1 - تمهيد :
أصدر المركز القومى البيداغوجى فى شهر أكتوبر 1979 نشرة تجريبية لكتاب النصوص (( المنهل )) الذى أعده الأساتذة المنصف العذار والمنصف ذويب ومحمد السيالة وفقا للتعليمات الجديدة التى وضعتها ادارة البرامج التابعة لوزارة التربية القومية فى نطاق تجديد المناهج والبحث عن الطرق التى يأمل الاستاذ محمد مزالى وزير التربية القومية أن يتوخاها الاساتذة لمزيد من الاشعاع داخل أقسامهم وكذلك من أجل وضع برامج تتماشى أكثر مع طموحات شعبنا التواق الى الغد الأفضل .
ظهر هذا الكتاب فى مائة وأربعين صفحة من الحجم الصغير محتويا على اثنين وخمسين نصا مشفوعة بأجهزتها التربوية من ترجمات موجزة لكثير من أصحاب النصوص وتقديم مختصر لظروف تلك المقالات فى كثير من الاحيان الى الشرح اللغوى الميسر فالاسئلة المتعمقة فى معانى تلك النصوص .
وقد فاز الانتاج التونسى قديمه وخصوصا الحديث منه والمعاصر بنصيب الأسد إذ كان عدد (( نصوصنا )) خمسة وثلاثين من مجموع اثنين وخمسين ، بحيث قاربت النسبة السبعين بالمائة ( % 70 ) ، كما كان عدد الكتاب والمفكرين والأدباء التونسيين ستة وعشرين علما ، نذكر منهم الرئيس الحبيب بورقيبة وحسن حسنى عبد الوهاب ومحمد العربى الكبادى والشاذلى عطاء الله ومصطفى خريف والبشير بن سلامة ومحمد السويسى ونور الدين صمود ومصطفى الفارسى ؛ وقد استمد المؤلفون انتاج كتابهم من بعض مجلاتنا
ونشرياتنا التونسية كالمباحث والتجديد والفكر ودليل الفلاح الى جانب بعض المجلات الشرقية من نوع العربى وآفاق عربية والدوحة كما اعتمدوا فى (( المنهل )) على القصص التونسية المنشورة كالمنعرج لمصطفى الفارسى وعندما ينهال المطر لابن الواحة ونسور وضفادع للطاهر قيقة وفى بلاد كسرى لعبد الواحد براهم بالاضافة الى حكاية تحت السور لأبى القصة التونسية على الدوعاجى ؛ وكذلك استمد المؤلفون مواضيعهم من كتب التاريخ والمذكرات ومن أحاديث العلوم ، وأغلبها تونسية من نوع خلاصة تاريخ تونس أو تونس الجديدة أو تونس الثائرة للمرحوم على البلهوان أو كتاب العمال للطاهر الحداد أو الصين الحديثة للطاهر قيقة ولم ينسوا أن ينظروا فى سيرة (( محمد رسول الحرية )) لعبد الرحمن الرحمان الشرقاوى ولا فى قصص العلماء ورواد الطب ، وقد نقلها المشارقة عن أهل الغرب .
وكذلك وشح صدر المنهل (( عقد فريد )) من الشعر كان أبرز جواهره (( شوق وذوق )) لمصطفى خريف و (( ينبوع لا يجف )) لأحمد المختار الوزير و (( الغنم الحائر )) للهادى نعمان .
2 - محتوى الكتاب :
جاء الكتاب موافقا لبرنامج السنة الثالثة من التعليم الثانوى المهنى , وانقسم تبعا لذلك الى ثلاثة محاور رئيسية طرقت المواضيع التالية :
أ - المحور الأول ، وهو بحث فى (( القيم الانسانية والاجتماعية من خلال نماذج عظماء الانسانية )) وقد كان حافلا بالعظماء فعلا ، منهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والحبيب بورقيبة المجاهد الأكبر ، وحنبعل . وباستور ، وخالد بن الوليد ، وفرحات حشاد ، وغاندى ، وجميلة بوحيرد , وعزيزة عثمانة ، وابن خلدون ، وأديسون وغيرهم ، وبذلك تكون هذه (( القيم الانسانية والاجتماعية )) قد اتضحت من خلال تلك الأعلام ، وتوزعت على مناطق العالم غربيها وشرقيها ، تونسيها وأجنبيها ، دينها ودنيويها , وتباينت عصورها واختلفت نوعية عظمتها ومجال جهادها .
إلا أنى تمنيت لو كان عرض هذه النماذج معتمدا على التسلسل الزمنى حتى يستطيع التلميذ ، وهو فى التعليم المهنى المحدود الدراسة اللغوية والأدبية والعلمية ، أن يتبين فى وضوح أن رسالة ( محمد ) عليه السلام
جاءت قبل عمل ( غاندى ) وأن جهاد ( خير الدين ) كان قبل نضال ( محمد على الحامى ) .
ب - المحور الثانى ، وهو (( العلم والعمل فى خدمة الانسان )) ، فقد ظهرت من خلال نصوصه (( سيطرة الانسان على الطبيعة واستغلال مواردها )) كاختراع الآلة البخارية ومكافحة الحشرات وبناء السد العالى بمصر وسد زرود ( سد بورقيبة أو سد سيدى سعد ) بقيروان تونس ، وابتكار الآلات الحاسبة بعد أن اكتشفوا (( ماكنة الخياطة )) التى (( تكاد تكون اليوم قطعة أساسية من الأثاث البيتى )) ، إلا أنه كان بالامكان بل من المستحسن تدعيم هذه النصوص (( النظرية )) بأخرى عملية مستوحاة من واقع الفلاح التونسى والصانع , متماشية اكثر مع اختياراتنا فى التشغيل والتكوين ، حتى تكون أقرب الى محيط التلميذ .
ج - المحور الثالث ، وهو الخاص بالتراث الحضارى ، فقد احتوى على (( مظاهر من الفنون الجميلة )) مع بيان ما لها من أثر فعال فى (( تهذيب الذوق وتكوين الخلق الفنى انطلاقا من معالم القيروان وتونس الى ضخامة معبد الكرنك والآثار العربية بالأندلس الى بعض الخواطر فى الفن وآلاته وراقصيه وراقصاته وفى الحديث عن المسرح والسنما وعن المواهب العالمية أمثال بيتهوفن ؛ وقد كان اختيار النصوص موفقا شمل أبرز فروع الثقافة من فنون وآثار ، ولو أنه كان بالامكان التحدث عن الخلق الفنى عند الادباء والشعراء كذلك .
3 - قصائد (( المنهل )) ومشاكلها :
إن الاستجابة لنداء تونسة البرامج الدراسية ولفت نظر ناشئتنا الى انتاجنا التونسى أمر محمود سار على نهجه مؤلفو (( المنهل )) واقتنعوا كما اقتنعنا بنظرية الأديب المفكر الأستاذ محمد مزالى المعمقة لأصالتنا المؤمنة بشخصيتنا التونسية فى غير ادعاء ولا غرور ، المتفتحة على الغير فى غير تفسخ ولا تنكر لأصالتنا ، وأوردوا تبعا لذلك قصائد اختاروها لبعض شعرائنا من أجيال النصف الأول من القرن العشرين ومن أبناء نصفه الثانى كذلك ؛ إلى أن أصحاب (( المنهل )) وهم أساتذة وفيهم متفقد ، قد وقعوا - والكمال لله - فى بعض الهفوات العروضية التى ضعضعت أوزان القصائد المختارة ، أو حرفت جزئيا بعض معانيها ، كما أساؤوا وضع بعض الكلمات فى مواضعها الصحيحة
من الصدور والأعجاز . وأنا اعرف أن مثل هذا الكلام خطير بعض الشئ ، ولا يمكن نفيه أو إثباته إلا بالأدلة ، لذا اعرض على القراء الكرام جدولا فى الأبيات (( المختلة )) الواردة فى (( المنهل )) وأقترح (( محاولة التصويب )) أمامها , فهى لا تكون شفيعا لزملائى الأساتذة المؤلفين فى التبرؤ من تهمة الوقوع فيها :
البيت المختل - 1 - لأجل الحمى ناديت نفسك ( للر دى ) وقد صعق الداعى الى يا حماة كتاب المنهل ، ص 11 ، قصيدة جميلة للشاعر الهادى نعمان ، من ديوانه النغم الحائر ، الطبعة الاولى ، ص 55 .
- 2 - فى سجل الخلود تبدو اسمك ( ال خالد ) فذا ، يحوطه الاجلال . . . وانحنى الغرب إذ رآى منك ( عقــــ ــلا ) رائدا لم تشده الاغلال . . . وأجبنا ، ماذا ترى ؟ هل ( يعود الدهر ) صفوا وهل تحول الحال ؟ كتاب المنهل ، ص 36 ، قصيد ابن خلدون لمصطفى خريف من ديوانه شوق وذوق ، ص ص 113-115 .
- 3 - انظروا بطنى المثقل ( بالخير تغرى فذا الزمان زمانى
محاولة التصويب لأجل الحمى ناديت نفسك ( للردى ) وقد صعق الداعى الى يا حماة بحر القصيد هو الطويل ونوعه : فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن فعولن مفاعيل فعولن فعول
فى سجل الخلود يبدو اسمك ( الخا لد ) فذا ، يحوطه الاجلال . . . وانحنى الغرب إذ رآى منك ( عقلا ) رائدا لم تشده الأغلال . . . وأجبنا ماذا ترى ؟ هل ( يعود الد دهر ) صفوا وهل تحول الحال ؟ بهذا الرسم تستقيم صدور الأبيات وأعجازها إذ أن بحر القصيد هو الخفيف ( فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن فى الصدر ومثلها فى العجز ) .
انظروا بطني ( المثقل ) بالخيــ ( رات ) تغرى ، فذا الزمان زمانى
. . . أو تجاهلت عاملين ذوى ( حــ زم ) لهم بعد ( فتحت ) أحضانى كتاب المنهل ، ص 68 ، قصيد أمنا الأرض لمحمد الأغنج ، مجلة الفكر ، السنة 23 ، العدد 6 ، مارس 1978 ، ص 82 .
- 4 - هاذى قرى معزولة باتت ( يطوقها ) الوحل
- 5 - أنت ( تسلين ) قلب من بات يصلى نار هجر أنسته طول المنام كتاب المنهل ، ص 114 ، قصيد يا كمنجاة للشيخ محمد العربى الكبادى ، لا مصدر ولا تاريخ ؟ !
. . . أو تجاهلت عاملين ذوى ( حز م ) لهم بعد ( فتحت ) أحضانى بحر هذا القصيد هو الخفيف ( مرة أخرى ) , وكى يستقيم الوزن فلا بد من تشديد قاف ( المثقل ) وجعل حروف ( رات ) فى العجز ، لتكون مع الفعل ) تغرى ( التفعيلة الأولى من العجز وهى ( فاعلاتن ) ، وكذلك لا يستقيم وزن البيت الثانى إلا بالرسم المبين أعلاه .
هذى قرى معزولة باتت ( يطوقها ) الوحل هذا البيت من مجزوء الكامل ، لا يستقيم إلا بتشديد واو فعل ( طوق ) أى باستعمال الفعل مزيدا بحرف .
أنت ( تسلين ) قلب من بات يصلى نار هجر أنسته طول المنام هذا البيت من بحر الخفيف ( مرة ثالثة وأخيرة ) ، لا يسلم من الخلل إلا بتسكين سين ( تسلين ) وتخفيف لامها ، ولو أن معنى الفعل لا يتغير ، إلا أن الشاعر استعمل الفعل مزيدا بالهمزة ( أسلى يسلى ) .
هذه جملة ملاحظات أردت بها المساهمة فى التعريف بأحد الكتب المدرسية التى أصدرها المركز القومى البيداغوجى باشراف وزارة التربية القومية وتسليط الضوء على محتواها ومبناها متعرضا الى ما يمكن أن يشملها من تنقيح بعد الدرس والتمحيص ، خصوصا وهى (( نشرة تجريبية )) تحتاج يا شك الى شئ من التعديل طفيف ، والله يعلم أن القصد من هذا النقد شريف نقوم به خدمة للتعليم فى بلادنا ، وتنويها بالطريف من اختياراتنا .

