الموت هو القضية الكبرى والمشكل الاساسي الذي سيعتنى به محمود المسعدى فى كتابه (( مولد النسان ))(1) . وقد حاول(( مدين )) جهده - وهو بطل مولد النسيان - أن يتغلب على الموت وأخذ على نفسه عهدا ((ليقعن له سر الجمود البقاء والأبد القرار وليفنين الموت أو يفنين الحياة ويكون آخر عزمه وجهده ..))(2) ويبقى مدين على عهده قائما وفى سبيل تحقيق ضالته ناشطا حتى اذا ما خذلته نفسه ومسه بالضر دواؤه هزمه الموت وصرعه الصرعة التى لا حياة من بعدها.. وكذا كان أمر ((غيلان )) من قبله فى السد آمن بالفعل وتحدى العراقيل والحدود وكفر بالنواميس وأنكر العجز والاسلام حتى اذا ما لم يبق له لبلوغ غايته حيلة وخانه العزم والساعد أذابه الفعل ودكته العواصف وسده دكا .
وموضوع الموت قديم قدم الانسان ، احتل الحديث عنه فى الشعر العربى عموما وفي الزهديات خصوصا منزلة لم يحتلها موضوع آخر . فقد تحدث العرب عن الدهر وعن الموت فى الشعر الرثائى ونشأته وفى الشعر الحماسي والشعر الحكمي خاصة . وليس مدين بالشاعر الجاهلى الذى حرض على الموت خدمة للقبيلة وتضحية فى سبيل العشيرة ولا هو بالزاهد الذي ذكر الموت فى السر والعلن ودعا الى الاقلاع عن الدنيا وملذاتها للفوز بالحياة الاخرى . لم يكن مدين الى هذا الصنف من الناس ولا الى أولائك ينتسب . هو الرجل الطبيب الذي آمن بالعلم والمادة ورأى أن ((فى مصارعة الموت ومناصرة الحياة)) أمرا واجبا لا بد منه وأنه(( لا بد من كسر الزمان أو تشويش دواليبه حتى يختلط ويهذى كالسكران طوعا أو كرها (3) )) .
تبدأ القصة فيبدو مدين قد تجهز للموت بأحسن جهاز وأعد له من الآلات والدواء ما استطاع فأقام لنفسه ولمرضاه مارستانا يحميه ويحميهم من الموت. فقد آمن مدين فعلا انه قادر على مغالبة الموت وقهره وكفرت ليلى زوجته بقدرته. وعابت عليه تنطعه وإصراره وعناده و(( تجاوز طاقتها هذا الحر يثقل كالندم وهذا العفن كالجثث البوالى ، وهذه الغدران . . وكرهت عينها أن لا تصيب إلا جثث الموتى ، ونفسها أن لا يقع لها الا معانى الموت والفناء ، وبرمت بهذه الارض الندية المسترخية اللخناءء )) (4) .
ويباغت مدين ذات صباح بموت أحد مرضاه بالمارستان فتنتابه حيرة شديدة ويتلبسه اضطراب شديد ويشعر بخيبة فى قرارة نفسه ويزداد نقمة على الموت الذي أدرك مرضاه وهم بالمارستان ولكنه لا يستكين ولا يهدأ له بال فتأسف لحاله ليلى وتناشده أن يقلع عن هذا العمل وعن هذا البلد وأن(( يسلما للموت أمره وللاموات ويطلبا لنفسيهما الحياة )) (5) .
ويجيبها مدين فى لهجة ظاهرها فيه العزم والمضى الى الامام وباطنها فيه العجز والاسلام : (( ومتى سهونا يا ليلى عن طلب الحياة ؟ أنظرى حسنك وسلامة جسمك والمائدة بين بديك ، إنا لا نفتأ نطلب الحياة ونطعم ونشرب فنهيئ للدود الطعام )) (6).
ويبقى صوت ليلى كصوت الصارخ فى قعر بئر بينما تعود الى مدين " أسماء " ذكراه وقد فارقته طويلا فيناجيها وتناجيه ويهش لقدومها لانها وعدته بالمجيء فكانت من الصادقين ، ولكن أسماء تعترف أنها كانت من الكاذبين فيقول :
"... استطعت الكذب فكذبت وكذبتك وكذبت نفسى ، وآمنت بالباطل فى حياتى . وكنت أقول إنى مؤمنة بالصورة ، مؤمنة بهندسة السوارى والتماثيل ، كافرة بمادة السارية والتمثال فتقول : إنى مؤمن بالمادة يا أسماء . وتقول : إنه ليس من الحق الا محض المادة ، لم تعمل فيه هندسة ولم يهذبه شكل لا صورة ولا زنة ، المادة المحضة " ( 7 ) .
لقد أحب مدين الحياة ولشد ما أنكر أن تبعث الارواح بلا أجسام فتبقى متلهفة عليها " ويعيد الموت الحياة فى صورة شوهاء قبيحة ، ويعجز أن يكون مصبها ومقرها وأقصى درجات قرارها سكونا ويثقلها ذكريات وأسفا على الجسد وافتقادا لماض الوجود ولوعة . . وقد بلى الجسد وفنيت كل حياة " (8) صعب على مدين أن يرى الارواح تبعث وحيدة بعد معاشرة للاجسام طويلة وحز فى نفسه أن تكون الاجساد بعد النضارة والحسن نهبا للحشرات والديدان . وكان كلام أسماء يذكى حيرته واضطرابه حين يسمعها تقول :
" أين يا مدين جسدى معدن روحى ، أين أنا المفقود حسا ومعنى ؟ لقد بكيت وكثر بكائى وأعولت حتى مللت عويلى ، ومزقت روحى أشلاء ، وحملت على الأجساد أريد دخولها ولم أجد فيها شقا . . . " (9 ) .
أدرك مدين كل ذلك فزاد حبه للدنيا وتعلقه بها وتفاقم كرهه للموت هادم اللذات ومزيل النعم وعرف أن عدوه الموت يقتفى أثره فى كل لحظة ويحذره نفسه بواسطة الاموات الذين أعد لهم مدين مارستانه . فخوف مدين من الموت ناتج عن إيمان وإن لم يبده بأن الموت مدركه لا محالة وكأنه يقاسم أبا العتاهية أفكاره عندما يقول :
وإني لممن يكره الموت والبلى ويعجبه ريح الحياة وطيبها
رأيت المنايا قسمت بين أنفس ونفسى سيأتى بعدهن نصيبها
فحتى متى حتى متى والى متى يدوم طلوع الشمس لى وغروبها
ويتفاقم شعور مدين بالمرارة والأسى على فقدان الجسد " فيصير كل شئ سببا الى الفعل ويصير عنده كل ما سواه من ناس وغير ناس كقطع اللعب أو خيالا ولعبا محضا واذا هو قد حصر همه فى مطاردة عدوه الموت وجعل كل مريض وكل مرض سببا الى ذلك " (10) .
ولكن أعماله لم تزد على أن تكون " رقعا " و " رما " وتلفقا لا غير ، إذ الانسان يرفع والخطوب تمزق ( على حد تعبير أبى العتاهية ( فيعجز مدين أمام لموت وتغشى نفسه الوساوس وتصيبه الحمى أياما ويعرض عن التداوى بدوائه و ينكر نفسه و ينكر أعماله ويسلم أمره الى " رنجهاد " الساحرة يطلب الى السحر الشفاء ! وتستخبر ليلى عن رنجهاد وعن سحرها فاذا هي امرأة تداوى بالنسيان مرضاها علمت مدين السكون " وأن الحركة الدائمة جنون " وهى دائمة السكون ولو طارت ولو مشت لا حراك لها ولا يدرك لقرارها نهاية وفيها احتقار للناس غاية ، وفيها أنفاس الابدية ، اذا تكلمت انتفى الزمان والفواصل والصورة وجاءت كلماتها لا سابقة ولا لاحقة . . . (11) .
وتغشى ليلى حيرة واضطراب وهي التى عرفت من مدين إيمانا بالفعل وعزما على مصارعة الموت فاذا هي كالسائلة : " أو لهذا أسلمت ؟ وتناسيت أنك صاحب المارستان طبيبه واستغثت ساحرة ؟ أو داخلك الخوف ؟ أم جاءت خشية الموت يا مدين ؟ " (12) .
يمضى وقت ومدين بتردد على رنجهاد الساحرة وقد خبت آماله ولم يجد حصنا يحميه من الموت ولا دواء بقيه منه فاذا هو العالم المجرب الذي أنعم النظر فى الاشياء والطبيب الذى انطلق من الشك ليصل الى اليقين يعترف فى غير ريبة ولا تردد بعجزه وانكساره " . . . ثم نظرت فاذا الاحلام فانية والامانى
ترحيها شديدا رحى الزمان ؛ وتذرو هباءها ليالى وأيامى ، فصغر عندى شأن كبير الاطباء وما ابتكرت من الدواء وما غلبت من الادواء . وثقل على انكسارى أمام الفناء وعجزى . وكرهت حياتى وأبغضت نفسى " .
عاد الى مدين شئ من رشده وغشى نفسه شئ من الاسلام ولكن عقله أبى أن يستسلم وكان يحرك تفكيره من حين لآخر هؤلاء الاموات الذين فارقوا الحياة بعد ان تمرغوا فى خيراتها وعرفوا نضارتها وحسنها ، وهذه " الهياكل من العظام الرميمة تقوم فتمشى ، ثم تكتسى لحما وألوانا وصحة وجمالا ثم تشيخ وتساقط فيأكلها الدود ، فتذهب رمادا وتعود رفاتا فى طرفة عين " (14) يرى كل هذه الأشياء فتحيا من جديد فى نفسه فكرة مصارعة الموت والانتصار عليه فيكتمها ولا يبديها لغيره فينقطع الى مارستانه وفى نفسه من العناد ما فيها وفيها من الامل ما فيها وينهمك فى تركيب عقاره وتذهب اليه هند الجارية بطعامه كل يوم وهو فى مكانه لا يزحزحه عنه مزحزح حتى اذا ما أخذ منه لجهد وخيل اليه انه اصطنع عقاره وبلغ النجح جاء ليى ليلا وقال : " الليلة النهاية يا ليلى " (15) انطلقت هذه الجملة من فيه كالسهم وهزته العزة باختراع دواء الموت هزا وأيقن أن الليلة ستكون " نهاية الباطل وابتداء الحق ولكن ليلى لم تصدق ولم تؤمن بمعنوى الخيال لانها آمنت بالواقع منذ البداية ورأت أن طلب المستحيل مستحيل وأن كل تحد سيرد بتحد أقوى منه وأكبر . وكذا آمنت ميمونة من قبلها فى السد ، لكن مدين مقامر مغامر يرى " الآلهة والنفس والاديان والفكر والعلم كالسدود تقام وتجعل لها الحكمة والعقل أساسا ، فتنتصب واقية الواقع من جرف السيل والحياة من الجنون . . . " (16) وتنتهى رحلة مدين فى عالم الخيال عالم موجود بالقوة وليس موجودا بالفعل ويشرب عقاره الذى ركبه بيده فاذا هو كالسكران وما هو بسكران ولكن الدواء كان أمر من العلقم وأثقل على النفس من شرب الحنظل فهرعت اليه ليلى تبغى نجدته ولكن الجسد خانه وكذلك الروح فلا هو استطاع الخلود ولا هى ، فكان الموت الزؤام وكان النسيان الأبدى .
تنتهى القصة وينتهى معها مدين بينما يبقى هيكل الموت جاثما يتحدى كل كبرياء ويترصد المغامرين من أمثال مدين .
والقصة واقعة كلها بين حدين موت أحد المرضى بالمارستان ثم موت مدين صاحب المارستان واذا كل الحوادث التى تجرى فى القصة موجودة بين هذين الطرفين بينما يبقى عنصر الموت قاسما مشتركا تبدأ به القصة وبه تختم .
ولئن كان الموت هو العنصر الاساسى فى قصة مولد النسيان فلم يمنع ذلك من وجود عناصر أخرى كانت شغل مدين الشاغل . والموت فى حد ذاته لا يعنى شيئا اذا لم يتساءل الانسان عن أسبابه وعما سيعقبه . لذلك دار حديث طويل كان ما ورائيا خالصا بين مدين ورنجهاد اذا كان الموت أمرا حتميا ولا مرد له فما هو مآل الميت ؟ هل ستبعث الاموات بعثا جديدا بعد مفارقتها الحياة ؟ وإن كان ذلك كذلك فهل سيبعث الانسان روحا دون جسم أم أنه سيبعث روحا وجسما معا ؟ كانت كل هذه الاسئلة شغل مدين الشاغل تطارحها مع رنجهاد التى جالت به فى عالم الموتى عالم بكى أصحابه ومزقوا أرواحهم أشلاء على الروح التى فارقتهم فاذا الاجسام بلا روح كلا شئ واذا الروح بعد أن تخلصت من الجسم تاقت اليه من جديد وهزتها الذكريات الى ماض لا يمكن أن يحيا الا اذا اجتمعت الروح والجسم معا فلا فراق ولا قطيعة . . .
