انه كتاب غريب قد اثار يوم نشر اهتمام النقاد فاعجب به جلهم ونوهوا بشأن كاتبه وتحدثوا عنه حديثهم عن مجدد فى فن القصة .
انها قصة شبان جزائريين يعيشون فى بلادهم عيشة المشردين إزاء المستعمر واذنابه فاصبحوا اجانب عن وطنهم واصبح هو رب البيت .
وغرابة القصة ليست في موضوعها بل هي في طريقة تسلسل حوادثها فهذه الحوادث لم ترد حسب مجراها الطبيعى المنسجم مع الزمان الخاضع لمنطقه المجرد من الالتواء المناقض لكل عودة او رجوع الى الوراء فالكاتب لم يسلك سبيلا مستقيما يضطر فيه الانسان الى ان ينظر دائما الى الامام فلا يلتفت الى الوراء ولا يهتم الا بالمستقبل بل انه فى قصته هذه دائم العودة الى البداية كثير الالتفات الى الماضى يستحضر حوادثه ويصور مصائبه او افراحه فالماضى قريبا كان ام بعيدا يلتقى بالحاضر ويشتبك معه ويداخله ولا نعزو ذلك الى ما سماه الناشرون " بالتفكير العربي " الذى تختلف - حسب قولهم - مقاييسه الزمنية عن مقاييس التفكير الغربي كما لو يمكن لجنس من الاجناس البشرية الا يتأثر بمرور الزمن واتجاه هذا المرور ، بل نعلله باسباب اخرى . فالانسان لا يمكن له ان يفهم وضعية الجزائر فى حاضرها الا على ضوء الاحداث الماضية وتأثير هذه الاحداث واضح جلى بارز فى الحياة اليومية ثم ان حياة ابطال القصة اتت على نسق واحد لا تتغير ابدا ماضيها وحاضرها سواء ابتدأ فيها الشقاء يوم اتى المغتصب فعاث فى القبائل فسادا وقتل كل من ابي الانقياد واغرى المنقادين بالمال واستهواهم بما لديه من وسائل الاستهواء التى عسر عليهم ان يصمدوا امامها والا يقعوا فى فخاخها ان هؤلاء الشبان لا يمتازون عن آبائهم واجدادهم بشيء وهذا " رشيد " اهم ابطال القصة يقول : " لقد احتلت ارواح الاجداد اجسامنا واقامت بها مآساتهم الخالدة فحلت محل
امل الشباب فارواح اولئك الذين هزمهم الاستعمار دائما ماثلة امام اعينهم كانها لعنة تطاردهم او طائر شؤم يحلق دوما فوق رؤوسهم
وقد يستوي الماضى البعيد مع الحاضر فلنستمع الى احد ابطال القصة وقد زج به فى غياهب السجن يقارن بين حالته وحالة الرقيق فى عصر الرومان قائلا : " ها أنا بسجن لمباز الا أن الكورسكيين قد حلوا محل الرومان فلا ترى هنا الا الكورسكيين وكلهم سجانون اما نحن فقد ورثنا سجن الرقيق بينما اخذ خلف الرومان يتجولون شاهرين سلاحهم " .
ويشعر الانسان عنذ قراءة هذا الكتاب بانه يعيش فى جو ثقيل الوطاة هو ناتج عن حالة ابطال القصة فحياتهم تشريد ومطاردة انهم مشردون فى بلادهم وليس من قبيل الصدف ان يكون ابطال القصة على سفر مستمر ينتقلون فى الجرائر من مدينة الى مدينة ومن قرية الى اخرى اما خوفا من السلط لذنب ارتكبه احدهم او فرارا من سكان قرية عكروا صفوها بعد ان كانت هادئة مطمئنة ويشعر الابطال بحالتهم هذه فيقول احدهم " هل يطردنا سكان المدينة كما اطردنا سكان القرية " وهذا التشريد يتمثل فى حياة رشيد فقد فر من الخدمة العسكرية وظل يتجول فى الجزائر ويجتنب ممثلى السلط ويسافر الى مكة ثم يعود الى وطنه فيذهب الى القبيلة التى ينحدر منها ولكن افراد القبيلة يرفضون بقاءه بينهم فيستأنف رحلته ويحل بقسنطينة تارة وعنابة تارة اخرى .
وحياة التشرد هذه تنسجم تماما مع نفسية المؤلف اذ يظهر ثائرا فى هذه القصة ، ثائرا على النظام القائم ببلاده وتأئرا على آبائه الذين استسلموا للمستعمر وانغمسوا فى تلك الحياة المنحلة التى هيأها لهم ليشغلهم عن نواياه وثائرا على بعض المعتقدات والاوهام .
ولقد عوتب المؤلف على موقفه من الاسلام ولامه بعضهم على آرائه المناقضة لدين ابائه واجداده ، قد يكون ذلك صحيحا ولكن موقفه هذا ناتج عن نظرية مواطنيه الى هذا الدين وطريقة تطبيقهم لتعاليمه فقد اصبح ممثلوه عضدا للمستعمر فهذا المفتى يقول للمتظاهرين اثناء حوادت ١٩٤٥ : ابنائى انه لا يمكن للانسان فى يومنا هذا ان يقاوم الدبابات ؛ فيثبط بقوله عزائمهم وربما يقضى على ما في انفسهم من روح المقاومة والكفاح وهذا شخص آخر من اشخاص القصة - وهو الممثل
لتلك الطبقة أنتى انحلت اخلاقها وسخرت من جميع المبادىء يذهب الى مكة للمرة الثانية ليزيل ما علق به من الذنوب بين الحجتين فيقول : " ان ملحمة الحج ليست فريضة الا على من تفاقمت حالتهم الدينية فاضطر الى الارتحال ليرافع على نفسه قريبا من مكان الحكم " ولا يتردد الكاتب فى اعتبار الحجيج تجارا يذهبون الى معرض يقام بمكة ويتراسه الاله كما لا يتردد في الحديث عن الصلاة حديثه عن رياضة ربانية .
قد تثير هذه الآراء غضب بعضهم ولكن يجب ايضا ان نعلم ان موقف "الوجهاء" " والاعيان " الذين يمثلون فى نظر المستعمر الاسلام التقليدي موقف يبعث الاشمئزاز في نفس كل ذي عقل سليم .
ويمكن للانسان ان يدرس هذه القصة من نواح متعددة فهي قصة المراهقه وما تنتجه فى نفس الشاب من حيرة امام المرأة فنعمة تلك الفتاة المنحدرة من ام فرنسية واب جرائرى تمثل القطر الجزائرى فى وضعيته الراهنة ولكنها تمثل ايضا الفتاة التى يحلم بها الشاب فى عهد المراهقة والتى قد تكون سبب اضطرابه وشقائه .
والكتاب من ناحية اخرى هو تارة ديوان شعر منثور وطورا عبارة عن مذكرات دونها شاب تراكمت عليه مشاكل الشباب والمسؤوليات الناتجة عن وضعية وطنه .
وقد رفض بعضهم ان يعتبر هذا الكتاب قصة لها ما للقصة من ميزات وعلى كل فان قيمته ليست رهن اسمه وعنوانه وانما هى في معناه الرمزي اذ انه يقدم لنا صورة للجزائر وقد تراكمت فيها " عناقيد الغضب " وباتت على ابواب الثورة .

