الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات, مولد النسيان، او ارادة الخلق

Share

تعليق : محمود طرشونة

نلتمس فى الاثر الفني - مهما كان نوعه - الجمال قبل كل شيء ، ونحكم على قيمته بقدر ما نجد فى تذوقه من لذة فنية . ولا يأتى الفكر إلا فى المرتبة الثانية . أما إذا توفر الفكر والجمال فى نفس الإنتاج الادبي أو المسرح أو الموسيقى او غير ذلك كان الكمال او ما يقرب من الكمال وقد توفرا فعلا في هاته القطعة الفنية الموؤودة بين طيات مجلة قديمة طواها النسيان هي أيضا رغم محتواها الدسم وهي " المباحث " هاته القطعة التى تمثلت فيها الروعة الفنية والجمال وسمو الفكر والخيال هي قصة " مولد النسيان " للسيد محمود المسعدى التى تشكل مع " السد " و " المسافرة واحاديث " العدد " و " القيامة " و " الكلب " أدبا أصيلا جديرا بالبعث والتحقيق .

وقد نشرت هاته القصة سنة 1945 في مجلة " المباحث " فى اعدادها الصادرة من أفريل إلى جويلية . فقد كتبت إذن بعد " السد " الذي ألف سنة 1940

ولابد من الاشارة الى الصعوبة التى نطالع بها هذا الاثر فى طبعته الاولى بالمجلة . فالطبع كان رديئا جدا ، ولا يمكن قراءة بعض الحمات إلا بعد التأمل والتخمين . لذلك وددنا أن نرى هاته القصة في طبعة أنيقة شبيهة بطبعة " السد " وجديرة بقيمتها . وانا على ذلك لقادرون .

ولا شك أنها ستثير في طبعتها الجديدة ضجة في الاوساط الادبية كالتى أثارها " السد " وانها ، نظرا إلى أصالة " موضوعها

وروعة اسلوبها ، ستجد من يدعى غموضها ، وستجد من يعجب بالصور التى تضمنتها وستجد من يطرب لموسيقى جملها ، ويتأمل طريف محاورها . فهذا الغموض الذي قد يدعيه البعض يمكن ازالته بتوضيح المحور الرئيسى إلى القارىء السريع . فالفكرة واضحة جدا وضوح الشمس يمكن حصرها في كلمتين إرادة الخلود . كذلك إذا أردنا أن نحصر فكرة " السد " فى كلمتين قلنا " إرادة الخلق " .

الخلق والخلود صفتان خاصتان بالاله وحده ، يريد الانسان ان ينسبهما الى نفسه ، ويسعى إلى ذلك بكل ما أوتى من عزم ، فتوهمه الاقدار بتملكها فيلتذ بهما ساعة ثم يصطدم بعراقيل تسلبهما إياه ، فيكون الفشل كذلك غيلان ، مريد الخلق ، يسعى جاهدا إلى خلق الحياة من الماء فى جهة جافة صلبة . فيكون له ذلك ببناء السد الذي يحبس الماء ، لكنه يصطدم بإرادة أقوى من إرادته ، هي ارادة الالهة صاهباء ، فينهار سده ويكون الفشل كذلك أيضا مدين ، مريد الخلود ، احب أن يصارع الموت ويقضى عليه فسطر طريقا إلى ذلك : ركب دواء يعيش ابدا من يشرب منه . وكان أول من شرب منه . فكان له الخلود ، وكان له النسيان ، نسيان الزمان . . ثم كان له الفناء .

الفشل إذن هو نهاية كل إنسان يريد أن يسابق الزمان ، أن يتميز عن البشر بصفات الالوهية . وما يزيد النجاح المؤقت الفشل إلا مرارة وقهرا . توهمنا الحياة اننا قادرون على الاقتراب من الالوهية ، فتهبنا صفاتها لمدة قصيرة فنعيش ساعة إلى جانب الاله نشاركه قدرته وخلوده ونلتذ بنشوة التفوق والعل ثم تكون الهاوية شاقة جدا . عميقة جدا .

سيتضح هذا المحور الرئيسى عندما نحلل فصول القصة الستة مع الاكثار عمدا من الشواهد لتظهر قيمة الكتابة ، ونحلل محاورها وأشخاصها واحدا واحدا كى تظهر لنا نفسية البطل التواقة إلى الخلود ، والمأساة التى يعيشها مع زوجته وخادمته وشخص خيالي آخر له دور هام جدا وهو رنجهاد ، فقد قدم لنا الكاتب منه الفصل الاول ثلاثة أشخاص " فى بلاد ذات حر وعفن من بلدان الخيال " شخصين هما مدين وزوجته ليلى ، وشخصا ميتا يهبه الكاتب الحياة ليتحاور مع بطل القصة . هذا الشخص هو أسماء رفيقة مدين

القديمة ، ماتت منذ سنين وتركت حبيبها "يصارع الموت ويناصر الحياة " وهي رمز الذكرى ، ستأتيه من حين لآخر لتذكره بماضهما وتحذره من مصارعة الموت . وقد جاءته مرة عندما صفرت الريح بقوة واشتدت به الحمى ، وتجمعت ذكرياته فسمعها تقول أنا ذكراك يا مدين . . احذر انه من صارع الموت فقد مات " .

ولا يطول الحوار بينهما فليلى زوجته تقاسى حرارة الحمى هى أيضا . وقد حذرته بدورها من ارادة الخلود أحبت له الاستسلام سبعة " ترى لو اسلمنا للموت امره وللاموات وطلبنا لانفسنا حياة ولكن الثورة القائمة فى نفسه لا يهدئها تحذير أسماء وليلى ولا تضعف شوكتها الحمى . فهو ناقم على الفناء الذى يفتك منه كل ما بثشام طول حياته ، ناقم على النهاية " لان الايد واجب بحياة ، فقد صعب عليه ان " يطلب الحياة ويطعم ويشرب ويهئ للسدود الطعام "

ومن خلال حوار ليلى مع خادمتها هند في الفصل الثاني يتضح لنا ان مدين قد كان يتقد ارادة وعز ما ، عاش شبابه طموحا تواقا إلى الرقى والخلق . فجاء مع زوجته الى هذا البلد حيث يتداوى الناس بالسحر والاوهام ويحافظون على تقاليد بدائية خطرة فاراد ان ينسيهم هذا التطبب فبنى بينهم مستشفى ووزع عليهم الدواء ليشغلهم عن سحر رنجهاد ، وصاح فيهم : "اسلامكم للعلة ضعف ايها الجبناء " ذلك لان " في نفسه شعلة الانبياء ، يريد محق الامراض واحياء الموتى " .

ولكنه هو ايضا يلتجيء إلى الساحرة رنجهاد عندما طغت عليه الحمى واغرقته في عالم الذكرى ، هذا العالم الذي يريد محقه التجا إليها فى ليلة موحشة مظلمة وترك ليلى خائفة على حياته من رنجهاد لأنه صرف عنها المرضى بمارستانه وتحداها بدوائه وهي تقيم على عين سلهوى " التى تحي وتميت " وسلهوى رمز للاله ورنجهاد نبيه . والسبب الذى جعل مدين يقصدها في الغاب ليس كما ل واضحا . لعله شعر بضعفه فأحب أن يستند الى قوة براها البشر خارقة

أو لعله أراد ان يمتحن هائة القوة ويجربها . ان من يملك إرادة كإرادته وشعلة كشعلته لا يرفع عينيه للسماء ، ولا يعترف بأية قوة قاهرة ، ولا يعتز إلا بنفسه ، لذلك يمكن الترجيح بأنه اراد الإمتحان والتجربة فقط . ولم يفكر قط فى طلب النجدة . .

ثم يعود إلى ليلاه فى الفصل الثالث مليئا بأشياء جديدة تعلمها من رنجهاد ويخبرها ان هاته الساحرة ستاتى إلى المارستان لتساعده على تركيب الدواء الذى طال سعيه إليه . وقد اشارت عليه " ان يطهر من الزمان دواءه " فلا بد من حذف الزمان . وقد فهم مدين أن نجهاد ستداوى مرضاها بالنسيان .

فما هو الزمان وهو النسيان وما علاقتهما بالخلود والقضاء على الموت

يقول مدين : " ان الزمان هو الحركة والذى تورثه الحركة هو النفاد يا ليلي لانه كل متحرك فاسد نافد . لقد قال هذا الكلام بعد أن اتصل برنجهاد وتعلم منها أن الخلود والحركة لا يتفقان لان الحركة مصيرها إلى النهاية . فكل شئ في الوجود متحرك ، لذلك كل شئ في الوجود نافذ والعامل الوحيد الذي يحرك كل شىء هو الزمان . فهو الذى يدير المخلوقات ويشعرها بالحياة . . ثم بالفناء . لذلك لا تكون إرادة الخلود إلا بالقضاء على الزمان . ولكن كيف القضاء على الزمان ؟ هذا ما يسعى إليه مدين : تحرير الوجود من الزمان " لان الزمان كالرحي الدائمة الرحى ، لابد من كسرها كى تأمن الحبة ويطمن الكيان " .

ولكن ، هل التخلص من الزمان وبالتالى من الحركة حل مرضى؟ إذا تمكن مدين من القضاء على الحركة فسوف ينتهى ولا شك الى السكون والجمود . وهذا ما لا يناسب مزاجه . الجمود وإرادة الفعل يجتمعان . فهناك تناقض جوهرى تلاحظه له ليلى فى الفصل الرابع . تناقض خطر يهدد المبدأ ذاته .

فقد أخذت ليلى تذكره بماضيه الخلاق وتحدثه حديث اليقظان الرشيد : " كنت تقول كلاما بديعا . كنت تقول أنك فى حاجة إلى الزعازع المدمرات ، ، لا تستقيم لك بدونها الحياة . وأن عادى

الاحوال وخفض العيش مذهبة لنارك وان لك مزاح اله فى حاجة دائمه الى ان ينفق شىء ويتميز وتدوى الداويات دويا هاته الثورة لا يمكن أن يتخلى عنها بسهولة بعد أن آتقدت فى كيانه دهرا ، وجعلته يكد فى شبابه كدا ، ويعمل في ميدانه الطبى جاهدا ، حتى تحصل فى سن مبكرة على لقب كبير الاطباء وهاته الثورة نفسها هى التى جعلته يكره حياته وبغض نفسه ويصغر فى نفسه شأن ما ابتكر من الادوية عندما عجز عن نسيان أسماء ولم يستطع ريب دواء الخلود الذى يجعل الإنسان لا يخشى على حياته الايام

هاته الحركة الدائمة ، وهذا التوق إلى الفعل والخلق لا يمكن أن ينتهيا الى السكون والاستسلام إذ " ليس في الكون قوة ولا بأس مالم يصر عدم الى وجود ووجود إلى عدم . مالم ينقلب ويتكسر ويتحول كيف إذن التوفيق بينهما لتستقيم الحياة ويعيش المبدأ؟

يظهر أن مدين عاجز عن التوفيق بعد أن اتصل بالساحرة رنجهاد . فقد ولدت في نفسه حيرة خطرة . ولم ينتبه إلى هذا التناقض إلا عندما لاحظت له ليلى تطورا فى تفكيره فى فقد بينت له انه كان يتوق إلى الفعل ، فقاده هذا التوق إلى استكشاف دواء الخلود والقضاء على الزمان ، ثم أدرك أن الاموات تصارع الزمان صراعا ، فعلم ) ان الفعل من الحركة وليس مثلها عذاب ولبس كالزمان محرك ثم رأى وجوب " انتهاء الحي إلى اعتدال السكون ، فإذا بلغه الحى كان الجمود وكان الاسلام وكان الشفاء " . فتلاحظ فيه ليلى أنه اذن في طريق الإسلام " والتواكل والجمود ، فإذا هو ينتبه الى خطئه ويقع في حيرة شديدة ويصيح غاضا : " ليقعن لي سر الجمود والقرار ولافنين الموت أو أفنين الحياة وتكون آخر الجهد هو إذن شعر بالحيرة وبدأ ينحدر إلى الهاوية . فالشك أكبر داء للعزم إذا تواصل اشتد الخطر على المبدأ الاعلى . وبما أن هذا المبدأ ثابت عند مدين فالحيرة والشك لا يمكن أن يتغلبا عليه . لذلك واصل سعيه

ولكنه هذه المرة تخلص من مرحلة النظريات والتفكير والحيرة إلى مرحلة الانجاز والفعل . وخرج من وحدته التى لم تجده نفعا ،

إلى اتحاد مع رنجهاد ،كاهنة عين سلهوى ، لانها هي القادرة على ادخاله عالم النسيان والخلود . ولكن الطريق إليه صعبة وشائكة ، مليئة بالمخاوف والاتعاب ، ظل مدين يسير طويلا مع رنجهاد في الغاب فكامل الفصل الخامس يصور الطريق الى عالم النسيان حيث الارواح تعيش بلا ذكرى ، وحيث الخلود والسكون . هذا ما ظنه مدين . ما الواقع فهو امر وأدهى . فمنذ الطريق يظهر الاعياء والخوف على وجه مدين . وقد حذرته رنجهاد من الاعياء والملل ولاحظت له أن الشرط لدخول هذا العالم هو الثبات على الفكرة . وعندما يصيبه التعب تهمس الساحرة في اذنه بمرير السخرية : " إنما الإعياء ذكرى " . وهذا ما يكرهه . الذكرى . هذا ما يفر منه مدين لينال الخلود . الذكرى هى الفناء وهي العجز والموت . الذكرى هى أسماء وما ترمز إليه أسماء لكن مدين إنسان قبل كل شئ ، يصيبه الإعياء كبقية البشر . لذلك لم يستطع أن يخفى تعبه فاشتكى إلى دليلته لقد طال على وحل التعب " عند ذلك تنطق رنجهاد بلسان الحكمة والعقل فتهمس مرة أخرى : " كذا تطول على الاحياء حياتهم فينقضى الجهد ويكون الإعياء . "

ان هاته الحقيقة لو أدرك مدين معناها وكل ما ترمز اليه لعدل عن سعيه تماما لانها تهدد مبدأه بالفشل . وهى فى الواقع حقيقتنا جميعا . فبعد حماس الشباب وحيوية العزم لابد ان يكون الإعياء لان الايام تطول فنمل تكرارها على نفس المنوال فلا نرغب فى الخلود لاننا نعلم أن الخلود مصيره الملل والسئامة ، أما مدين فهو يرغب فيه ليقيم الدليل على شئ في نفسه يريد أن يبرز للوجود ، يرغب فى الخلود لانه كره أن يرضخ للفناء . ففى نفسه شىء من كبرياء البشر ، وشىء من التحدى للقوة المجهولة . لذلك قبل أن يستريح ساعة في جبل تقدم منه ثم وقف بإشارة من رنجهاد فكل عناصر الطبيعة فى خدمة رنجهاد : كانت الاشجار تخلى لها الطريق ، وهذا الجبل يتقدم ليطيع أمرها . ولكن مدين لا يمكث قليلا حتى يطلب النجدة : فقد رأى الظلام في الكهف يدور كالدخان ورأى صورا مزعجة وأرواحا حيرى . فلم يستطع أن يبقى فيه طويلا فانجدته رنجهاد الى نهاية الطريق ، إلى عالم الخلود . .

والفصل السادس هو أهم مرحلة فى قصة " مولد النسيان " فقد تضمن محاور هامة جدا حللها الكاتب بالاعتماد على القرآن وتاريخ الخلق البشرى ، وروى فيه قصة الخلق منذ الابد لينتهى بعد ذلك الى توضيح معني النسان والزمان وعلاقتهما بالخلود " وهاته القصة تحكيها رنجهاد لمدين ليستوفى منها طريقة لتركيب دوائه . قالت رنجهاد نبى سلهوى : " خلق سلهوى العالمين في ست ليال . وكانت السادسة أشدهن عليه ظلاما وقتاما . وكادت تدركه السآم والإعياء فقال : أيتها الاكوان كونى . ثم طلع عليه الفجر فإذا الكون نور ونار واستوى على العرش ستة أيام بلياليها ومن بين هاته الاكلوان التى خلقها سلهوى - اى الاله - كانت الارض مخالفة ليس فيها نور ولا نار وليس فيها طهارة ولا جمال بل تجمعت فيها الاقذار فحرككها سلهوى فغلت كالقدر وفاضت بمثل ذوب البراكين نفطا وجيفا وأدرانا وقطرانا وقارا ودنسا وقبحا وفظاعة وعلم سلهوى أن ما خلق من حياة أنحصر في الادناس وتخمر الاقذار وعفن الجيف والفرث . وتصاعدا السيد من أرجاء لأرض تعفن وصنة ونتن " أعتقد أنه لا توجد صور أخرى أقبح من هاته التى صورت قذارة الارض ورائحتها النتنية . وبما أن الارض زمز لكل ما هو مادة فليس أقذر من الجسد الذى هو أيضا مادة وهذا ما لا يرض خالقها . لذلك اغتنم سلهوى وبحث عن طريقة يداوى بها هذا الخطأ ، فزال عنه الغم عندما خلق الإنسان وقال له : " كن طهارة وعظمة وجمالا " .

بذلك يظهر أن الخالق قد خلق الكائنات المادية والإنسانية على مرحلتين : الارض بقذارتها ودنسها ، ثم الإنسان بطهارته وسموه . اما المعتزلة فهم يعتقدون أن الله قد تصور الكائنات جميعا فى نفس الوقت . وحسب " نظرية الكمون والظهور " فقد بدأت المخلوقات تظهر شيئا فشيئا إلى أن ظهر الانسان ثم عمر الارض ويشبهون كمون المخلوقات بكمون النار في الحجر ، يخلقان معا ثم تظهر النار . إذا كانت هذه النظرية صحيحة فغم سلهوى لا معنى له بما انه يعلم أن الارض ستكون قذرة ويعلم مسبقا أن الإنسان سيكون طاهرا

قبل أن يتصل بالارض أى بالمادة .

ولكن الارض تغار من طهارة الإنسان وتحاول أن تشوهه بقذارتها فتحين له الفرص . . إلى أن " هبط آدم إلى الارض وذهب عن الإنسان الجمال وجاءه القبح والطين والتخمر والموت " فيئس سلهوى . ومات أول انسان ففرحت الارض لما رأت فيه من أقذار ودود . فحاولت روحه أن تتصل بالسماء ، فجذبتها الارض والمادة . ولكن الروح ايضا قد شعرت بحاجتها . إلى المادة تستند إليها . فقد ألفتها بعد أن عاشت فيها طويلا . " وكذلك زنت المادة بالصورة فدنستها والفت الصورة دنس المادة فافتقدتها . . ووجدت الروح لوعة على ما ضاع منها من جسد وحاجة إلى مادة مستند . وكان أول العذاب الابد . "

هكذا تعيش الارواح فى عالم الموتى الذى يظنه مدين عالم الخلود والنسيان . فالارواح دائما في صراع مع الزمان ، تريد ان تتخلص منه لتبقى الجسد معها لانها ألفته فلا تستطيع مفارقته فيعبث بها الزمان ويوهمها بالخلود . تقول رنجهاد : " هذا عالم الموتى . ماتوا ولم يدركوا الفناء . وجاؤوا فلم يصلوا العين يذكرون الى الابد الاجساد ويسترجعون ماباد من اجساد " .

من قصة الخلق هذه ، نستنتج أن سلهوى قد خلق الارض قبل ان يخلق البشر . وقد خلقها نجسة نتنة قذرة وخلق الإنسان طاهر نظيفا نقيا . وعندما اتصل الإنسان بالارض شوهته بقذارتها فصار مثلها وتمثلت هاته القذارة فى الجسد الذى ألفته الروح وبقيت تحن إليه حتى بعد الموت . لذلك فالنسيان لا وجود له لان الروح لا تنسى آبدا الجسد . فهى فى عالم الاموات تتذكره دائما . فيهبها الزمان شكلا مؤقتا تعيش فيه مع الجمال والنسيان ثم يخدعها فيفتك منها ما وهبها . فيبقى الزمان هو المحرك الوحيد للذكرى . لذلك لا يكون الخلود إلا بالقضاء على الزمان أى بالمحافظة على الجسد . وقد أدرك مدين هاته الحقيقة ، الخلود لا يكون إلا بالمحافظة على الجسد لتبقى الروح ساكنة لا تحن إلى شيء ولا تتذكر شيئا . اذن يجب تركيب دواء يبقى الجسد خالدا .

وعندما استفاق مدين من حلمه الذى حمله إلى عالم الاموات لازم مارستانه أياما ليركب فيه دواء الخلود . اعتقد أن دواءه سيحنط لجسد كالمومياء فيخلده . وبذلك تفقد الروح ذكرى الجسد والحنين إليه . .

ويأبي مدين الا ان يكون أول من يشرب من الدواء ليكون أول من ينال الخلود . فيأتي الى ليلى زوجته ويشرب الدواء أمامها . فتبكى خوفا على حياته وتعتقد أنه يشرب سما ويخيل إليه أن دواءه ناجح فقد " سقطت عنه الذكرى وفسدت عليه الحافظة ونسي أنه هو وان امرأته ليلى . ومات عنه كل ما مضي من سابق عمره وظن انها الطمأنينة والسعادة والابد " الابد الابد هذا ما بقى مدين طول حياته يسعى إليه كان يريد أن يعيش أبدا ، أن يكون له البقاء رغم الطبيعة التى تفشى . وقد جعل الكاتب في فاتحة القصة رأيا لابي حيان التوحيدى يناسب هاته الفكرة ، قال أبو حيان : " نحن نساق بالطبيعة إلى الموت ونساق بالعقل إلى الحياة " فطبيعتنا اذن هي الفناء وعقلنا قادر على ان يريد البقاء أن يريده فقط . لا أن يناله . البقاء والخلود من صفات الاله . ونحن لا نشاركه الا في الارادة . نريد الخلود ولا نناله . هناك تكمن ماساة البشر . ولكن مدين قد ناله فقد ولد النسيان في ذاته بعد أن شرب الدواء . . فهذا القمر ينير وجهه فيشتد جماله " وتلمح ليلى في عينيه نورا كنور الوحى يوحي". وها هو يعبر عن نشوته وطهارته بعد أن أعيد إلى أصله قبل أن يهبط آدم الارض : " أجدني وضاحا واجد بى نورا . وقد امطرتني السماء وطهرتني . فأنا نظيف كنصح نظيف . وقد عادت لى عظمتى وطهارتي وجمالي " ان هذا الكلام شبيه بشطحات الصوفية الذين يتحدون بذات الله ، وقد يصرح بعضهم بأنه هو الله وكلام مدين لا يبعد كثيرا عن كلام الحلاج . فقد بلغت به النشوة إلى التصريح : " انظروا . فهذا قلبي سكت وقد غلب السكون والزمان انا الوجود أنا الخلود

لقد بلغ أعلى درجة من السمو والجلال . وأصبح كل شىء فى وجهه ضياء ونورا . فقد استطاع أن يغلب الزمان وأن ينال الخلود . لكن

هل هو خلود حقيقى؟

ان رنجهاد وحدها هي التى تعلم أن الابد مستحيل . كذلك صاهباء هى وحدها تعلم ان السد الذى بناه غيلان لن يعمر طويلا . فقد جاءت العواصف والاعاصير ، فحطمته وحملت العاصفة غيلان الى الطريق بعيدة فى الغاب ، فيها نور . أما مدين فقد بدأ يشعر بحالة شبيهة بحالة الاموات والهياكل التى رآها في الغاب وتكتسى لحما وجمالا ثم تفنى فهو أيضا يتساءل : " لكن من أنا ؟ أولد كل ساعة ويعاد خلقي " اذن ، فالذكرى قد عادت إليه . والزمان قد عاد الى فعله . والنسيان قد غاب بعد أن ولد في نفسه ساعة . وقد آلمه جدا أن يخونه الجسد ، فلم يخف تألمه وصارح زوجته : " هي النهاية يا ليلى . لقد خانني الجسد . وخانتني الروح . فلا هو استطاع الخلود ولا هى استطاعت .

لم يبق لمدين الا أن يلتحق بعالم الاموات ، عالم الذكرى لا عالم النسيان . فاسلم أنفاسه ، وأجبر على فصل الجسد عن الروح . عند ذلك نطقت رنجهاد بلسان الحكمة المرة : " ساعة من النسيان بحياة كحياة آبائه ، وبليل أخلفها بعده بين الاحياء ميتة . . ألا إن الوجود اللعنة الابد . لن يولد النسيان . لن يولد الفناء . لن يغلب الزمان . لن تدرك السماء . انا البهتان ! " نعم انها تعلم ان ارادة الخلود ستنتهى بالفشل . تعلم مسبقا أن الزمان لن يغلب أبدا مهما كانت الإرادة قوية . فالإرادة وحدها لا تكفي للتغلب على السماء يجب أن تكون الإرادة محدودة ومعقولة كالحرية . ورغم علم رنجهاد بذلك فقد قبلت ان تقود مدين إلى عالم الاموات وتوهمه باكتشاف دواء الخلود . لذلك لم تتردد من القول قبل أن تطير : " أنا البهتان . "

ان العائق الوحيد الذى عطل النجاح هو اتحاد الروح بالجسد ، هو حاجة كل منهما إلى الاخر . فلو بقى الإنسان على طهارته قبل آن يهبط آدم الارض لكان الخلود . ولو لم تزن المادة بالروح فجعلتهما متالفين لما كان الفشل . ولكن هيهات . . فمدين مهما كان سعيه حثيثا ومهما اتقد ارادة فلا تغنيه الإرادة لان الفشل مكتوب مسبقا .

اما ليلى زوجته فقد كانت مثل ميمونة مستسلمة للاقدار والطبيعة

راضيه بمصيرها ، خائفة على حياة زوجها طالما حذرته من تحدى السماء فلم يرتدع . وطالما ودت ان تبقيه الى جانبها ، فلم تستطع . كانت ليلى واقعية ، تريد أن تلتذ بحياتها وتعبر عن محبتها لمدين فيمنعها من ذلك قائلا : " أمسكى . لا تدنسي الحب بالكلام يا ليلي . صونيه من الظلام . "

النهاية إذن تصدق تنبأ أسماء : " آحذر انه من صارع الموت فقد مات

انه من النادر جدا العثور في الادب العربي على مثل هذا الاسلوب الذي عبر به الكاتب عن مشاعر الاشخاص وأفكارهم . فالجملة العربية قد اكتسبت عند محمود المسعدى حديثا وصارت غنية بتراكيب وصور جديدة . وقبل النظر في بعض الامثلة اود أن أشير إلى نوع كتابة " مولد النسيان " فلا يمكن اعتبارها مسرحية مثل " السد " رغم كثرة الحوار فيها ، لان كلام المؤلف فيهما وتعالقه متعددة ، ولان احداث نفس الفصل لا تجري في مكان واحد . وقد لا تجرى فى زمان واحد . وكذلك لا يمكن اعتبارها قصة نظرا لكثرة الحوار فيها فهي اذن مترددة بين القصة والمسر حية ، فصولها تختلف طولا حسب الفكرة والاحداث . لعل المؤلف اراد بذلك تجديدا أيضا !

التجديد الحقيقي يظهر في ابتكار صور وتشابيه طريفة . فقد اصبحنا نرى تشبيه أشياء مادية بصور معنوية أو تشبه أحاسيس ومشاعر بأشياء ملموسة . وقد يتوفران في نفس الجملة . فهذا مدين قد مضت عليه ساعة وساعة وهو يخلط الظلمة والنور والامل واليأس التردد الفلك في الموج والشك في النفس " . وهذه ليلى " سكتت كالمسلم عجز عن الرد فاهوي كاللبيت المتهدم تسقط جدرانه في جوفه انقاضا " وهذه رنجهاد قد " جاءت كلماتها لا سابقة ولا لاحقة واصطفت بناء بديعا تحضرك معا جميع احجاره دفعة واحدة كالفرح الكامل أو ملء الحياة او كالحب يرتفع إلى الذروة أو كقمع الثلج تصيرك مثل الزجاج شفافا هذا الحر يثقل كالندم "

وفي القصة صور وجدانية بديعة يعبر عنها مدين عندما يلتقى اسماء او بليلى زوجته . فالحديث يدور بينهما في منتهى الرقة واللطف .

فننسى ذلك الرجل المملوء إرادة وعزما ونالف عاشقا عاطفيا يعرف معنى الامل والشوق : " كان لنا فى أحلامنا بيت وطفل . . وكانا يولدان فى انفسنا مطلع الفجر فيبقى الفجر في انفسنا طول النهار ونمتزج . فاظل فيك . وتظلين فى . وتنتفى الفروق : فالبيت والولد والفجر وانت وأنا كلنا فينا بنا " .

وللكاتب خيال خلاق قادر على ابتكار صور لم يألفها قراء العربية ولا نجدها حتى عند الشعرء الناظمين . فهو نفسه يعتقد مثل سانت بوف انه " ليس الشعر فى ان تقول كل شئ ، بل هو ( Sainte Beuve ) فى ان تحلم النفس بكل شىء " . لذلك جعل هذا الرأى في فاتحة كتابه " السد " . وجعل مدين في عالم الاموات يشاهد صورا لم يألفها عندما " نظر فإذا هياكل من عظام رميم تقوم فتمشى ثم تكتسى لحما وألونا وصحة وجمالا . ثم تشيخ وتتساقط فيأكلها الدود فتذهب رمادا وتعود رفاتا في طرفة عين " . مثل هذا المشهد نجده حتى عند ابى العلاء المعرى في " رسالة الغفران " فقد جعل هو ايضا احد ابطاله يأكل اوزة ويرمى بالعظام فتعود اوزة كما كانت بعد ان استعادت لحمها وريشها . وقد نجد مثل هاته الصور في الكوميديا الإلهية للشاعر الإيطالى دانتى ، لكن يصعب أن نسمع ما سمعه مدين عندما غابت عنه الذكرى " اسمعي كأنها أجراس الجلاجل ذات الجلجلة الا تسمعينها مبتعدة هاربة ذاهبة ؟ إنها الايام واسماء موليه تصوت الجلاجل فى أعناقها والراعي يزجر ويسوط . . اني الآن حق وقد جعل الكاتب خياله يحلق مع النبية في عالمها ويتتبعها قبل أن تودع مدين وأهله وارضه " ثم لوت (رنجهاد) فاسودت ، فظهر لها جناحان فنهضت ، وصفقت ثم قامت كالسحابة المغمة ودخلت عالمها " .

هاته النماذج القليلة لا تمثل إلا جزءا صغيرا من عديد الصور التى تدل على خيال خصب خلاق . وهذا التحليل لمحاور القصة قد لا يسمى وحده لاظهار قيمتها فاللرجوع إلى الاصل ، والمزيد من البحث خير دليل لمن يريد التعمق فى أدب المسعدى .

اشترك في نشرتنا البريدية