- هذا كتاب جديد آخر يخرجه لرواد الادب والمعرفة الاستاذ محمد مزالى صاحب مجلة الفكر فيضيف به إلى سلسلة آثاره حلقة أخرى لا تقل أهمية عن سابقاقتها . ويزيدنا بذلك تعلقا بما يصدره قلمه وهو القلم الذي لا يكل ولا بفتر ابدا رغم المسؤوليات الادارية التى يحملها صاحبه . لقد صدر ( المواقف) عن الشركة التونسية للتوزيع فى 332 صفحة يجمعها غلاف ازرق يحمل اسم الكتاب مع نقط تعجب موزعة على رقعة وجه الغلاف أما ظهر الغلاف فقد حمل صورة المؤلف مع ترجمة موجزة لحياته واعماله الادبية وأهم المسؤوليات التى تحملها .
- يقول صاحب المواقف فى مقدمة كتابه التى تعتبر زيادة عن التعريف بالكتاب دراسة حية لرسالة الكاتب الاصيل ودوره فى المجتمع واثره فى الحياة البشرية (( هذا كتاب يحتوي على مجموعة من المقالات نشرت بالجرائد والمجلات التونسية وظهر بعضها منذ أكثر من عشرين سنة بدون امضاء كما يحتوى على عدد من التعايق الاذاعية قيلت غداة الاستقلال وواكبت احداث تصفية الاستعمار وملابساته كما رددت اصداء نضال الشعوب من اجل الحرية والكرامة والدفاع عن السلم والوئام بين البشر وساهمت فى التخطيط الى بعث مجتمع تونسى متجدد أصيل ) ) .
- وبعد أن يذكر المؤلف الغاية من اصدار هذا الكتاب والغرض من اهدائه الى الشباب يؤكد للقراء انه رغم افتقار ( المواقف ) الى وحدة الموضوع فان جميع مقالاته منطلقة من خط واحد واضح يربط بينها جميعا وكلها تهدف الى الايمان بالواقع وحقائق الاحداث وتقلباتها . ومن اجل هذا الارتباط بين مواضيع الكتاب فضل الاستاذ مزالى أن يسمى تأليفه هذا ( مواقف ) .
- ويتخذ الاستاذ مزالى من مقدمته مناسبة للحديث عن اصالة الكاتب فمن هو الكاتب الاصيل فى نظره ؟ (( ان الكاتب الاصيل يتخذ دائما موقفا من دون
مواربة وفي غير التواء لانه يؤمن بقدرة الارادة البشرية على تغيير الواقع ولانه لا يكفر بشئ كفره باسطورة حتمية التاريخ وترديد بعضهم لمأساة الانسان فى عالم تدير شؤونه قوى ما وراثية عمياء أو نواميس اقتصادية ومادية قاهرة )) وهو مرة أخرى كما يقرر المؤلف (( ذلك الذى يتخذ موقفا من في شجاعة وأباء وهو مرة اخرى كما يقرر المؤلف (( ذلك الذى يتخذ موقفا فى شجاعة وإباء الهاتفين لانه يحقر المنافقين ويرفض أن يصمت مع الصامتين لان الصمت ليس دائما من ذهب بل قد يكون رصاصا يثقل فيميت ) ) . وعلى هذا النسق من التفكير الحى والتوجيه الصائب يستمر قلم المؤلف في الدعوة الى دعم صلة الرحم بين الاجيال حتى يكون شبابنا عنصر تجديد ونهضة وتقدم ووعى بمقتضيات العصر الحاضر واذا كان المؤلف قد حدد لنا فى هذه الكلمة موضوع كتابه والغاية من اصداره فلا يمنعنا هذا التعريف من تتبع اجزاء الكتاب والتأمل فى مواده وعناصره حتى نزيد ايمانا وتأكيدا بما سجله المؤلف على نفسه فى مقدمته . وحتى نقف على بعض ( المواقف ) التى تستشف منها خواطر ومعان تبدو لنا جديرة بالاهتمام مما لم يقدره المؤلف نفسه حين قيم فى نظرة عامة محتوى كتابه فالمؤلف قد قسم الكتاب الى أربعة عناوين كبيرة هى : شؤون قومية وشؤون أدبية وشؤون تربوية وثقافية ومع الاحداث وسنحاول الوقوف أمام هذه العناوين لنبرز أهم الافكار والخطوط التى يرمى الكاتب من تسجيلها فى هذه المقالات التى بدأ بكتابتها من أول عهد تونس بالاستقلال الى يومنا هذا .
- ومن ابرز ما يستوقفنا فى باب الشؤون القومية رأى الكاتب فى قضية التونسة والتعريب وهو رأي مهد له صاحبه بالامثلة والاستشهادات مع كامل التحفظ والحذر حتى لا يختلط فهم دعوته على الناس لذلك نراه يقول (( ان التونسة ليست فى الانفصال عن العروبة ولا تتنافى مع محبتها أو الاخلاص لتراثها ولا أقصد بها التملص من مشكل التعريب وانما التونسة روح قبل كل شئ ووفاء للذات وعمل لخلق شباب تونسى مؤمن بمقومات أمته الاساسية الدين الاسلامي والحضارة الاسلامية واللغة العربية والتاريخ القومى . والتونسة لا تعنى ايضا الانغلاق على النفس ولا الادبار عن العالم المتمدن ولا تتنافى مع وجوب الاخلاص للحضارة الانسانية والوفاء للثقافة البشرية .
- وبنفس المنطق والروح يؤكد الاستاذ مزالى ) أن التعريب لا يعني حذف اللغات الاجنبية وليس هو بعمل رجعي وليس كل المنادين به من المتعصبين ولا تعنى الدعوة اليه العمل به وتعميمه حالا لاننا لسنا من المغامرين أو البسطاء
- وهل تريد أن تعرف معنى الوحدة القومية ؟ هذا الكاتب يعرفها لك بقوله : (( فالوحدة القومية معناها التميز والتفرد بخصائص تتطور لا محالة ولكنها تبقى فى اطارها متشبعة بروحها الخالدة وكل نظرية زاغت عن هذه الحقائق كذبها التاريخ وسفهتها التجربة )) .
- وللكاتب تعريف شامل للصحفى الحق يعبر عنه بقوله : (( الصحافى الحق حينئذ هو قبل كل شىء مواطن صالح وانسان شريف له من الثقافة والاخلاق ما يجعله يقوم برسالة واسعة الابعاد نبيلة المقاصد عزيزة المنال وهي خدمة الوطن الذى ينتسب اليه وخدمة الانسانية التى ليس وطنه الا رافدا من روافدها )) (( والصحفى عقل يقظ وضمير حى وملاحظ منتقد ومشاهد موقظ للهمم أولا يكون )) .
- ومرة أخرى يعود الكاتب الى قضية الفصحى والعامية فى باب الشؤون الأدبية فيبدى رأيه فى غير تحفظ قائلا : (( وفي هذا الصدد أقول لدعاة العامية أنهم يخطئون جدا عندما يعتقدون ان الثورية فى ترك اللغة العربية لان الادب صدق والتصاق بالواقع القومى فما دمت أنت تونسيا أو جزائريا أو مغربيا وعربيا فلن تخرج من جلدك كما قال الاعرابى فى احدى النوادر لن تخرج من جلدك الثقافي مهما تغسلت ولو التجأت عوض الصابون الى المستحدثات الكيمائية )).
- وربما يعترض معترض على هذا القول بدعوى أن اللغة العامية هي لغة لشعب فان الكاتب يجيبه : (( هذا خطأ فلغة الشعب ليست اللغة العامية بل العربية مع التسهيل والتبسيط والتطوير طبعا وأنا انما ادعو الى لغة معاصره لا تنسب للقرون الوسطى ولا هي مستعصية متزمتة بل ادعو الى لغة متطورة شأنها شأن كل كائن حى فى استطاعتك أن تطورها وتطوعها اذا استعملتها واذا يسرت تراكيبها وقواعدها وادخلت فيها عبارات ومفاهيم جديدة )).
- وهكذا نرى أن ( المواقف ) مواقف من صاحبها تدعو الى التونسة تدعو الى التعريب مع التفتح تدعو الى الاصالة تدعو الى نبذ العامية تدعو الى الحفاظ على ذاتيتنا ومقوماتنا ومعتقداتنا فى اسلوب واضح وتحليل عماده الواقع والصدق وفى هذا الصدد نذكر موقف الكاتب من الحركة الشعرية الجديدة في عالمنا العربى حيث يؤكد لنا (( أن التجديد فى الشعر مظهر من مظاهر الحياة وتاريخ الشعر العربى منذ عهد الجاهلية الى اليوم عرف محاولات تجديدية كثير بعضها ترك اثرا عميقا ومنعشا وبعضها مر مرور السحاب من دون أن يكون
شيئا الذي ارجوه هو ان لا يخلط الناس بين التجديد والسطحية والا يحصروا القضية فى التمييز بين القديم والجديد الاهم فى نظري هو أن يكون الشعر شعر أى أن يطرب القارئ ينغمه ويهزه بموسيقاه ويوحى اليه بسمو معانيه وفسحة خباله ويغذى شعوره ويحرك تأملاته والشعر يبلغ هذا المستوى سواء كان قديما أو جديدا موزونا ومقف أو حرا .))
ان هذا الكاتب الاصيل لا ينسى دائما أن يدعو لخدمة ادبنا التونسى بكل ثقة وبكل حماس واعتزاز وهو الذي يجيب محرر ( القنال ) بقوله : ( نعم كنت و لا ازال أدعو إلى ضرورة العناية بالادب التونسى قديمة وحديثه بوصفه جزء من تراثنا العربي وكنت ولا أزال اعتقد بأن هذا الادب موجود وانه نري واصيل لا ينقصه الا مزيد العناية ولا يحجبه الا قلة الثقة ومركب النقص وفرط التواضع التى عمل الاستعمار الثقافي على غرسها فى الاجيال المتعاقبة واعتقد ولا زال أن الادب التونسي ينتظره مستقبل زاهر بشرط ان تعود الثقة فى ادبائنا وان يشعروا باعتزاز مواطنيهم بهم ويفوزوا وهم احياء بتقديرهم وتشجيعهم لهم ) .
- وعن ( الالتزام ) في الادب يرى المؤلف ان ( الادب مشروط بحرية الاديب ولا يستطيع الناس تقييده بدعوى تقييمه ولا الحكم له أو عليه انطلاقا من أفكار جاهزة وأحكام مسبقة ونأمل ان يستكمل بعض الادباء فى ديارنا نضجهم ويطالعوا ما ينشر في العالم المتحضر مباشرة قبل أن تمر عليه عشرات السنن حتى يسلموا بهذه الحقيقة ولا يواصلوا التشدق بمواقف هي ادعى الى الاشفاق منها الى الرد والمناقشة ).
- ويرى الكاتب أن المعلم المثالي لا يكون كذلك الا اذا آمن بأن التعليم رسالة وانه تعلم متواصل وان التعليم اصالة وان المعلم مواطن فاضل قبل كل شئ . فاذا توفرت هذه العناصر يستطيع المعلم ) أن ينهض في امانه وشجاعة بما وقف حياته عليه حينما اختار مهنة التعليم والتربية وان يظفر براحة الضمير وبنخوة العظمة . )
هذه هي ( المواقف ) التى نشرها صاحبها مؤرخا لمواقفه ذاكرا المصادر التى ظهرت فيها أول مرة وجل هذه المصادر صحف ومجلات واذاعة تونسية ومن الصحف التى احتضنت هذه ( المواقف ) (الصباح ) و ( العمل ) و ( الندوة ) و (الفكر ) وغيرها من الدوريات ومما يلفت النظر في مواضيع الكتاب هو هذا التحليل القيم الذي يضيفه المؤلف على مقالاته ضاربا الامثال مشيرا الى الاحداث
مبسطا مستنتجا بانيا تعاليله على أسس منطقية ومناهج واقعية يسلم بها القارىء ويقنع اذا هو امعن النظر فيها وهذه المقالات تختلف طولا وعرضا فهى فى باب الشؤون القومية والادبية تميل الى التحليل والتوسع وفي باب الاحداث تميل الى الايجاز والتعليق المفيد والاشارة اللطيفة وكلها فى الواقع تحتاج الى نبسيط اكثر اذا اراد الباحث ان يتعمق فى عناصرها وجزئياتها . . ويلم بأطرافها فالمقالة الواحدة ربما أصبحت مقالات والباب ربما غدا كتابا بمفرد وهذا وحده دليل على سمو قلم الكاتب وعمق معانيه .
- وثمت ملاحظة أخرى نضيفها الى محتويات الكتاب هو اهتمام المؤلف شهدائنا وعلمائنا واعلامنا التونسيين والاشادة بفضلهم حتى تبقى اسماؤهم فى دنيا الادب والتاريخ والوطن كما فعل مع الامام المازري وفرحات حشاد الهادى شاكر وغيرهم . . وبالتالى فان كتاب ( مواقف ) مدرسة وطنية كاملة تستحق الثناء وتدعو الشباب الصاعد الذي اهدى المؤلف كتابه اليه الى مزيد لعناية بمواضيع الكتاب وسلام على الذين يستمعون القول ويتبعون احسنه

