الخلقة السابعة من سلسلة " كتاب البعث "
فرغت من قراءة هذا الكتاب فاحببت أن اتحدث عنه ، وخيل إلي ان هذا أمر جد يسير ، فالكتاب صغير الحجم ، والفكرة فيه واضحة ، والمؤلف ليس مجهولا لدي ، ولكن ما أخذت القلم لافعل حتى وجدتني في حيرة من الامر ، وجدتني لا استطيع ان أقر على اي وجه من وجوه القول ، ولا استطيع ان اتبين اي منحى من مناحي النقد اتسلط به على كتاب " ... ومن الضحايا " ... اتسلط به عليه ولا اخشى ، فمؤلفه صديق حميم لي ، وهو رجل صريح ، تعجبه الصراحة اكثر مما تعجبه المجاملة ؛ وهو مع ذلك يتعلق بالحقيقة ، ويخشى ان تخطأ ، أكثر مما يخشى ان ينقد ويلام .
وعزمت على الخروج من هذه الحيرة ، فعدت إلى التفكير في فصول الكتاب واحدا بعد آخر : فكرت في " السكر حرام " وفى " عنقود النحس " وفي " مستعمرة الهكتار " وفي " شقاء العقل " وفي " المترهبة " وفي " الخوف " وفي " نساء الحسين " وفي " المحنة " وفي " مأساة الاخطار " وفي " انتقام السكر " وفي " رساله معتوه " ... فكرت في كل هذا ، فعجت بي كثير من الذكريات والصور والارتسامات ، ورغم ذلك بقيت التمس وجها للقول .
وقد خطر لي ان آخذ على المؤلف بعده عن الاصول الفنية للقصة ، وعدم اكتراته بتحقيق الشروط التي يرتضيها قراء هذا النوع من الادب ... خطر لي هذا ، ولكن سرعان ما مثل لي قوله في تقديم الكتاب : " قد تبحث انت - ايها القارئ - عن تلك الاصول الفنية ، وتحاول تطبيقها على ما ستقرأ من صفحات . اما انا فما يعنيني شيء من ذلك . الذي يعنينى فقط هو ان انقل اليك هذا الحديث كما هو مسطور في قصة الحياة ، هذه القصة التي نقرأ منها جميعا ، ونساهم في تأليفها جميعا ".
اذن فالكتاب نقل او ترجمة لما هو مسطور في قصة الحياة ، وماذا يتناوله المتحدث عن قصة الحياة وهي من وضع الاقدار ، ووصف التاريخ ؛ وكم في الاقدار من وجهات للتأمل والتفكير ، وكم في التاريخ من شعب للقول والتحليل !!
أفهل نلتمس عذرا من هذا فلا نسأل المؤلف عن عدم توفيره للكتاب فصول القصة ، أو عناصرها الفنية ؟ انه قد بادر فأعلن أن همه فى الكتاب ليس الفن وانما هو الحياة ، وان عنايته فيه ليست بالقصة وانما بالمشهد .
وخطرت لي أسئلة أخرى ، وخطرت لي اجابات عنها ، وفي النهاية قطعت كل الخواطر ، واقبلت انظر في الكتاب . فيما حمل إلي من مشهد ، وفيما رسم أمامي من صور ، وفيما الفى على نفسي من ظلال . في النهاية عرفت أن هذا النظر هو أولى ما يواجه به كتاب لم يعن المؤلف ان يضيف إليه من عمل الخيال واصباغ العاطفة وزخرفة الفن ما يخرجه عن إطار الواقع المشهود إلى مستوى القصة الفنية المبتكرة .
في النهاية عرفت هذا ، فاقبلت اتأمل واتملى واستكنه كل ما أحاط به إطار هذا الواقع الذي لا يقل جمالا وروعة عما يحيط به القصص الفني المبتكر . وكيف يقل جمالا وروعة قصص واقعي ، نبضت فيه الحياة ، واختلجت به النفس وتجسم فيه المشهد ، مشهد فتى نشأ في منطقة أكسبتها الطبيعة خصوبة ولطفا (١) وثراء ، واكسبها الاستعمار جهالة وبشعا ويؤسا .
ولم يخضع الفتى لمنطق هذه البيئة فيكون جهولا خاملا ذلولا ، بل نشأ متطلعا ، ثائرا ، متمردا ، يحاول ان يغير ويجدد ... ولكنه يرتطم بصخور الاوضاع ، وتدميه تضاريس الفساد ، فيشتد شعورا بالالم ، ويتقد احساسا بالسخط : السخط على التقاليد النكراء ، والدخيل المستعمر للارض ، والجهل المخرب للارواح ، والتعليم المضلل للشباب ، والقضاء المهدر للحقوق ، والشريعة المزيفة بالخرافة
ويكظم الفتى سخطه ، ويتدرع بعزيمة البطل المكافح ، وجلد المؤمن الصابر ، وضراوة المجترىء المغامر ، ويزداد تحمسا فى المقاومة . . وفجأة نعلم ان الأقدار ضنت عليه بالنصر ، فانهزم في معركة الروح والجسم ، والماضي والحاضر والنسل والعلم ، والوسط والتقاليد ، والامل والتشاؤم " .
هذه هي الخطوط الكبرى التي ترسمتها من مشهد " . . ومن الضحايا " وهو مشهد مليء بالعظة والاعتبار ، طافح بالحركة والحياة ، ولكنه مع ذلك لا يسكت القارئ عن ان يوجه الى المؤلف كثيرا من العتب ، لا يسكته عن أن سأله :
- لمادا لم تجعل " . . ومن الضحايا " قصة حقيقة بالمعنى المفهوم للقصة . قصة تجمع بين الواقع والفن ، تمتع القاريء المتفنن .وترضي الباحث المتطلع . انك لو فعلت لجاءت مواقف بطلك تعبيرا رائعا عن حياة جيل كامل من الشباب التونسي ، عاش اهم مراحل تاريخه القومي الحديث ، هي مرحلة الارهاص لهذا الطور الذي نراه جاهدا فيه ، يعمل ليتخلص من مظاهر كانت هي مبعث السخط والالم في قرارة بطلك . . الضحية ؟
لمادا لم تفعل . وأنت من أشد الناس خبرة بتجارب هذا الجيل ، الذي لم يكن بطلك إلا واحدا من آلاف مثلية ؟
لماذا لم تعن بتوفير عناصر الشمول في قصتك . فتأتي فيها شيئا زائدا على ضباب البخور الضارب على محيط البطل .. شيئا زائدا على أغشية الخمول ، ودينونة الاحمرة المذللة للاسياد المتجبرين .. شيئا زائدا على خرافة " نساء الحسين " ...؟
أنسيت انه كان يجلس تحت العرصات بازاء ذلك النوع الخراقى من الشيوخ نوع آخر اشد هدما وتفويضا لما تحاول نسجه تلك العناكب ؟
لماذا بالغت في الانقباض والانحجاز الى الأسلوب التقريري المجرد، فلا يحس القارئ بنبضه القلب ، ووقدة الاحساس ، ونبع العاطفة ، واختلاج الضمير ، الا في فضلك الأخير ، وهو على لسان الضحية أو من تحريرها على ما اظن ؟
لماذا لم تتخير كل عناوين فصولك ، فلا تجعلها مزيجا بعضها فاتر لا وحي فيه ، وبعضها رامز يثير الفلسفة ، ويبعث على التأمل ؟
لماذا اوجزت في رسم المشهد ، وتواثبت فى اختطاط فصوله ، فما تمهلت حتى سيق بالضحية الى مصيرها الفاجع الاقتم ؟
أحسب ان لكل هذه الاسئلة جوابا واحدا ، لا يمس جوهر الكتاب ، ولا خطة الكاتب فيه بقدر ما يمس ظروفه ... فان موضوع " ... ومن الضحايا " يفيض حيويه ، ويمتزج بالواقع الذي انتزع من صميمه ؛ وان كاتبه لقادر على ان يوفر فيه أكثر ما تقضي به مناهج الفن القصصي ؛ ولكن أنى يجد السبيل الى ذلك وهو - كما ظننت - يكتبه تحت ضغط المطبعة ، والناشر فى انتظاره ، يتلقف كل صفحة يرتفع القلم عنها . قبل ان تجف ؟ !!

