الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات, مع الزواتي فى ديوانه (( عبير الدماء ))

Share

أشعاره تمتاز بحيوية الأسلوب وعنف الحركة وتتمتع بالزخم الثوري والغضب المقدس

صدر في الآونة الأخيرة عن مكتبة الخلود الكبرى في الكويت الطبعة الثانية من ديوان عبير الدماء لشاعر الأرض المحتلة حلمي الزواتي ، وكانت الطبعة الأولى في الأرض المحتلة .

ولد حلمي في مدينة نابلس والشعر مفطور في نفسه منذ نعومة أظفاره وعندما حلت هزيمة حزيران هزت شاعرنا من أعماقه ، وأثارت نفسه الشابة المتألقة ، وصقلت موهبته الفطرية فكانت قصائده معبرة عن الآلم الشديد والمرارة الكبيرة التي أصابت شعبه .

إن حلمي هو ابن المأساة ، فما ان شب وتيقظ حتى وجد نفسه وشعبه مكبلا بكل القيود ، أراد أن يخترق هذا الجدار العظيم من الصمت

الرهيب المهمين فكان لا بد من حادثة عظيمة تفجر منه الطاقات الكامنة في داخله ، فكانت هذه الحادثة نكبة حزيران ، ففجرت شاعريته ، ووعى الأحداث وقام بالدور الملقى  عليه شأنه في ذلك شأن كل شاب واع ، عرف دوره ومسؤولياته فانطلق واختط طريقه مقتفيا أثر اخوانه شعراء المقاومة في الوطن المحتل الذين عانوا تجربة المرارة منذ عشرين عاما فأخذ يسير في نهجهم ، وطريقهم ، طريق التوعية والنضال والوقوف في وجه العدو ومخططاته الهادفة إلى تفريغ الأرض وقتل وتشريد إنسانها ، لكن جهود الطليعة من هؤلاء بددت أحلامهم وقادت الناس إلى الطريق الصحيح طريق الإلتزام والتمسك بالأرض وترابها .

إن هذه المجموعة من إنتاج الشاعر ، شأنها شأن أشعار المقاومة وشأن جميع أشعاره من حيث وضوح الخط والهدف ، إلا أن الدارس المتفحص لها يجد فيها عمقا من الرسيس الفني الرائع ، تدل على شاعر متمكن من فنه ، عارف لأصوله ، مدرك لأبعاده ، كما تنم عن تجربة رائعة ، أشعارها تقودنا إلى رؤى وتصورات تخلق عالما جديدا ، فهي سجل واع للحديث عن الأزمة والتمزق .

إن الدارس المتفحص لهذه المجموعة يلمح الشاعر وموقفه النضالي من الأرض والإنسان ، فهو في قصائده الأولى يتحدث عن الرفض للواقع المعاش والضياع والاغلال والتشرد ورفض الأحزان وتخطى الهزيمة وعدم الوقوف والتباكي عندها ، متمسكا بالأرض ، مبينا تاريخها الراسخ في الجذور :

أشرب أحزاني ... أجرعها

وهمود الليل

على سيقان الفجر يخور

أسأل عن آلام القوم

أبددها ...

أتحدث طول اليوم

عن الزيتون ،

عن الزعتر ،

عن طفلتنا الصغرى

المذبوحة في سكين الذل

على شرفات قصور .

وعندما تتأجج نار الغضب ويكبر عنفوان التأثر فالمقاومة عند شاعرنا لا تقتصر على القلم وإنما تتعداها ليحمل البندقية ويحطم شفرات الموت .

قسما  :

سأدوس على شفرات الموت

أحطمها  ...

وأداوي جرحي بتراب الأرض

أثور

والمتتبع لهذه القصائد يلمح أبعاد الرؤية النضالية الواضحة عند الشاعر ، وهي ذات أبعاد عميقة وبعيدة تمتد في جذورها عبر الجهاد الطويل في العصور ، ثم إن الشاعر متفائل حيث يرى بأن المستقبل سينبىء بشىء جديد مخطط له ، وهو النصر وتحرير الأرض والإنسان ، والرؤية هذه عنده واضحة غير ضبابية ، وشخوصه واضحة مسطرة الصفحات المشرقة في التاريخ ...

فهو يتحدث عن نضال الأمة العربية ، ويمزج ثورة الجزائر بثورة فلسطين مبينأ بطولة الفتاة العربية من جميلة بوحيرد إلى شادية أبو غزالة وسهام الوزني وفاطمة برناوي وليلى خالد

قالوا لهم هذي جميله

فاشربوا دمها الزكي

وكبلوها بالحديد

هيا انسلوا من مقلتيها نورها

فالنور في عيني جميله

لا يبيد

وكما انه يؤمن بالإنسان الذي يصنع نفسه ومصيره ، وهذا الإنسان ينتمي إلى طبقة معينة ، هو الفلاح الذي يتعاور الحب في كل يوم مع الأرض وأشجارها الراسخة في أعماقها ، وهو يعبر عن حركة التحرير الوطني ، ويراها في أزهار وبرز الزيتون ... والمحاولات الدنيئة لقطعها قبل الأثمار :

ماذا عن الغدر المبيت للأحبة والشباب ؟

ماذا لأبناء العروبة ، هل فداهم مستراب ؟

ماذا جرى يا أخوتي أن تصبحوا بين الذئاب ؟

ماذا عن الزيتونة العذراء في وسط الشعاب ؟

هلا نويتم قطعها فهي المواسي والشراب

وكما أن الشاعر ملتزم في موقفه ، فهو يحمل هموم شعبه ويتصدى لأعدائه ، والدعوات التي ينشرها ويثيرها بعض البسطاء والتصدى للأعداء في المواجهة المجسدة يوميا ولمخططاتهم غير مبال بسجن ولا تعذيب ولا اضطهاد :

يا من جرحت كرامة الإنسان

مهلا .. يا جماد

اعلم بأن النار لن تخبو ،

وإن كتر الرماد

وأعلم بأن الليل لن يبقى

فقد طال السهاد

ومن قصيدة أخرى يقف أمام دعوى رئيس رابطة الدفاع اليهودية عندما طالب بإخراج العرب من القدس :

كسهانا قف  ... !!

ألا تعلم بأن الصمت يعقبه انفجار ؟!

كسهانا قد عشقنا كل شبر

وزينا التراب بجلنار

ألا تعلم كسهانا قد زرعنا

مع الزيتون في كل القفار  ؟

والشاعر (( الزواتي )) يتغنى بحب الأرض وحبه للارض يصل إلى لحظة الانتدماج والتوحد ، ولا غرو في ذلك فهو من بيئة قروية ، يتوحد مع الارض في كل صباح ومساء ، فقد عمرها أجداده بسواعدهم ، وعليه أن يحميها بكل ما يملك و يفديها بنفسه :

سأبني مجدنا المهدوم

في أرض هويناها

عشقناها كثيرا قبل أن نكبر

سأمضي يا أحبائي

وأغسل ذلكم بالسيف

بالقادوم والمنشار والمنجل

وبالمذراة ...

أذرو ما تبقى من مآسينا

على البيدر

وفلسطين هي عشيقته ، محبوبته وفتاة أحلامه :

على خديك والنهدين أدعو

وأسجد للاله بكل وادي

ومن ذاك الأريج يكون عطري

ومن ذاك الشذى بين الوهاد

وهكذا استطاع ((الزواتي)) أن ينطلق من المهد والقماط إلى المعركة فورا ، تخطى دائرة الذات وأخذ يعاني ما يعانيه من حوله من الناس ، فحمل آلامهم وآمالهم ، وها هو الزواتي يخترق هذا المجال وينتقل بنفسه إلى الدائرة ذات الأبعاد والرؤي الإنسانية الكبيرة ، ليرى مأساته وهكذا تحمل تجربته هموم الجماعة الإنسانية ، وبذلك تكتمل التجربة الشعرية .

وأشعار الزواتي هذه تمتاز بالبساطة في العرض والمباشرة وبالرموز الواضحة الموحية الشفافة ، فالقرية والزيتون والزعتر والخنطل والكراديش والقادوم والمنشار والمذراة والطابون من وحي البيئة وتدل على انتماء الشاعر والتزامه بهموم الجماعة .

وأشعاره هذه تمتاز بحيوية الأسلوب ، وعنف الحركة وبالزخم الثوري ، ومن ناحية مضمونها فإنها تتميز بالغضب المقدس على الاحتلال وجرائمه الكثيرة والإصرار الشعبي على رفض الاحتلال ، والاستعداد للبذل والتضحية للتخلص منه ، وهو بلا شك ينبئ بالخير الكثير لالتزامه بخط سيره هذا ، فهو بحق شاعر الأرض المحتلة وفلاحها الأصيل بأعمق وجوده ونأمل أن يخرج علينا بانتاجه الجديد مسطرا بذلك أروع صور الصمود والتحدي والثورة ورفض الواقع والأحزان .

اشترك في نشرتنا البريدية