الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات, موسم الهجرة إلى الشمال

Share

رواية طويلة ذات حجم متوسط تعد مئة وسبعين صفحة لصاحبها الكاتب السودانى المعاصر الطيب صالح من مواليد 1929 بقرية " مروى " من قرى الشمال الشرقى من السودان بطلها الراوى ولعله يتحدث بلسان الكاتب وهو يعانى من تجربة النزوح الى انقلترا (( بلاد تموت من البرد حيثها ))  (1) وهى العمل الروائى الثالث بعدما صدرت له مجموعة قصصية أولى " دومة ودحامة " سنة 1960 ثم روايته الواقعية الاولى عرس الزين سنة 1964 ولعل " موسم الهجرة " أهم أثر روائى جلب اهتمام الدارسين والنقاد ، لما احتوته من قضايا حيوية بالنسبة للانسان العربى المعاصر كالجنس والحب والحرية (2) وبصورة أهم قضية الهجرة الى الغرب وما ينجر عنه من تمزق فكرى ووجدانى لدى الانسان العربى الشرقى . وتمتاز هذه الرواية عن سابقاتها فى هذا الموضوع كررواية " عصفور من الشرق " لتوفيق الحكيم و " قنديل أم هاشم " ليحيى حقي " الحى اللاتينى " لسيهل ادريس بحدة التجربة وعنفها التى يعانيها البطل بسبب لونه الاسود

أما من حيث البناء الشكلي للقصة فهى فى ظاهرها قصتان منفصلتان لبطلين متميزين هما من جهة الراوى ومن جهة اخرى م . سعيد . ولكن بينهما روابط تجعلنا نوقن بأنهما يمثلان حالتين نفسانيتين مختلفتين لبطل واحد هو الراوي . من هذه الروابط مثلا اشتراكهما فى تجربة الغربا والتعليم في انقلترا والرجوع الى السودان بعد سنوات للاستقرار ومحاولة الاندماج ومنها ايضا اختيار مصطفى سعيد الراوى وصيا له على زوجته وأولاده وممتلكاته قبل انتحاره دون سائر شخصيات القرية الاخرى أمثال مجحوب أو ودالريس أو بكرى . . وهذا الاختيار له دلالة هامة تتمثل فى أن الراوى يمثل امتدادا مقبولا بالنسبة لم . سعيد

وبعد فما القصة ؟

حوادث القصة قليلة تدور في قرية من قرى السودان حيث رجع الراوى من بلاد انقلترا بعد فترة الدراسة التى دامت سنوات عديدة وكله حنين وشوق لملاقاة أهل قريته . ويكون اللقاء ويحدثهم عن انقلترا وعن أجواء الحياة فيها ، لكنه يبصر فجأة رحلا أسود هو م . سعيد لا يتفاعل مع حديثه كسائر من استقبلوه فيسعى الراوى لمتابعته والتعرف على سره من كثب فاذا هو سودانى مثله نزح من قبله الى انقلترا ورجع الى السودان طلبا للاستقرار بعد ما كايد عدة مغامرات نسائية فاشلة هناك انتهت بمحاكمته وسجنه سبع سنوات ، وبقية الرواية استعادة متكررة لشخص م . سعيد هذا و كل اطوار حياته إلى وفاته غرقا فى وادي النيل بصورة مفاجئة بعدما اتصلت صداقتهما وأصبح الراوى وصيا على زوجته وأولاده ، وتنتهى القصة باستفاقة الراوى من حلمه وقد رمى بنفسه فى وادي النيل يسبح ويريد  الحياة .

فالقصة لا تخلو من صعوبة فى فهم رموزها خاصة عندما نكشف النقاب عن بنيتها الداخلية الحقيقية فهي فى الحقيقة قصة بطل واحد هو الراوى ولكنه يعانى انفصاما فى الشخصية يريد التخلص منه طوال حوادث الرواية الرواية . . وتأزم شخصية الراوى الى حد الانفصام جسمه الكاتب باختلاق شخصية ثانية مشابهة للراوى من جميع الجوانب هى م . سعيد

والقصة فى واقع الامر تعرض قضية المثقف العربى الافريقي المعاصر وهو عرضة لانفصام الشخصية بموجب ثقافته المزدوجة : ثقافته الام وهو ما نعلمه فى السودان فى حالة الطفولة وثقافته الانقليزية وهو جملة ما اكتسبه

م. سعيد من معارف وتجارب حياتية فى بلاد الغربة والنزوح وعواس هذه الانفصام بلورها الكاتب فى تصويره لطفولة م . سعيد ( أى الراوى عندما يتذكر طفولته الغريبة ) فهي طفولة شاذة خالية من كل عطف أبوى وتوجيه ،وانما يتحمل فيها الطفل حياته بمفرده ويختار مستقبله وحده ؛ يقول م . سعيد متحدثا عن طفولته : " لعلنى كنت مخلوقا غريبا أو لعل أمى كانت غريبة لا أدرى ، لم تكن نتحدث كثيرا . وكنت ولعلك تعجب ، أحس احساسا دافئا بأننى حر . بأنه ليس ثمة مخلوق ، أب أو أم ، يربطني كالوتد الى بقعة معينة ومحيط معين ، كنت أقرأ وأنام ، أخرج وأدخل ألعب خارج البيت ، أتسكع فى الشوارع ليس ثمة أحد يأمرنى أو ينهانى . كنت أحس بأنني مختلف . أقصد أننى لست كبقية الاطفال فى سنى ، لا أتأثر يشئ ولا أبكى اذا ضربت ، لا أفرح اذا أثنى على المدرس فى الفصل لا أتألم لما يتألم له الباقون ، كنت مثل شئ مكور من المطاط تلقيه فى الماء فلا يبتل " (3)

ثم عندما يأتيه داعى المدرسية الانقليزية ويحمله للتعلم ، يقبل م . سعيد دون اى تردد وخوف بل ويختار ذلك فى وضوح " قال لى : من ولى أمرك ؟ . قلت له : أريد أن ادخل الى المدرسة ٠٠ كان ذلك أول قرار اتخذته بمحض إرادتى " (4) .

هذا مظهر من مظاهر شذوذ الراوى عند طفولته الاولى البائسة يمكن أن أن نضيف اليه تحصيله على العلوم بسهولة مريعة الى حد أنه أصبح دكتور يحاضر باحدى جامعات لندن قبل عودته الى مسقط رأسه .

أما مظاهر انفصام الشخصية بسبب هذه الثقافة المزدوجة التي تلقاها البطل وكان ضحية لها فى نهاية المطاف فهى عديدة فى القصة ، يمكن الاقتصار على ذكر أهمها - فى نظرنا - وهى الآتية :

(1- ازدواجه اللغوي ، فم . سعيد يتكلم اللغة السودانية السليمة فى ظاهره وعند وعيه يحاول أن يكون سليما عاديا يشارك فى مشاغل أهل القرية وفي اجتماعات لجنة المشروع الزراعي حتى لكأنه خلق للقيادة بفضل حكمته ورجاحة عقله ولكنه سرعان ما يتلجلج لسانه بالانقليزية عندما يفقد

وعيه عند السكر مثلا ، فاذا به ينشد القصائد الشعرية الانقليزية كأنه انقليزي من اعماق لندن : " وأمسك الكأس بكلتا يديه وسرحت عيناه كما خيل لى في آفاق بعيدة ثم فجأة سمعته يتلو شعرا انكليزيا بصوت واضح ونطق سليم " (5)

فم .سعيد رجل يحن الى اللغة الانفليزية وثقافتها بل اصبحت جزءا منه تطفو على سطح الوعي عندما يفقد السيطرة على نفسه وإن هو قد كره الحياة فى انقلترا وعاد الى السودان لينعم بحياته المستقرة فى وطنه الأم

(2 - اتخاذه لبيت انقليزى لحما ودما من حيث أثاثه وصوره والكتب التى تحوية مكتبته فى قريته السودانية وكان من المنتظر وقد فشل فى اقامته ببلاد انقلترا أن يعاف كل شئ يذكره بهذا البلد وبحياته السابقة ولكنه لم يفعل وكان ذلك سببا فى انهيار الراوى أمام حقيقته المرعبه . هو سودانى فى الظاهر وهو انقليزى فى الباطن الى أعمق الاعماق والى حد أنه ثار على نفسه : هذا الراوى بحاور نفسه وقد دخل بيته الانقليزى وأدار المفتاح فى الباب حتى لا ينكشف سره : (( ووجدتني أقف أمام نفسى ، هذا ليس مصطفى سعيد ، إنها صورتى تعبس فى وجهى من مرآة . . يا له من مغفل هل هذا فعل انسان أراد أن يبدأ صفحة جديدة ؟ سأقوضها على رأسه ، سأحرقها ، وأشعلت النار فى البساط الناعم تحت قدمى ولبثت أراقبها )) (6)

3 ) - تعاطيه الجنس مع  عشيقاته الانقليزيات بصورة شاذة تبعث على الحيرة والاستغراب فهو لا يمارس الجنس للتعبير عن عاطفة انسانية نبيلة وهو الحب ؛ بل هو يمارس علاقات جسدية بحق القصد منها التحدى والانتقام منهن ؛ وقد انتهت آخر علاقة له مع زوجته الانقليزية ( العشيقة الرابعة ) (( جين مورس )) بقتلها فى فراشه بعدما ماطلته كثيرا وعذبته كثيرا باحتقارها له ولجنسه الاسود : (( وضغطت الخنجر بصدرى حتى غاب كله فى صدرها بين النهدين وأحسست بدمها الحار يتفجر من صدرها )) (7) فانفصام الشخصية برز هنا في مستوى العواطف والوجدان ؛ والجنس أصبح خاليا من كل معنى انسانى وإنما كانت نهايته الجريمة تعبيرا عن رفض م . سعيد لروح الثقافة الانقليزية المستعمرة للغير والمحتقرة إياه .

4) - مظهر أخير من مظاهر انفصام شخصية الراوى وهو فى حالة مظلمة مضطربة مجسم فى شخصية م . سعيد الموازية له ، يتمثل فى انتحاره غرقا بوادى النيل (8) ؛ فقد حمله الفيضان فى جملة من حملهم بعدما خرج من داره ليلة من الليالي خفية ودون أن يعلم زوجته ؛ وهذا الانتحار يجسم الحد الاقصى في انفصام الشخصية بسبب الثقافة المزدوجة ؛ فهو الاضمحلال والفناء ولهذا الانتحار - فى نظرنا - رمز يوحى بأن الراوى جد فى قتل جانبه المظلم ايمانا منه بوجوب التخلص منه حتى يكون سليما ومعافى فى خاتمه هذا الحلم المخيف ، وفعلا فان الراوى سينجح فى ذلك فى ختام الرواية عندما يلقي بنفسه في ماء النيل هو أيضا لا ليقتل نفسه ولكن ليتطهر من هذا الانفصام بصورة نهائية ويختار الحياة والارادة .

فهو يصيح فى الختام : " اننى أقرر الان أنى اختار الحياة ، سأحيا لان ثمة ناسا قليلين أحب أن أبقى معهم أطول وقت ممكن ولان على واجبات يجب أن أؤديها لا يعنيني إن كان للحياة معنى أو لم يكن لها معنى "( 9 )

فيمكن القول إذن إن هذه الرواية هي قصة المثقف العربى المعاصر فى تعامله مع ثقافتين انسانيتين مختلفتين ، ثقافة شرقية اسلامية تشده الى الماضى والروح والاوهام والخرافات وثقافة غربية أوربية تنزع به الى العقلانية والمادة والفردية وهو فى حيرة وجدانية وعقلية مضنية تمزقه وتشتت فكره وروحه فيكاد يذهب هباءا منثورا . ولكن المؤلف لم يصمت بل سعى الى التعبير عن موقفه من هذا التأزم الثقافي الذي يعانيه كل مثقف شرقى عانى تجربة الهجرة الروحية ؛ فجسمه في الفصل الاخير من روايته هذه . فالطيب صالح يدعو الى تجاوز هذه الأزمة بفضل الارادة الخلاقة والوعى بتأصل العربى فى بيئته المحلية . هذا ما أحسه الراوى عند العودة الى أهله بعد دراسة فى أوربا وهو يقلب النظر في مختلف أرجاء بيته : (( ونظرت خلال النافذة الى النخلة القائمة فى فناء دارنا ، فعلمت أن الحياة لا تزال بخير ، أنظر الى جذعها القوى المعتدل والى عروقها الضاربة فى الارض . . فأحس بالطمأنينة أحس أننى لست ريشة فى مهب الرياح ولكني مثل تلك النخلة مخلوق له أصل ، له جذور ، له هدف )) ( 10 ) .

8 ) راجع القصة ، مطلع الفصل 3 .

. ( 9 ) راجع القصة ، الفصل 10 ) الاخير ( ، ص 170-171 .

( 10 )راجع القصة ، الفصل 10 ، ص 6 .

وبعد فالقصة حافلة بالمعانى والقضايا ؛ وهى لوحة وصفية جميلة للحياة الساذحة فى القرية السودانية ( 11 ) تذكرنا بالمناظر الريفية الحالمة التى صورها هيكل فى روايته ((زينب )) ولا غرابة في هذا فالمؤلف قد كتبها عند اقامته بلندن بعيدا عن وطنه وقد عبر عن ذلك لنفسه عندما قال : ((  انا اكتب من البعد والبعد يجعلني انظر الى السودان كحلم وكشىء تغيب فيه التفاصيل لفرعية ، حين أكتب عنه ، فأنا أستعيد حلما )) ( ١ )

تونس فى 15 ماى 1976

اشترك في نشرتنا البريدية