1 - التقديم المادي : قصة " قبور فى الماء " هي قصة من تأليف الاديب " محمد زفزاف " صادرة من الدار العربية للكتاب - تونس ليبيا - سنة ثمان وسبعين وتسعمائة والف تقع فى مائة صفحة من الحجم المتوسط
2 - تلخيص القصة : تصور القصة مشاغل بلدة ساحلية تدعي " المهدية " تعاني الطبقة الضعيفة فيها الامرين نتيجة الفقر وعدم الاطمئنان على مصير البحارة الذين انقطعت أخبارهم منذ ما يقرب عن عشرة ايام كاملة .
لقد طال انتظار الآباء والامهات والزوجات لكن بدون جدوى فلقد بلغهم فى النهاية نعى النوتية . وتنتهي القصة بوليمر اقامها العياشي صاحب المركب على شرف الاهالى انستهم فى ذويهم المفقودين وادخلتهم فى نشوة منقطعة النظير .
3 - الأطر : يتجلى فى هذه القصة اطاران بارزان هما اطارا الزمان والمكان أ - الاطار الزماني : زمن القصة يحمل على الماضي المطلق تعبر عنه أفعال ما فى صيغة الماضى أو المضارع الذى يؤتى به قصد الوصف والاشارة إلى تطور الاحداث نسبيا فى نطاق اطار زمانى عام هو الماضى مثلما تبينه سلسلة الجمل التالية ) يدس قدميه فى الماء - تراجع فى قراره - يمشى بعيدا ( ان الافعال
الثلاثة الواردة ) يدس - تراجع - يمشى ( تمثل ثلاث حالات عاشها الطفل كلها وقعت فى الماضى غير انها تختلف فيما بينها من حيث تطور الحركة فالفعل الاول جاء فى صيغة المضارع يدل على حالة الشروع فى حركة لم تنته بعد والفعل الثاني جاء فى الماضى يدل على حالة تمت فيها الحركة والفعل الثالث يدل على الاستمرار فى القيام بالحركة او استئناف العمل اعتبارا للفعل الثاني .
ب - الاطار المكانى : يحمل المكان الرئيسى على بلدة ساحلية تسمى " المهدية " تحدد بشاطئها وبمرفئها وبمرتفعاتها ومبانيها على أن هذا المكان يكاد يحتضن كل أحداث القصة فالتطور فيه لا يتعدى مساحة تطور الاحداث ولا يتجاوز رقعة الارض التى تكتنف مشاغل الناس الموجودين على اديمها .
4 - الاشخاص : تمثل الشخصيات فى هذه القصة نماذج مختلفة فهى تنقسم الى راو واشخاص ينقسمون بدورهم الى أشخاص رئيسيين واشخاص ثانويين ثم الى أشخاص " حشويين " او " هامشيين "
أ - الراوى : يكاد يكون الراوي هو الشخصية المهينمة فهو الذى ينقل الاطار والاشخاص بصفة تقريرية يقل فيها الحوار ويطغى عنصر السرد تم يرسم هيئاتها وملامحهم فهو يقول مثلا فى بداية القصة انزلقت قدم علال فوق التراب لجاف - ثم أوقفتها نباتات أو جذور نباتات متمكنة من الارض وتنفس بملء صدره " ثم هو الذي يستبطنهم قائلا : " ظل العيساوي صامتا . . ونظر بعينين يملؤهما القهر الى البحر المنبسط باستلام خادع " فالراوى فى هذه القصة لا يكتفى بالنقل المجرد للاحداث والوقائع وانما يقوم فى نفس الوقت بعملتى استقراء واستيطان اشخاص القصة ويظهر ذلك فى ادعاء الراوى معرفة الحالة النفسية للرجلين اللذين يقول فيهما : " وبقى الرجلان لحظات صامتين لا يفكران كأن هناك جمود باطني ، ان الراوى فى هذه القصة يمثل همزة وصل بين القارىء وكل عنصر من عناصر القصة فهو منظار يتلون بتلون اعمال الاشخاص وسكناتهم وهذا ما يجعل القارئ لا يتحاور فى الغالب
مباشرة مع احداث القصة وانما يتبع منحى رسمه له الراوي الذي يرتبط بالشخصيات الاخرى ارتباطات متباينة كارتباطات المعاشرة والمفارقة ثم يقف فى النهاية موقفا سلبيا لا يعدو موقف المتفرج الذي التزم موقف الحياد والانسياق فى خضم عقلية القوم المستضعفين المستسلمين لمشيئة القضاء والقدر =
ب - الاشخاص الرئيسيون : هؤلاء الاشخاص يمثلهم العيساوى وعلال والام فهم يتصدرون الاحداث ويمثلون الشرارة الاولى لانطلاقة القصة بواسطة حوار دار بين العيساوى وعلال يستخلص من خلاله موضوع القصة اذ يقول علال : " غير ممكن عشرة ايام هذا شئ مستحيل " ويجيبه العيساوى بطريقة غير مباشرة عن طريق القاء الأسئلة ألا تذكر مركب دحمان ألم تأتنا أخبار غرقه ؟ " فمن أول وهلة بضعنا الحوار أمام أمر هام يتعلق باحتمال حصول غرق مركب بدأت بوادر الانشغال به على مستوى أقارب البحارين . كما يلاحظ في شأن الاشخاص الرئيسيين انهم يختلفون عن سائر الاشخاص الرئيسيين فى القصص العادية الأخرى فهم لا يخضعون فى عملهم الى منطق تطور الاحداث وانما يظهرون ويختفون واختفاؤهم يطول احيانا إلى درجة أن القارىء يشعر احيانا بانقطاع الصلة بينهم وبين المسار العام للقصة فيعوضهم في الغالب أشخاص ثانوية او حشويون مما يجعل وظيفتهم تنصرف عن الدور الرئيسى فى القصة وهو دور الابطال .
ج - الاشخاص الثانويون : من الأشخاص الرئيسيين من كان حضوره ثانويا غير مباشر اما عن طريق الراوى او عن طريق الاشخاص الرئيسيين مثل شخصيتي الطفل والعياشى فالعياشى يقول فيه العيساوى : " وماذا تعتقد انه سوف يجيء لكى يطمئن على مركبه فاذا ضاع سيكون ثالث مركب يضيع له لان العياشي رجل غنى وهو ليس فى حاجة الى مركب وهو يستطيع ان يعيش سواء أضاع المركب او لم يضع " فمثل هذا القول يكشف عن شخصية العياشى ذلك الرجل الثرى الذي لا يفكر الا فى مصلحته ومن هنا توضع أمام القارئ عدة اسئلة تحدد علاقة هذه الشخصية بمن حولها فهي وان كان حضورها حضورا ثانويا فهى شخصية محورية بالدرجة الاولى من حيث اشتغال أهالى البلدة بها فهي تمثل مركز الاهتمام تحوم حولها كل معاني الاستغلال والمكر والاسراف في البذخ والوان الترف ولذلك يقول فيه العيساوى : " ان له سيارات وفيلات في المدينة
ويرتدى كل يوم أثوابا جديدة ان هذه الوضعية المادية ليست فى نظر العامة الذين يمثلهم عزوز وبالعربى وبقية الرجال ناتجة عن استغلال البحارين وانما هو نتيجة لامور ماورائية لا يمكن تفسيرها الا بالعودة الى القضاء والقدر "
د - الاشخاص الحشويون الى جانب الاشخاص الرئيسيين والثانويين هناك أشخاص حشويون او هامشيون يساهمون فى اضفاء شىء من الجمالية على حياة البلدة الساحلية وتجسيم العقلية السائدة ومن بين هؤلاء نذكر على سبيل المثال الحسناوى وعيوشة والمعطى والقهواجى والدرقاوى وابراهيم المؤذن وابراهيم التاجر والمعلم بيوض واخيرا الاطفال فهؤلاء جميعا يتصفون فى سلوكهم بصفات القنع والاكتفاء بالقليل ويتميزون بسطحية الرؤية والخنوع
5 - البعد الاجتماعي للقصة : للقصة بعد اجتماعي بين يدل على تناقض يشمل جميع مستويات الحياة فى لبلدة فهو ينم عن عقلية مكبلة بالجهل والتخلف وهذا ما جعل اصحاب هذه العقلية يسلمون فى ذويهم مقابل لقمة سائغة يمن بها عليهم رجل يغيهم ويذر فى عيونهم الرماد
6 - ملاحظات نقدية عامة : أ - الاشخاص : ان الذى يلاحظ فى أشخاص القصة وخاصة الرئيسيين منهم انهم لا يخضعون فى حضور هو سواء على مستوى الاعمال او مستوى الاقوال لتدرج منطقي مما يجعل سير الاحداث غير واضح العلاقة الرابطة بين وظيفة الاشخاص وعناصر القصة من اطر زمانية ومكانية ومن عقدة وخاتم فالبطل مثلا لا نكاد نميزه من بين الجمع الغفير اذ هو شئ ضبابي نلمحه أحيانا بين مجموعة من الافراد جمعتهم رقعة أرض واحدة تأقفوا وتواعدوا لكم انتهى بهم المطاف الى قبول الامر المقضى والاستجابة للواقع الذي فرضه عليها العياشى صاحب المركب فاكتفوا بزردة رخيصة بعدما كانوا يطالبون بالدية وهكذا استجاب اشخاص القصة لنداء البطون وتغافلوا عن المطالبة بحقوقهم
ب - اللغة والاسلوب : ان الذى يلاحظ بالنسبة للبناء القصصى العام غياب عنصر التشويق مما يجعل القارئ يحس بجفاف في الاسلوب القصص يبعث على السامة وبذل المجهود فى الانتقال من صفحة الى اخرى . كما ان القصة تكاد تخلو من ركائزها الاساسية وهي العقدة . فلم أتحسس من أول القصة ذلك الخيط الخفي الذي يسير بالقارئ تدريجيا نحو التأزم ثم ينحدر نحو الانفراج وه وهذا ما دفع الكاتب حسب رأيى الى حشر الخاتمة حشرا ينبئ فى شىء من التجاوز بالقطيعة بين تلك الخاتمة والبناء العام للقصة . كما ان الكاتب حاول عن مستوى اللغة مزج الفصحى بالعامية مزجا يبقى محل نظر . فقد استعمل مثلا بعض الالفاظ والعبارات يسميها البعض بالحوشية لا ندرى القصد منها هل ان الاتيان بها يدخل في باب مزج الجد بالهزل وتفادى ما نقص من عناصر التشويق أم أنها رغبة من الكاتب فى نقل التراث الشعبى الذى تغافلت الكتب المحافظة عنه ؟ أم أنه تقليد لبعض الكتاب المعاصرين الذين استعملوا مثل تلك الالفاظ فى مكانها المناسب
ج - كلمة أخيرة : ومهما يكن من أمر فان هذه الملاحظات لم تكن سوى استنتاجات شخصية جاءت نتيجة قراءة أولى لقصة تبدو ذات مدلول اجتماعي هادف تنتظر قراءات أخرى .
