ديوان " حنين " لزبيدة بشير ، بقصائده كلها يكاد يكون قصيدة واحدة ، تتنوع فيها انتفاضة القلب ، وطريقة استصراخ الحبيب الضائع . فلا بهرج زائف كما هو الشأن عند البعض ، ولا برقيات ملتزمة او شعر خطابى تربض خلفه جثة جمهور يصفق ولا شعر وصفي لم نعد نستسيغه . .
ولعل كلمة " حنين " فى عنوان المجموعة الشعرية هى حنين زبيدة الرافض لكل زيف فى ( التجربة ) ولكل زيف فى تجسيمها بواسطة ( الشعر . . ) !
اما صاحبة ديوان " حنين " فهى صاحبة اول ديوان شعري فى تاريخ (1) المرأة التونسية وربما ( الشمال - افريقية ) وهى شاعرة كبيرة اذا كان الشعر ( فم الشعور وصرخة الروح ) كما قال شاعرنا أبو القاسم الشابى . كلمات هذه المرأة خطرات نسيم يتهادى على رمال شواطئنا ، أعنى شواطئ الشعر عندنا وقد كانت مكتضة قبلها بالجنس الخشن فقط ، وهذه ( الكلمة ) منى أردتها تحية للصديقة الشاعرة ولمسة نقدية خفيفة لديوانها الذي هو حدث نسائى لا يقل اهمية عن عدة احداث جوهرية فى تاريخ المرأة عندنا منذ الطاهر الحداد وخصومه الى صدور مجلة الاحوال الشخصية . .
" وهبتك للضياع فلا تعدلى "
" وعش فى الارض لا تقرب سمائى "
" فانك مذ تقلص عنك ظلي "
" ككل الناس - من طين وماء "
فى اعماق الاديب او الشاعر سيلان من الوجدان يفيض آنا وينسكب او يتقاطر ولكنه ( سيلان ) لا يكتب بقلم او يرسم بخط . فاللغة تفسد عفاف الوجدان بسبب التعاريج بين لفظة وأخرى ثم بسبب ان ( اللغة ) البشرية شئ مادى خارجى وأنى للخارجى ان يفجر براكين الحياة الباطنية ، او يؤدى كتمات الروح ونمنماتها ، ويجسد القصيات الوجدانية . .
الا ان بعض أهل الادب المعاصر من " الخلاقين " قد اجتهدوا فى إعطاء مفاهيم جديدة ( للكلمة ) مما جعل التساؤل عن الكلمة بداية اطلاع على البطاقة الشخصية لادبهم ومفتاحا لغوامض أفكارهم . . .
وفعلا ، لدى قراءتى لديوان " حنين " لم أر حرجا فى التساؤل عن الكلمة عند زبيدة بشير من خلال قصائدها بالديوان . .
الكلمة عند شاعرتنا ليست ثورة على قوالب الفن تجعلنا نضع نقطة استفهام حول الاصول والتراث بل الكلمة عندها نافذة من زجاج تطل علينا من خلالها وتطل على الحزن . الحزن الناتج عن الصدمة . عن التقابل الحاد العنيف بين نفس شاعرة مرهفة وبين الزيف فى الوسط الخارجي المتصل بتجربة الشاعرة .
فالكلمة اذن - أى التعبير الشعرى - عند زبيدة بشير مرحلة حتمية للصدمة ، نتيجة طبيعية لاصداء الواقع الذي نرى ملامحه فى الحروف . نشعر بمرارته فيها . زبيدة لا تتصنع فى الشعر . لا تحيا بالكلمة حياة ثانية ، بل هى تلتمس منها ملجأ للذات . مرفأ هادئا تتحسس فى ظلاله الوارفة كوامن حسها المكلوم ، وزفراتها العميقة فاذا بها من هناك تأبى الا اعادة الحادثة المعاشة فترتجف بها القصيدة مفجرة منها فيضها الرومانسى المر ، المنبجس من حنايا الشاعرة والذى لا يملك الكثيرون الا ان يلتقوا مع هذا الفيض أو لجزء منه فى أدق أعلاق شعورهم . بجزء يحركنا حتما ، على تفاوت فى مستوى الرهافة والتفاعل والامتزاج . . .
" العبارة (2) الكاملة هى التى تخرج بسيطة . . او بالاحرى هى التى تأتى جبرا كامتداد موجب . . بحيث أننا لا نقف عندها ، بل نتجاوزها فى خط مستقيم الى ما تريد أن تعبر عنه ، كأنها والفكرة المقصودة شئ واحد . هذه العبارة تذوب لفرط شفافيتها " ونفس هذه العبارة عند شاعرتنا تخرج بسيطة
وفى امكان كل قارئ ان يلاحظ ذلك بالعودة الى الديوان ، اما مسألة ( الجبرية ) فأصدقاء زبيدة ( وكاتب هذه السطور احدهم ) ، على علم بأن
الشاعرة زبيدة تبقى شهورا وشهورا دون أن تكتب بيتا من الشعر ، ثم بلا موعد تفاجئنا بفيض شعرى قاهر ليس لها منه مفر او خلاص . .!
اذن ، فهذا " الامتداد الموجب " لا ينبغى ان يقف النقد الشكلى طويلا على الجانب التركيبى منه بل عليه أن يتجاوزه . فالصديقة قد أرادت من الشعر شيئا آخر غير القصيدة كصنعة . كقالب . كتركيب . هي أرادت من القصيدة رئة ثانية تتنفس بها الواقع المنهار بأشكال ( عمودية ) او ( حرة ) لا اختلاف بينها الا من حيث الجو العام فالواقع الذي ترزح تحته حساسية الشاعرة هو ، هو ! وهذا ما جعل جل القصائد متكررة مجترة لانعكاسات تواجد ذاتى تلقاء واقع معاش بأشكال شتى . .
لا غرابة اذن أن يكون موقف النقد ازاء هذا الصنف من الشعر متحررا من موضوعية العلم ، ومن مختلف أجهزة الاحكام الباردة الجاهزة او المفتعلة . فشعر زيبدة ينبغي ( حسب رأيى الخاص ) أن يؤخذ من حيث الصورة الكلية المؤثرة ( كما حاولت هنا ) لا من حيث كونه ابداعا فنيا . فهو ليس أكثر من جانب شخصى معاش بحرارة واخلاص اكتفت الشاعرة الفاضلة بنقله من فضاء الواقع واغوار الذات المرهفة الى فضاء آخر هو التجسيم النهائى بواسطة الكلمات ، والاوزان وشئ من الصور العفوية . . .
" أتراه يذكرنى . . ومالى في حياتى غير ذكره ؟
" والشوق يعصف بى ، يقيدنى . . ويخضعنى لاسره
" فاذا بعنف عواطفى يختار فى تأويل أمره
" انى سئمت بروده . . ليكاد يدفعنى لغيره
" لكننى أهواه حتى وهو لغز مبهم
" أتراه يعلم أننى أهواه أم لا يعلم ؟
هذا النقل لم تحاول فيه الشاعرة اى تسريد منطقي او تعقيل او تزييف حتى كاد الامر ان يصل " بمذكراتها " الى مستوى المذكرات الشخصية الموضوع واحد هو الحب فى مراحله الهادئة والثائرة . الباسمة واليائسة ترسل زبيدة الزفرات الشعرية فاذا بها تنفذ الى القلوب لصدقها وبساطتها وخلوها من التفعيلات المفتعلة التى لا انفعال فيها . يرن فى مسامعنا جرس الشعر فاذا به ذلك الصدى الوديع الهادى الذى ينتزعنا من عالمنا الصاخب .
من هذا العالم الذى تشكو فيه الذات شتى أصناف الرتابة و التصدع . ينتزعنا النغم ليغرقنا فى عالم البوح . عالم التناقض : فيه الطهارة لكنه لا يخلو من الزيف . فيه القداسة كما فيه اشباح الغدر . فيه صفاء الطفولة كل فيه صرخات الانسحاق وقهقهات السراب .
الا ان الاخلاص الذي تردده الشاعرة وتبقى من أجله معزولة عن الحاضر بالذكرى ، ومعزولة عن المستقبل باليأس ، هذا الاخلاص هو الذي يبرر او
يعطى تفسيرا لالحاح الشاعرة على حصر ملكة الشعر لديها فى دوامة موضوع شبيه بمدار مغلق لا تكاد تنعتق من هيمنته عليها ، الشئ الذى قد يدفع البعض الى التساؤل :
- أليس للشعر عندها قدرة أكثر على الاحساس بالكون ؟ بالاخرين ؟ وهذا لا يعنى أننا نطالب الشاعرة بالتخلى عن بساطتها فى التعبير ، بل يعنى انه من حقنا كمؤمنين بموهبتها الاصيلة ، ان ننتظر منها قصائد جديد فى مجموعة اخرى ثانية تمثل نموا فنيا فى الرؤيا ، وتتسم بغوص أكثر على الوجود الحق . بترفع اكثر عن الكيان الجزئى الظاهر المبذول لجميع ذوى الابصار . بترجمة اعمق للدرامة الانسانية . بتصعيد شعري أقوى مع استقطاب ثرى مثمر للعفوية الخالصة ( التى لا نرى غيرها من بقية ما ذكرنا فى الديوان ) . .
زبيدة ليس ينقص من شأنها ان تكون ذاتية عميقة فى ذاتيتها ، أصيلة صادقة فى فرديتها ، مكتفية فقط بالبوح ، مجرد البوح ، مالئة اسماعنا بصوت انثوى مؤثر صاغت نبراته من بكارة العاطفة ، وطفولة الحس . نعم ، ليس يضيرها ان تكون كذلك ، ما دامت تبدو أروع درس للشعراء فى قضية الصدق الفنى ، هذا الصدق الذى جعل من شخصيتها ( السائرة فنيا ) نحو الاستقلال الكامل والطابع الخاص ، جعل منها " النسغ " الجوهرى للشعر . لهذا فالقصيدة عندها اكثر من وعاء . اكثر من هيكل موروث وذلك لانها أرادت أن تكون القصيدة جزء منها ، لدى لحظة الانفعال الشعرى العميق . . .
( حنين . اذكرنى بخير . دعوة . صلاة . حيرة . ذكريات . هل يعود . انطلاق . نجوى . فراق . الوصول . ميعاد . الخ . الخ ! ! )
هذه بعض عناوين ديوان " حنين " لزبيدة بشير ، وهى عناوين كافية لرسم دائرة التحريرية الذاتية المغلقة فى الحب والتى قل أن وفق شعراء ( الرومانسية ) من الانفلات من أسرها ، فجاءت " أحزانهم " باهتة الرؤية ، خالية من التوتر والقلق ، غير قادرة على انتزاع اعجابنا الكلى او تفجير منابع جديدة حية فى قلقنا المعاصر . . فنحن امام قصائد هؤلاء دون استثناء زبيدة بشير و ( حتى ) بعض فدوى طوقان و ( بعض ) نازك الملائكة ، نحن ننفعل لكن هذا الانفعال سرعان ما يتلاشى او تبقى منه ملامح غامضة ضبابية لو عدنا اثرها لوجدنا القصيدة جافة مفعمة بالرماد والموت . . فما هو السر ؟
السر فى ذلك ان التجربة تعوزها الكثافة والشمول بسبب ارتباطها الآنى العابر بصاحبها فى لحظات معينة خاصة . فلابد من الارتفاع بالتجربة عن ستار الذات فى انطوائها ولو تحقق هذا - عند هؤلاء وعند زبيدة بشير لكتبوا الشعر الذى لا يموت او يتلاشى بسرعة لان القصيدة الحقة - كما
يقول رينه حبشى - " لا تنتهى مطلقا بأن تذوب فى وعى سامعها ، لأنها لم تنه البتة تعبيرها عن كل الغنى الخفى الذي حضنت بذرته . " . . .

