الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات, مشموم الفل

Share

البشير خريف علم من اعلام القصة بتونس ولعله أن يكون القصاص التونسي الذي تبايعه كل النزعات وتزكيه كل الاقلام ومن منا لا يعرف كاتب " برق الليل أو الدقلة فى عراجينها ولئن فرض البشير خريف نفسه قصاصا بنوعية انتاجه فان خصوبته جعلت منه مددا دائما للسوق الادبية وها هو اليوم ينشر مجموعة قصصية جديدة سماها " مشموم الفل " وصادف ظهورها فصل الصيف فكان هبوبها على الحياة الادبية هبة عطر كتلك التى تهتز لها نفوس المصطافين على شواطئنا الجميلة . نشرت هذه المجموعة الدار التونسية للنشر في 143 صفحة من الحجم الصغير الذي ظهرت فيه مجموعات نادى القصة كلها وقدمها الاستاذ محمد مزالي بكلمة رقيقة ذكر فيها بالظروف التى حفت بنشر القصص الاولى للبشير خريف وشهد فيها بما عاناه كاتبنا من خصومه منذ عشر سنوات فقط واستخلص من حياته الادبية دروسا للشباب منها ضرورة الثقة بالنفس وعدم الانبهار بالتيارات المستوردة وقال الاستاذ مزالي بعد ذلك الا ترى أن قضية المذهب ثانوية فى آخر الامر وان الاهم هو قبل كل شئ ظهور القصاص الاصيل والاديب الكبير وهما اللذان يفرضان الاتجاه المتميز ويوحيان للنقاد والدارسين بالمذهب الجديد ؟

والآن فلنتشمم شذى مشموم البشير خريف ولنبدأ ب " خليفة الاقرع " التى شاهدها بعضنا على شاشة السينما

كان خليفة شخصية شعبية غريبة يوزع رسائل الغرام ويسعى بين المحبين ويداعب النساء فى خلوتهن لان الرجال يأنسون اليه ولا يخافونه وكان مع ذلك واسطة بين أهل الحي وعم بوبكر الدفاز المغربى يحمل اليه " الفدوة ويجمع له بعر المعز كي يبيعه بخورا وكان خليفة الاقرع سعيدا بهذه الحياة وفجأة أصبح الناس يمنعونه من دخول بيوتهم ومعاشرة نسائهم فساءت حاله واستنجد بعم بوبكر الا ان الدفاز كان انتبه الى مراوغات خليفة الذى أصبح

هو أيضا يبيع الحروز وينقص له من المصروف ويحتفظ لنفسه أحيانا ببعض الفدوات وتجرأ خليفة فأخذ يهدد الدفاز بأنه يعلم كل شىء وهنا تظهر سمة من السمات القصصية للبشير خريف وهي حلاوة الاستطراد بعد حلاوة التشويق فنعلم من هذه الخصومة كيف كان خليفة يتعرف على الصبايا فى سطوح الحي وكيف انقلبت علاقته بالارملة صلوحة من مشاكسة الى مغازلة ونرى فى كل ذلك صورا من الحياة الشعبية بكبتها وبساطتها واسرارها وأخطارها وبين لنا خبث الدفاز فى ابتزاز المال وسلب الاعراض

الا ان البشير خريف لا ينتصب واعظا مصلحا فيتركنا نتلذذ بالاطلاع على هذه الحياة العجيبة الغريبة ونستكشف فى نفس الوقت قذارة العادات الفاسدة ونستنكرها ونعود الى خليفة المسكين فنعلم ان مأساته تتمثل فى برئه فقد أخذ شعره ينبت ولم يجد بدا من الالتجاء الى دفاز طمعا فى معجزاته فيقول له عم بوبكر " واش عندى من قدرة ليك ؟ " الا ان خليفة يعبر عن رغبته فى جملة تجمع بين الفكاهة والحزن وتصور على كل حال هذه الشخصية المحببة عم بوبكر برأس اللى يعز عليك . . اعمل لى حتى دمالتين والا ثلاثة . .

القصة الثانية من مجموعة ) مشموم الفل ( لا يختلف نفسها كثيرا وان كان الاطار اطارا آخر رحلة الصيف عنوان لقصة بطلها أو أحد ابطالها مسعود بن خليفة الاعتر نراه ممسكا بيديه برويطة مليئة بالادباش والعباد ويعانى من حركة المرور مشقة كبيرة ونراه فى لوحة ثانية مرحبا يتباهى على خالة الزائر بسكناه فى العاصمة فهو فى مدينة تتوفر بها كل المرافق الحليب تجده فى كل وقت الماء في الشيشمة الشرطة تقوم بالحراسة وتمنع اللصوص من السرقة وتتكلم الزوجة متباهية أيضا فتقول : مسعود غدوه هز خالك لدروج منبرى دروج تمشى وحدها . الا أن هذه العائلة لم تكن في حقيقة الامر ترى الحياة بألوانها الزاهية فقد اختصر البشير خريف وصفها بقوله كوخ وثلاثة صغار وأمهم وكلب وبطالة كثيرا ما تطغي على العمل . لقد ابرم ذات يوم صفقة هامة كلفه أحد الحرفاء بحمل أثاث من براكة متداعية فطلب أخشابها مقابل أجره وعن له أن يقضى بها الصيف مع عائلته على شاطئ البحر والاعتر هذا يأخذ من طبع الكاتب المرح شيئا كثيرا الا أن هذه الفكاهة تخفى وراءها مرارة دفينة كتفاؤل أبي ماضى الذى يأبى بعض النقاد الا يروا فيه الا تشاؤما مكبوتا عاد الاعتر ذات ليلة وأطفاله على الطوى وأخذ يسأل أفراد عائلته عما يشتهون من الاكل وكلما طلبت منه أكلة الا وغناها ونقر البندير . طلب آبن له حلوة حلقوم فأعطاه اياها غناء ) يا والله حلقوم معطر بالبندق واللوز مكعبر ( وطلبت زوجته دواء لابنتها فغنى الفرج للبنية وللمرأة دجاجة مصلية وهكذا يتفجر الكبت ويغطى نقر

البندير هذه الاصوات المتصافحة حتى تهل عليهم بشرى فى تلك الليلة الباردة فينامون على أمل جديد ونرى البشير خريف يتدخل فى هذه القصة أكثر مما فعل فى خليفة الاقرع فيعلق ويقارن بعض الحالات باوضاع تاريخية أو يدعمها بحكم واشعار وهو لم يتخل فى ذلك عن لغته اى عن العامية فى الحوار والاشتقاق من العامية على الاوزان العربية وكثيرا ما يصيب البشير خريف عصفورين بحجر واحد حين تكون الكلمة العامية تحمل نفس المعنى فى اللغة الفصحى الا انها مهجورة .

أما محفظة السمار فهي مستوحاة من أيام الكفاح الوطني ويبدو أن البشير خريف نفسه أحد أبطال هذه الاقصوصة . انها تربط بين جيلين جيل الذين افتكوا الاستقلال بأظافرهم كما يقول الكاتب وجيل الذين ينعمون به فمن بحيرة السيجومي في ذكرى الشهداء نرى امرأة تحث السير الى حيث يقيم البناؤون نصبا تذكاريا ويبديها محفظة عزيزة عليها لا تريد أن تتركها بين أيد غبية وقد تقدمت بها السن ثم يعود بنا البشير خريف الى حوادث 9 أفريل بل قبلها بكثير أيام كانت هذه المرأة بنية وتعرفت على صبى زائر ثم افترقا ثم جمعتهما الايام وظروف الكفاح ويمعن خريف فى تشخيص ذكرياته عن تلك الايام المجيدة فنرى هذا الشاب ضمن المجموعات الشعبية التى سارت وراء القائد غير مبالية بالسجن والموت نراه يوزع المناشير ويقتلع الصفائح الفرنسية من الشوارع ويسقط فى آخر الامر شهيدا فى حوادث 9 افريل وكانت حبيبته قد خرجت تبحث عنه فوجدت جثته قرب الميضاة وسلمها الوقاد محفظة خرج بها هذا الشاب فى المظاهرة فضمتها الى صدرها ومضت وتمضى الايام ويحرر الوطن فيعز عليها أن تتلف المحفظة فتجئ بها الى السيجومي وتحرقها أمام النصب

ويقول البشير خريف فالمتأمل فى النصب وهو سارية بسيطة ذات ثلاثة أمتار تقريبا يعلوها هرم صغير يرى فى الاسمنت بقعة أغمق من غيرها ذلك أثر محفظة السمار ولا تسأل هل هذا حقيقة أو خيال فالمهم ان البشير خريف اعطى لتلك البقع السوداء مدلولا خفيا واستلهم منها قصة جميلة .

واذا كانت الاقصوصة الرابعة من مجموعة مشموم الفل لا تخرج عن جو خريف القصصي فان ) المروض والثور ( لها لون خاص نكاد نسميه رمزية فالثور المصارع ينقلب الى قوة لانه اكتسب عقلا ويخرج مع مروضه ويتحادثان بما لا نفهم ومغزى هذا الرمز ان العقل هو مصدر القوة ولا يعطينا الكاتب مزيدا من الشرح وخلاصة القول ان مجموعة البشير خريف مشموم فواح العبير وهو يتميز عن الروايتين السابقتين برق الليل والدفلة فى عراجينها بأنه يقدم لنا خريف في أقصوصات قصيرة مما يدل على تنوع انتاجه وطول نفسه وخصوبة مادته .

اشترك في نشرتنا البريدية