى مقطوعتها :حائرة
أنا لا ادري الجواب
كنت جسما من تراب
وأنا الآن ضباب
وشقاء وعذاب
هكذا قد صنعتني يا حبيبى همساتك
أخرجتنى من ضياع لفناء كلماتك
صرت نجوى وابتهالا
وحنينا ابديا
أنت نار فى ضلوعى
ظمأ فى شفتيا
كيف أحيا حين تمضى
كيف أحيا حين تبقى
أنا شئ سحقته . . هذه الأوهام سحقا
فأنا الآن ضباب . . . وشقاء وعذاب
أنا لا ادرى الجواب
ومع أن الشاعرة مستمرة فى قلقها وتشاؤمها وحيرتها ، الا اننا نكون نعثر لاول مرة على عمل فنى ناضح ومتكامل فى هذه المقطوعة ، يتماسك نسيجها وتتبلور عاطفتها ، وتتوالى صورها :
هكذا قد صنعتنى ياحبيبى هماستك أخرجتنى من ضياع لفناء كلماتك
وهذه المقطوعة الألذ من غيرها تجتذبنا الشاعرة الى ذاتها وتعطفنا الى فنها .
لكن هذا النضح والتكامل البادى فى هذه المقطوعة لا يتكرر كثيرا وخاصة حينما تخرج الشاعرة من دائرة ذاتها الى الدوائر الاوسع . فحينما تخرج الى الحديث عن الصبية احسان " ينزل شعرها الى لغة السذاجة وأفكار الطفولة ولثغتها حينما تقول :
أى لحن عبقرى جاء فى أعذب غنوة
كل ما فيك جميل أنت يا احسان حلوة
أنت أحلام محب هائم أنت قصيدة
انت شعر . . . أنت عطر . . أنت آمال جديدة
وهذه المقطوعة على سذاجتها حلوة الملامح والتقاطيع . ، من اللقطات الخاطفة تلك اللحظة التى تلمع كالشرارة وهي مقطوعه(الهاتف)
وسرت
كالنغمة الحلوة فى الهاتف نبرة
فمشت ملء كيانى
رعشة شدت لسانى
وتهاويت فندت فتلمست مكانى
- دون ان اشعر - زفرة
وتوسلت بعبرة
قال ماذا " يا حبيبى " قلت : قلها . . . الف مرة
وعلى هذا النسق المغرق فى الذاتية تمضى مجموعة الشاعرة مبروكة بوساحة من الحبرة ، والتيه والتشاؤم والتساؤل والتجاهل ، والهروب واذا كان الرومانسيون قد اعتادوا الهروب الى الطبيعة او ارتدوا الى الطفولة فان مبروكة بوساحة تود لو هربت الى الشئ البعيد ، البعيد ، الذى يناسب عصرها ، حيث لا يشاركها فى وحدتها الرومانسية الا القليل ، القليل ، وقد لا يشاركها أحد . . . انها تود لو تهرب " الى القمر
هل صحيح أن قوما ركبوا متن القمر
ان يكن ذلك صدقا فلماذا لا نفر
نترك الارض ونمضى لا نبالى بالبشر
قد مللناها وملت يا حبيب فلنطر
ولهذا يحدث الشاعرة عن ذاتها اكثر ، فغامرت فى طريق مجتمعها وخاضت فى همومه وقلما تفعل فقدت رقتها الشاعرة وأصبحت صوتا بلا شخصية متميز قد جربت ذلك في مجموعتها " براعم " مرتين : الاولى فى مقطوعتها " اغنية لفلسطين " التى تقول فيها :
يا ثرى كالمسك طيبا عابقا خلف الحدود
ضخمته بدماها قبل آبائى جدودى
أى طهر دنسته فيك أرجاس اليهود
الثانية في نشيدها الحزائري بعنوان " ذكريات نوفمبر " وفيه يقول
أين مني ذكريات فى ليالينا الصعاب
يوم اقسمنا وقلنا لا نبالى . . . لا نهاب
يا نوفمبر
مع كل هذا فمن خلال مجموعة (براعم) تبدو لنا حياة الشاعرة مبروكة بوساحة قصيدة حب جميلة بما فيها من نضارة وتفتح للمستقبل فهذه البراعم التي تكافح لتنفض عن أوراقها الثلوج تنبئ بأن وراءها زهورا تسرع نحو التفتح وتبشر بشاعرية عربية تزداد على الأيام رسوخا وتوثبا ما دامت تهئ نفسها للغد . انها بنت الجزائر المناضلة قبست من أمها روح التوثب والانطلاقة ، والحرية وخرجت من بين لهيب الكفاح وهذه الوقدة كفيلة بأن تنضج شعرها عما قريب

