الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات, نجوم على الطريق

Share

عندما طلب ( * ) الى الاستاذ الشاعر جعفر ماجد ان اكتب مقدمة لديوانه لم اقدر على الاعتذار بكثرة الاشغال وارهاق المسؤوليات ، ولم اتجاسر على نصحه بالتماس من هم اقدر منى على تفهم الشعر واقوى على نقده وتقييمه

ذلك ان جعفر ماجد ينتسب الى اسرة " الفكر " التى لم تزل تعمل منذ ثلاثة عشرة سنة على المساهمة فى احياء الادب بتونس والاخذ بيد الشباب الادبي وتشجيعهم وابراز مواهبهم ، يحدو افرادها ايمان مشترك بمستقبل الثقافي التونسية ، وتربط بينهم وشائج الكفاح الجماعى والمسؤولية المشتركة وهموم العمل الايجابي المتواصل بحلوه ومره ، ونشوة غلاب المصاعب وتجاوز العقبات .

وقصائد هذا الديوان نشرت بمجلة " الفكر " ( باستثناء اثنتى عشرة منها) منذ ان كان التلميذ ماحد المتربص بدار المعلمين يراسل المجلة ، قبل حوالى عشر سنين ، ويبعث اليها بمحاولاته الاولى ، الى ان اصبح طالبا بدار المعلمين العليا يزور اسرتها ينادى قدماء الصادقية ويتلو فى وجل وحياء قصائده ، ثم ينضم اليها ويحضر اجتماعاتها الاسبوعية ، الى ان تخرج استاذا ثم تحول إلى باريس للاستزادة من العلم وتعميق التجربة فنجح فى مناظرة التبريز والتحق ثانية بالتدريس الثانوى فالعالى . . . وفي كل هذه المراحل كنت متصلا به معتزا بصداقته ، مرتاحا الى خطواته الثابتة الراسخة فى فن الشعر ، مباركا صدق تجاربه ، معلقا عريض الامال على مستقبله الادبى

ان اول ما يستوقفك عندما تتصفح هذا الديوان متانة ثقافة الشاعر وعمقها . ولئن توفر لجعفر ماجد أن يسيطر على اللغة العربية ويفقه خباياها واسرارها ويروضها فيجعلها طيعة للمعانى ، منثالة الفاظها للتعبير البليغ عن الرؤى والصور ، كغيره من كبار شعراء تونس ، بفضل ما اخذه عن شيوخ القيروان وادبائها الافذاذ وما استقاه من مجالسها الادبية الحافلة وجوها الثقافى المنعش ، فانه يعد من الشعراء القلاقل الذين حذقوا لغة حبة اجنبية ، الفرنسية واستطاعوا بها ان يتصلوا ، مباشرة ، بالثقافات المعاصرة والحضارة الانسانية فى مختلف اطوارها والاخذ بالعلوم والفنون الحديثة

وشتان بين من يجتر المعارف ، يستقيها من كتيبات ومجلات وياخذها ملخصة او منقولة او مشوهة ، يبنى تحليله للأشياء عليها ويعتمدها - وحدها - فى نظرته للوجود ، وبين من يرتوى من العين ويملك النافذة التى منها يطل على الخارج واللغة التى بها يستطيع ان يجرى حوارا متواصلا مع الانسان فى الماضى والحاضر

واذا شكونا ما يقاسيه الكثير من الشعر التونسى ، سواء من حيث حدود الخيال والاستلهام او وطأة التقليد فى المعاني والاغراض او رتابة اللفظ والموسيقى فقد يكون السبب الاول ما اعترف به شاعر تونس الكبير أبو القاسم الشابى عندما صاح فى احدى رسائله الى محمد الحليوى :

" وانه ليحز فى قلبي يا صديقى ويدمي نفسي أن اعلم اننى عاحز عاحز عاجز ، وانى لا استطيع أن أطير فى عالم الادب الا بجناح واحد منتوف .

ولئن استطاع أبو القاسم الشابى بفضل عبقريته الفذة والهامه النير وتأجج عواطفه وفيض وجدانه من السمو بالشعر الى اعلى المراتب والتحليق فى اجوائه النورانية ، فان الدهر لا يجود الا بالواحد بعد الواحد من امثال صاحب " أغاني الحياة " ، والشاعر اليوم فى حاجة الى علم ومعرفة وثقافة واسعة ولغات حية للاتصال المتين بالعالم الخارجي وتتبع للتيارات الفكرية والادبية والتفاعل معها .

هذه الثقافة العميقة المزدوجة جعلت شعر جعفر ماجد يجمع بين طرافة المعانى وجودة الافكار وبين العبارة المتينة السهلة واللفظة الدقيقة المنغمة ، بحيث لا تشعر وانت تنشد قصائده بالتصنع ولا تشكو النشاز بل تتوالى الابيات والكلمات بصورة عفوية طبيعية ، كأن الشاعر لم يبذل جهدا ولا

حاول صناعة ، ومن دون ان يورث ايقاع البحر الواحد والتزام القافية الواحدة رتابة فى الموسيقى او تكلفا .

على ان متانة اللغة وعمق الثقافة ، وان كانا لا غنى عنهما للشاعر فى عصرنا الحاضر ، فانهما غير كافيين ليكون الشعر

والحق ان جعفر ماجد شاعر قبل ان يكون مثقفا ، ملك بثقافته الآلة التى بها قال شعره واجاد ووسع بها تجربته وافلح

وابرز مظاهر شاعريته سرعة انفعاله مع الكون المحيط به وعفوية تعاطفه مع الطبيعة والانسان وعمق تأثره بالاشياء والاحداث

ولئن ظهرت هذه العفوية والسرعة فى التأثر والانفعال ورد الفعل في مزاجه وطبعه فجلبت له بعض المصاعب فى حياته اليومية وعلاقاته مع الناس حتى مع اصدقائه ، فانها تجلت بجانبها الايجابي الخلاق فى شعره ، وهذا ما يهمنا اولا وبالذات ، فجاء تلقائيا وشاهدا على حياته وذوقه وميوله وآرائه ، وكشف عن عقده وخبايا نفسه وترجم عن نظرته الى الحياة ، وكان مبرأ من الزيف والكذب وخاليا من تلك الثنائية التى طالما تجلت فى شعر عصور الانحطاط وفي شعرنا المعاصر ايضا ، بين حياة الشاعر ومعتقداته من جهة وشعره وما يودعه من معان ويحمله من توجيهات من جهة اخرى حتى انك اذا اصغيت الى بعض " الشعراء " الذين تعرفهم او قرأت شعرهم تبينت شخصيتين شخصية الانسان ) ؟ ( وشخصية الشاعر ) ؟ ( غريبتين عن بعضهما البعض ، بل تلعن احداهما الاخرى

واذا كان من حقك على جعفر ماجد ان تحبه او ان تكرهه ، ان تقبل على شعره او ان تدبر عنه فان من حقه عليك ان تعترف له بالصدق فى الانفعال بالصدق فى التعبير ، بالصدق فى الرأى ، بالصدق فى الرؤيا ، والشعر صدق واصالة قبل ان يكون صناعة وفنا ، والشعر لغة الاحساس المرهف وترجمان القلب الكبير ، يقف ويستوقف ويتأثر ويؤثر وينفعل ويفعل وحيث يمر الانسان العادى من دون ان ينتبه الى سر الطبيعة وسحر الجمال وحكاية الكون ، ترددها الاجيال جيلا بعد جيل ، يخلدها الشاعر الحق فى وجدانياته وملاحمه وروائع صوره واحلامه

على ان صدق الشاعر جعفر ماجد تجلى قبل كل شئ فى الحب باوسع معانيه واشمل مظاهره .

احب جعفر ماجد الحياة واقبل عليها اى اقبال ، بالرغم عن انها عذبته فى طفولته بل لانها صهرته بآلامها وإحنها واضطرته الى ان يبنى مستقبله بالاعتماد على نفسه فينعم بلذة العصامى الذى لا يثقل كاهله اى دين بعد ان استطاع قهر المحال وتحدى الشر والنظر الى الوجود وجها لوجه

واذا تجلى هذا الحب فى تعلقه العميق واخلاصه الكبير لمسقط رأسه مدينة القيروان ، الماجدة ، فلأنه يستمد منها الدفء والحنان اللذين لم ينعم بهما لما كان طفلا لم يكد يعرف أباه ولم تيسر الحياة بشظفها لأمه الفقيرة ان تعنى به وتحيطه بما كان في أشد الحاجة اليه من عطف وشعور بالامن فاحتمى بالقيروان وماضيها الحافل وحرص على " التأصل " فى بيئته الاولى ، اشفاقا من تجرع آلام يتم ثان ، قد يكون ادهى وامر ، هو اليتم الاجتماعى او الحضارى

سلوا التاريخ عن أمسى         وعندي اليوم ما عندي

لقد اشرقت كالشمس             بنور الحسن والمجد

. . ومجدى الدهر لا يخبو      فيومي مثله امسى

وبذلك يضيف جعفر ماجد بعدا آخر الى ابعاد شخصيته فاذا هو ينتسب الى ماض عريق ويرث ثروة الاجداد الواسعة ويردد اصداء التاريخ الحافل واذا ذاته اوسع واعمق من ذات الطفل اليتيم الفقير لانه رضع من تديى مدينته وتغذى من تربتها فهو امتداد للقيروان يكن لها عواطف الامومة وهو فرع من اصل لا يقدر على الانفصال عنه او التنكر له :

انا بذرة من ثراك الخصيب             رضعت بثدييك سحر البيان

.. فغنيت اماه كالعندليب                على دوحة الشعر لما دعاني

.. اذا كنت يوما بنفسي فخورا         ففخري يعود الى القيروان

او

حنوت عليك حنو الصبى        وبحت بشوقي فلا تعتبي

ثم هو يتحد مع اهل القيروان ويذوب فيهم بل يصبح لسان حالهم ويعبر عن مشاعرهم :

أراني على كل وجه كأنى         بفيه اغنى وعينيه أبصر

وما ان بلغ جعفر ماجد سن المراهقة حتى اكتشف المرأة وأحب جمالها فأحب الحب .

واذا بدا للدارس من أول وهلة ان الغزل طاغ على شعر ماجد وانه امعن احيانا فى وصف محاسن المرأة الجسدية ولم يتصورها الا مدعاة للذة فذلك لارهاف احساسه وسرعة تأثره بالجمال وتوقه الى الحنان والافلات من لظى الحرمان .

والمتعة ليست عند هذا الشاعر الشاب ، الذي ألف معظم قصائد هذا الديوان وهو دون الخامسة والعشرين من عمره ، مادية بقدر ما هي معنوية تتمثل فى السعى الى تعميق تجربته الوجدانية و " الاتحاد " فى الحياة والمصير

ولم يظفر جعفر ماجد دائما بما كان ينتظره من المرأة بل كثيرا ما خابت مساعيه ووجد نفسه على حيرتها وعطشها ولهفتها الى " المطلق "

ولا يخلو شعره من بعض الاضطراب على غرار ما يعترى شخصيته المعذبة فهو حينما يثور على اليأس ويقوى على الصمت ويتحمل الوحدة والوحشه زاده كبرياؤه وشعوره بالكرامة

فلا تعجبي ان يكن طال صمتي         فقد كان لي كبرياء الرجال

وحينا آخر يترك في نفسه لليأس منفذا وتغلبه الدموع ويكاد يفلت زمام أمره من يديه :

ذكرياتي على الطريق هشيم          لفها البرد لفها كالرفات

ها أنا والمساء ساج حزين           جئت ابكيك يا بقايا حياتي

وبعينى زوابع من دموع             وبسمعي عواصف الاهات

ومهما يكن فان شعره بلغ فى التغنى بالحب ومناجاة الحبيب ومستوى قل ان بلغه الشعر العربي الحديد المتجدد ، بما احتواه من رقيق المشاعر ورائع الصور وطريف التشابيه وما أكسبه من حياة وحيوية ليس الحوار والتوفق فى اختيار البحر والجناس والطباق الا بعض وسائله :

اذا ما اشتاق للافاق ملاح

ونادته الى التيه فلم يصبر

ساجرى مثله فلكا

وفي عينيك يا معبودتى ابحر

او

وانظر فى الوجود فلا أراه    سوى ابد اغذيه خيالا

كذا أحيا بلا ماض وآت       واكل حين اقتات الجمالا

أو :

ما الحب الا حلول الله في بصرى       وهل تحب جميلا عين افاك

لكن جعفر ماجد لم يتأثر فقط بجمال المرأة بل أحب جمال بلاده وروعتها وفضل الجمال الذى يصنعه الرجال ويقدونه على قد امالهم وقيمهم العليا واستعذب مرارة العمل الدائب فى سبيل تطوير المجتمع واستئصال اسباب القبح والتخلف منه ، فتغنى بتونس ومجد عمل ابنائها وما لا يزالون يخلقون ويشيدون :

وفي بلادى جمال ان غلبت به          الا وفي جوهري اياته القدس

على العيون رواء من اشعتها          وفي الشعور سكون الليل ينعكس

فما أحر جمالا نحن نخلقه              نلتذ من ناره حينا ونبتئس

وكذلك تأثر الشاعر بما دهى بنزرت سنة 1961 وشارك الشعب التونسي ملحمة النضال فى سبيل تحرير " ثغر " الشمال فشبه بنزرت بالفتاة الحسناء التى يسعى الى الفوز بها بعد اجلاء الرقباء والدخلاء من حولهما :

بذلت لك الارواح مهرا وانتشت        بدمائها في غمرة الالام

وأنا حبيبك لست ارضى عفتى         تنزو بكف المجرم الاثام

فمتى تكون ولا رقيب بدربنا            ومتى افوز ( بثغرك ) البسام

وتبدو طرافة جعفر ماجد وصدق شاعريته فى وصف الرئيس الحبيب نورقيبة والتعبير عن شعوره وهو طفل عندما كان الزعيم يزور القيروان فيلتف حوله المواطنون ويصغون اليه ويتجاوبون معه . ويتغذى الاطفال مثل الكبار من دفق وطنيته وحماسه العارم

. . واشرابت اعناقنا لتراه         واستطالت كانها تتمدد

فارس اسمر المحيا نحيف         واكف سمراء ترغى وتزبد

نثرت حوله النجوم الوفا           وله في الهلا عرش ومقعد

حملته الرقاب كالموج نشوى      فراينا الرقاب اذذاك تحسد

كم نقشنا اسمه على كل لوح      حين كنا بكل قسم نجند

وعند هذا الحد قد تميل الى التساؤل فيما اذا كان جعفر ماجد شاعرا ملتزما أم لا لان من آفات النقد الحديث ، وخاصة فى مجتمعاتنا المتخلفه ، تصنيف الشعراء إلى ملتزمين واحرارا ) ؟ ( ، كان الاديب الحق والمفكر الاصيل والشاعر الشاعر يمكن ان يكونوا غير ملتزمين وكان الفن والابداع يمكن تصورهما بغير الحرية والتلقائية وكان الزام الاديب وتسخير الكاتب اورثا " ادبا في الماضى او الحاضر !

ان جعفر ماجد يجيب بنفسه عن هذا التساؤل فيقول

ولم أشد الا كما شئت حرا       ولم التزم غير صدق البيان

صدقت الفن فى سرى وجهرى   وحسب الفن ان يبقى رصيدي

وهكذا فان الصدق فى الاستلهام والوصف والصدق فى المشاعر والعواصف هو أول ما يمتاز به الشاعر وقد صدق جعفر ماجد عندما تغنى بالقيرواوان وعبر من تحاربه العاطفية ، وصدق حينما وقف يستلهم صقلية ويصغى الى التاريخ يردد امجاد المسلمين ، وصدق حين استفظع جحيم " هيروشيما " وصرخ تضامنه مع ابناء فلسطين ، وصدق عندما تعاطف مع افريقيا ومجد شهداءها وصدق لما أحب بنزرت وشهر باعمال الافاكين ، وصدق فى وصفه للزعيم الحسب بورقية وكان في كل ذلك صادقا مع نفسه ، وفيا لما امن به ودعا له

واني لا اتردد فى القول باننا ازاء شاعر أصيل يحق أن نعتز به وان شحه لانه ادخل نسغا حديدا فى جسم الشعر التونسى ولانه قادر - اذا ما ثابر على طلبه للثقافة ونشدانه العمق والاصالة واجتنب الوقوع فى ما يهدد امثاله من الادباء النابغين من زهو وخيلاء ، وتشدد مع نفسه وبلغ مستوى اعلى من النضح الفكرى - على بلوغ أعلى مراتب الافذاذ من الشعراء لا فى تونس والعالم العربى فحسب بل وفي العالم كذلك .

واني ابارك هذا العمل وارجو له مخلصا النجاح الذى يستحقه كما ارجو ان يواصل الشاعر الشاب انتاجه ويحيا تجارب شعرية جديدة يثرى بها الاداب العربية .

اشترك في نشرتنا البريدية