(( عشرات الخطوات تفصل المدرسة الصادقية عن القصبة ومقر الوزارة الاولى التونسية ، خطوات معدودة بين مقاعد الدراسة وقاعة اجتماع مجلس الوزراء . لكنها اقتضت من الطالب الثانوى محمد مزالى (*) ( من مواليد المنستير فى 23 ديسمبر 1925 ) عشرات السنوات ، قبل أن يصبح ولاول مرة وزيرا للدفاع فى عام 1968، وقبل أن يصبح منذ عام 1980 وزيرا أول . خطوات معدودة استلزمت سنوات وسنوات ، لان مزالى لم يكتسب موقعه بناء لتركة سياسية أو لزعامة جاهزة ، بل لنفس طويل فى خدمة الغير ؛ فنشأته فى عائلة متواضعة وتيتمه المبكر ودراساته العليا الفلسفية والادبية لم تعده لان يصير سياسيا متمرسا ، بل لان يعتمد على عزيمته وقوته النفسية ، قبل كل شئ .
ان تكوينه ، ودراساته واحلامه ايضا دفعته لان يصبح استاذا . ولكن من قال ان رئيس الوزراء حين يؤدى مهمة التوجيه والارشاد كما يصوغها مزالى فى بلد نام ومستقل حديثا لا يحتاج الى مثل هذا الدور التربوى ؟ (( لم انقلب ولم اتقلب دوما )) كما قال ! إنه صادق ، مثابر ، مجتهد ودؤوب . تدرج فى سائر مواقع السلطة ، كعداء المسافات ، عزيمة قوية لعداء لا يبدد قوته فى الامتار الاولى . هل واصل هاوى الرياضة وهو الوزير الاول مزاولة العدو؟
ان لبنة تكوين محمد مزالى تتمثل فى تصوره الثقافى للسلطة والفكر ، لهذا فضلنا اجراء حديث ثقافى ، فكرى وانسانى معه وهو الكاتب والمفكر الذى يزاوج بين السياسة والكتابة منذ عام 1955 حين أسس مجلة (( الفكر )) الشهيرة ، وحين اصدر كتابه الاول ( الديمقراطية ) وحين تسلم اول منصب سياسي فى سنة 1956كرئيس لديوان وزير التربية القومية )) .
* منذ سنتين ونصف وانت تتولى رئاسة الوزراء وقد انتهجت خلالها ما اسميته بـ (( سياسة الحوار )) كيف تقوم المحصلة
العامة لهذه السياسة ؟ هل استطعت فعلا ، والى أية درجة ، اقامة التوفيق الذى طالما تكلمت وكتبت عنه سابقا بين الفكر والسياسة ؟ أية عبر ، أية خلاصات ، أية تصورات توصلت الى الاقتناع بها بعد هذه التجربة ؟.
- ان الجدل بين السياسة والفكر منعش وحي وصورته فى رأيى هو ان السياسة ممارسة بومية لمحاولة تجسيد كل او بعض ما يوحى به الفكر ، أو ما توحى به الثقافة الحق لرجل الفكر ، او لمن يحمل مبادئ ويؤمن بقيم ويتخذ مواقف فى الحياة بقدر ما يستطيع المفكر او المثقف ان يكون جريئا طموحا ومقداما فى اتخاذ المواقف . ان الممارسة اليومية الاختلاط بالناس يكشفان صعوبة الانتقال من طور النظر او الرؤية او الحلم الى مستوى الواقع فى هذا الجدل أى بين سماء الافكار والقيم وواقع البشر والمشاكل اليومية . المهم والصعب فى الوقت نفسه هو أن لا يتيه الانسان السياسى فى خضم المشاكل وان لا ينسى الرجوع الى القيم وان لا يتحول تمسكه بالقيم نسيانا للواقع البشرى ، بحيث يجمع بين المثالية والواقعية .
* هذا هو الجدل أو المعادلة النظرية العامة ، ولكن كيف ترى هذا فى تجربتك الخاصة ؟ .
- هناك السياسى المحترف ان صح التعبير الذى يأتى الى السياسة لانه يحب السياسة أو يلتذ بالنفوذ أو يحب أن يرضى مطامحه الشخصية وهناك السياسي الذي يعتبر المسؤولية السياسية أداة وقوة ونفوذا يتمكن لها كلها من تحقيق بعض احلامه أو تجسيم قيمه العليا فى الواقع . وهناك السياسى المحترف الردىء الذى يستعمل كل الوسائل لبلوغ غايته أى لاعتلاء الكراسى أو الاحتفاظ بها . وهناك السياسى الشريف الذي يعاشر الناس ويختلط بهم لخدمتهم فهو اذ ينغمس فى الواقع لا يتلوث ولا يتورط فهو فى النار ولا يحترق كما يقول المثل العربى .
* الى أى نوع من السياسيين هؤلاء تنتسب ؟ .
- انى أحاول أن أوفق فى تحقيقى أو فى تجسيمى كل ما كنت أو ما لا ازال أحرص على تجسيمه . فاننى حققت البعض ولا أشعر على الأقل
بأنى أتيت من الأفعال والأقوال ما يتنافى مع ما لا أزال اؤمن به وما أحاول الدعوة اليه وتجسيمه فى الواقع .
فعلى المستوى السياسى وعلى سبيل المثال أنا لا أزال منذ نعومة أظفارى مقتنعا بأن تونس تنتسب الى أمة عربية اسلامية وبأن لها مقومات قومية وروحية وبأن لها خصائص تاريخية وحضارية ، كما أنه عليها أن تتعامل مع الغير من منطق الأخذ والعطاء لا من منطق الانحناء أو التقليد ، وبأن عليها أن لا تنزوى أو ترجع الى الوراء . منذ نعومة أظفارى الى حين تقلدى مسؤولياتى الوزارية جسدت هذه المبادىء أو على الاقل حاولت ! فى علاقاتنا مع الدول . ومنذ سنتين ونصف أعتقد وبكل تواضع انى ساهمت فى تمتين علاقات الاخوة والتعاون بين تونس وكل شقيقاتها العربية وقد زرت معظمها . وتحدثت الى الاذاعات والتلفزات وألقيت المحاضرات
وأبرمنا اتفاقيات ودعمنا تنقل الأشخاص ( الخبراء ورجال الصحافة والمفكرين وذلك لأنى أؤمن بأن تونس هى جزء لا يتجزأ من الأمة العربية الاسلامية وذلك على الرغم من اعتقادى بأن لتونس خصائصها كما أن لكل بلد عربى خصائصه الا أن هذه الخاصيات متكاملة ومثرية بعضها لبعض حتى تتكون منها جميعا الثقافة والفكر العربيان الاسلاميان . فأنا لم أفعل شيئا يمكن أن يفهم على انه قطيعة أو ابتعاد أو جفوة أو تعال أو تصاغر ازاء الأمة العربية . كذلك وفى نفس السياق يمكن أن أتحدث عن موقفنا من قضية فلسطين . فجاء أكثر وضوحا وشمولا وتواصلا .
ويهمني أيضا فى هذه الاشارات السريعة أن أتعرض لمسألة الديمقراطية والاشتراكية . فأنا ، كرجل فكر وثقافة ، أؤمن بحرية المواطن بصفة عامة ، وبحرية الأديب والخلق الفكرى بصفة خاصة وهذا ما مارسناه : فقد أطلقنا فى سنة 1980 بعد أسابيع فقط من تشكيل الحكومة سراح عشرات الطلبة الذين كانوا مسجونين منذ عام 1974 ، كما أطلقنا سراح النقابين ،
بل استصدرنا بفضل تفهم السيد الرئيس قانونا للعفو التشريعى الخاص . فما من نقابى أو سياسى طلب العفو الا ومنحه اياه السيد الرئيس . ناهيك ان هناك عددا من التونسيين الذين لجأوا الى العالم العربى أو الى اوربا منذ عشر أو خمس عشرة سنة قد رجعوا الآن الى تونس وهم يتمتعون بكل حقوقهم وما يزالون على أفكارهم . فنحن لم نشترط عليها أبدا أن يطلقوا أفكارهم أو أن يتنكروا لها .
كذلك فاننا أرجعنا حيوية الاتحاد العام التونسى للشغل الى سابق نشاطها ونسجل هنا ان الاتحاد يتمتع بالحرية ويأمر ببعض الاضرابات .
كذلك أرجعنا الحياة لبعض الأحزاب ، فالحزب الشيوعى الذي كان محظورا منذ سنة 1962 أصبح الآن حزبا شرعيا . ناهيك ان عدد جرائد ومجلات المعارضة تتجاوز عدد جرائد ومجلات الحزب أو الحكومة . وهذا قد يبدو متواضعا للذين يطلبون المطلق . لكن لا بد من خطوات ، خاصة وان الديمقراطية ، كما قلت ذلك المرات العديدة هى مكسب يحصل بالتدرج وبناء مستمر يساهم فيه الجميع سواء من هم فى جبهة السلطة أو من هم الآن فى جبهة المعارضة .
كذلك بالنسبة الى الاشتراكية فقد اتخذنا اجراءات هامة فى الحماية الاجتماعية واستصدرنا قوانين لزيادة منحة المتقاعدين وقوانين لحماية اصحاب الحرف والمهن الصغرى وصغار الفلاحين . وهكذا يبدو جليا ان منهج سياستنا يعتمد على مبدإ محبة الشعب والاخلاص له والتفانى فى خدمته .
وفى مستوى هذا الجدل بين القمة والقاعدة نتحرك لنوجد توازنا ونعمل ما استطعنا لكى نحقق بعض أو كل ما نؤمن به كرجل فكر أو كانسان بصفة عامة .
* تزاوج منذ ربع قرن بين الكتابة والسلطة ، وهو شأن قلما عهدناه عند كبار المسؤولين العرب ، فهل جنت عليك السياسة ؟ والى أى حد تبقى خلقية الكاتب نقية من احابيل السلطة ودنسها ؟ .
- لا أدرى هل جنت على السياسة أم هل جنى الادب والثقافة على السياسة . لكن اعيد القول بأن السياسة سياستان : سياسة يمكن أن تجنى وأن تكون خبيثة وسياسة يمكن أن تكون شريفة باعتبارها اداة لا غاية .
وانى أعتقد ان السياسة لم تورطنى مع ضميرى ولم تدفعنى الى التنكر لما أؤمن به من معان وطنية أو قومية أو انسانية فأعتقد انى لم آت شيئا أو قولا يمكن أن يحمر منه وجهى أو يخفضني . فأنا استطيع أن انظر الى جميع المواطنين وجها لوجه فلا أنحنى . ليس معنى هذا ان كل الناس متفقون معى ، فالاختلاف فى الرأى لا ينفى التقدير المتبادل ، وهذا ما اعتز به .
* دعوت دوما الى بناء ( الشخصية التونسية ) المميزة عربيا والمتحررة من
الاستعمار الفرنسى تحديدا . هل توصلت تونس فعلا الى ما تسميه فى كتاباتك بـ " التونسة " ؟ .
- أنا اؤمن كما قلت بالثقافة العربية الاسلامية لأسباب يطول شرحها وأعتبرها النهر الذى يتغذى بروافد كثيرة من كل قطر عربى . وقد قلت وكتبت منذ سنوات انه يجب على كل قطر عربى أن يحافظ على مميزات كل جهة وكل قرية بطقوسها وأفراحها وأتراحها ، بفن الطهى فيها ، بتقاليدها ، لان خصوصية كل قطر هى مجموعة خصوصيات كل انسان وكل جهة .
بل إني أذهب الى أكثر من ذلك : فانه من المصلحة ومن البداهة ان يحافظ الأب على عائلته وان ينمى شخصية كل ولد من أولاده . فسنة الله فى خلق تقتضى بأن يكون كل شخص متميزا عن غيره ، والتمايز لا ينفى الاتحاد والتكامل ، فأنا عندما أنادى بالتونسة فهذا يعنى اننى أنادى الى خدمة الثقافة التونسية والى جعل الادباء التونسيين ، مثلا ، عندما يستوحون الطبيعة ليكتبوا شعرا أن يستوحوا مناظر تونس وجبالها وبساتينها لا نهر النيل ولا الفرات ولا دجلة ولا جبال مراكش . علينا أن نترك هذا الأمر لاخواننا الشعراء هناك . فأنا أدعو الادباء الى الاصالة والى الصدق فى التعبير . الامر الذي دعا اليه الكتاب الاوربيون عبر استلهام (( التربة المحلية )) . فأنا كتونسى ان عملت على تقليد الموسيقى المصرية أو اللبنانية او المغربية فسأكون عالة على الموسيقى العربية لأني لم أضف شيئا جديدا الى رصيد الثقافة العربية . فالتونسة هي احترام الذات والتعمق فيها هى العزيمة الفولاذية للابداع ، وهي التقدم بهذا النتاج المتواضع الى العائلة العربية . وبهذا نجيب أيضا على منطق الاستعمار ،
فالاستعمار كان يعتقد فى القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ان مركز الحضارة هو اوربا ، وان باريس هى (( ام الدنيا )) كما يقول المصري بالنسبة لمصر . حتى سارتر لم يتأخر عن القول في منتصف الاربعينات وقد كنت آنذاك طالبا بباريس ، إن مستقبل الادب فى الدنيا لن ينطلق الا من اوربا ، اى انه نفى وجود أدب عربى أو يابانى أو أمريكى جنوبى أو افريقى لماذا ؟ لأنه تغذى بثقافته الانانية القومية واعتبرنا مجرد مستهلكين . فلكى ينتج ادباؤنا ويبدعوا علينا أن ننمى فيهم هذه الخصائص الوطنية وأن نجعل شباننا يشعرون بهويتهم .
* ولكن ألا يمكن أن تشجع مثل هذه الأفكار الدعوات (( الانفصالية )) العربية ؟
- هذه ليست دعوة للانفصالية ، هناك طبعا نظريات واحزاب عربية تعارض كلام هذا وتقول بأننا من المحيط الى الخليج نسخ مطابقه لأصل واحد ، وأنا لا أدرى ما هو هذا (( الاصل )) هل هو الأصل الذى نادى به عمر من الخطاب أم عمر بن عبد العزيز أم أحمد شوقي أم المعتزله أم أحمد الشقيرى أم عبد الناصر أم ميشال عفلق ؟ .
* ولكن ألا تعتقد بأن الشخصية التونسية لم تتخلص بعد من إعجاب - ولو خجول - بالثقافة الفرنسية وبأنها لم تزل تبدى حذرا - ولو مخففا - من الثقافة العربية ؟ .
- أقول : (( نعم )) و (( لا )) فى آن واحد .. أقول : نعم لأن جيلى على الأقل هو ضحية الاستعمار ، نحن مقضى علينا تاريخيا لاننا تعلمنا بالفرنسية ولان الاستعمار الفرنسى أراد أن يسحقنا وان يقطعنا من أصولنا . أنا شخصيا تعلمت الصرف العربى بالفرنسية فى المدرسة الصادقية وكان أستاذى فى هذه المادة فرنسيا !! فمنا من حن الى أصله واعتز بدينه وبلغته ورنا الى عالمة العربى ماضيا وتاريخا ومصيرا اما لاسباب عائلية أو بالخصوص بفضل الحركة الدستورية الحزبية التى أنشأها بورقيبه . وأنت تعلم أن بورقيبه قبل أن يؤسس الحزب الحر الدستورى التونسى فى 2 آذار / مارس 1934 قاوم حركة
التجنيس وكان التجنيس فى حينها اغراءات أقرتها فرنسا فى القانون لتحمل التونسين والتونسيات على طلب الجنسية الفرنسية ( زيادة الثلث على معاشاتهم ) . فبورقيبه المحامي الشاب وحده ، لا كبار المشايخ أو مصابيح الظلام ، هو الذي حرض التونسيين على التمرد بكل ما اوتوا من قوة ضد ساسة التجنيس . فقد تغذينا اذن عائليا وحزبيا غذاء وطنيا . ولكن هناك الكثير من الذين ضاعوا حضاريا وذهبوا ضحية الاستعمار . لهذا فانك اذا وجدت نماذج من هذه الضحايا فلا تحكم بالاستناد اليها على الشخصية التونسية .
فالشخصية التونسية ليست صورة جامدة أو واقعا منحوتا نهائيا . انها ديناميكية وواقع متغير ومتعدد . فانا شخصيا أعتز وافتخر بأننى لما كنت وزيرا للتربية القومية قمت بأعمال اصلاحية لجعل التعليم ينغرس ويتجذر فى مقوماتنا . وهذا ما حصل ، بحيث انى اطمئنك بأن نشأة اشبالنا وشباننا ستكون أنصع وانقى وأكثر اندماجا من وجهة نظر الثقافة الأصيلة من الكهول الذين عايشوا الاستعمار ، وكانوا بالرغم منهم ومن حيث لا يشعرون ضحايا له .
اما ما تقوله عن حذرنا من الثقافة العربية فهذا غير وارد فى اعتقادى اللهم الا اذا استنكفنا أو انكمشنا ازاء بعض الانتاج السخيف أو الضحل فى بعض المسلسلات التلفزية بعض الاغانى والافلام السخيفة .
* فى هذه الحالة ، على الأقل ، يكون الانكماش دلالة صحة ؟
- بالطبع .
* منذ سنة ونصف قلت فى خطاب شهير : (( ثقافة بدون حرية )) فهل ان حرية الأديب مضمونة فى تونس ؟ ماذا فعلت لخدمة زملائك الكتاب التونسيين ؟ .
- ان الجواب على هذا السؤال سهل لأننى قبل أن أكون وزيرا أو حتى وزيرا أول بل منذ ان كنت شابا استاذا أو مؤسسا لمجلة الفكر ( تشرين الاول / اكتوبر 1955 ) لم أتصرف على أساس طلب الرخصة من أحد . فأنا لم أطلب أبدا من أى كان أن يعترف لى بحريتى فى الابداع . ذلك ان الأديب أو المفكر الأصيل اذا كانت له رؤية أو مواقف يدافع عنها ويضحى فى سبيلها . ان ما قد يعتبره البعض خنقا لحرية الفكر هو فى الحقيقة تضييق على حرية العبث أو الفوضى ، لأنهم يخلطون بين الخلق الفكرى وبين الهذيان السياسى . أنا أقول لهؤلاء ولبعض الشبان : دعونا من هذا الخلط إذا كنتم تريدون المعارضة والرفض السياسى ، ادخلوا البيوت من أبوابها وقولوا بأنكم معارضون لهذا النظام ، اما أن تكتبوا خطبا سياسية هشة وضحلة فى الغالب وتعتبرون هذا خلقا أدبيا فهذا غير ممكن وغير معقول .
* ولكن انت ماذا فعلت ؟ .
- أنا استطعت بكل تواضع أن أؤسس مجلة (( الفكر )) وهى الآن فى سنتها الثامنة والعشرين دون أن تتوقف مرة واحدة ولا تعطلت يوما واحد عن موعد صدورها . أنا افضل أن لا أجيب عن سؤالك ، أفضل أن تجيب عنه أنت وأن يجيب عنه الناقدون بتصفح مجلدات المجلة ، حينئذ يمكنكم التوصل الى الاستنتاج بأن المجلة نشرت نصوصا جريئة وبأنها دلالة على حرية الفكر فى هذا البلد .
* تصديقا لهذا نشرت الفكر فى عام 1968 نصوصا جريئة من (( الانسان الصفر)) لعز الدين المدنى وقد كنت فى حينها وزيرا للدفاع .
- بعض المتزمتين جمعوا اعداد المجلة وأحرقوها وبعض رجال الدين قابلوا الوزير الأول حينذاك واحتجوا على المجلة .
لقد نشرت هذا المخطوط لأنى فى قرارة نفسى كنت اعتبر عز الدين المدنى كاتبا ممتازا ، ولو اننى شخصيا لا اوافقه على بعض أفكاره ، نشرت النصوص لأننى مؤمن بالخلق والابداع ، والمدنى مبدع وغيره كثيرون ، ونحن ننشر لهم ، الأمر الذى يؤكد حرية الابداع .
* الا أننا فى السبعينات وفى مطلع الثمانيات قلما نقرأ فى (( الفكر )) نصوصا جريئة ولوجوه أدبية شابة . ماذا جرى ؟ هل الادباء الشبان فى تونس يجدون فى تقديمات الدولة واجهزتها ومبادرتها ما يشجعهم على الانتاج والابداع ؟ ماذا فعلت لهم ؟ .
- شجعناهم ، وشجعنا حتى مجموعة من الشعراء الشبان الذين ثاروا على القوالب فى الشعر المقفى والحر فى الوقت نفسه ، ولكن بعض هؤلاء - سامحهم الله - طالبونا أن ننشر انتاجهم فقط وان نكف عن نشر انتاج الكهول والشيوخ وأصحاب الشعر الموزون والمقفى .
ورأينا أن هذا غير معقول ، فنحن نتقبل انتقادات الكبار من أجل تشجيع الشبان لكننا لا نعتقد ان من حق هؤلاء الشبان أن يجبرونا على عدم نشر أنتاج غيرهم . فأين حرية الفكر اذن ؟ فى الفترة الزمنية التى أشرت اليها نشرنا نصوصا كثيرة لاسماء لامعة . وفى نهاية الامر ، فان (( الفكر )) ليست مجلة الحكومة ولا مجلة وزارة الشؤون الثقافية انها مجلة شخصية وأنا لى الحق فى الحكم على ما ينشر وما لا ينشر فيها .
* امازلت حتى الآن تقرأ وتبت وتفصل في شأن النشر فيها ؟ .
- نعم بصفة عامة ، لأن سر نجاح المجلة يكمن فى اننى لست محترفا فما من أحد أجبرنى على تأسيس مجلة (( الفكر )) ، أنا اعتبرها هواية ، هى بمثابة ابن من ابنائى ، عندما أقرأ انتاجها اتمتع به كما يتمتع المغرم بكرة القدم أو بسباق الخيل ، انا لا أتقاضى أى فلس عن هذا . وبالتالى فيحق لى أن أتصرف فيها وأن احتفظ كذلك بحريتى فى الخلق وفي التقييم كأى مواطن من المواطنين .
ومن لا يوافقنى على هذا فما عليه الا أن يجرب ما جربت ويعانى ما عانيت ويخلق مجلة أو جريدة . أن البعض حاول لكنه افتقر لطول النفس وكما يقول المثل : (( يطول السفر ويرتخى الوتر )) . يمكننا ان نطلق أحكاما عديدة على ((الفكر)) لكننا لن نختلف أبدا حول هذا الحكم وهو انها امتازت بطول النفس .
* هل يتوفر لك الوقت للكتابة ؟ ماذا تكتب ؟ أية أمور تشغلك فكريا وهل تغيرت
علاقتك بالورقة البيضاء عما مضى ؟ هل تراقب أكثر ؟ .
- الواقع اننى لم أكتب مثلما كنت أكتب من قبل لسبب بسيط وهو أن الكتابة تقتضى لا أقول : التفرغ بل نوعا منه ، أى عدم الانشغال الكثير بأمور خارجة عن الكتابة . لما كنت مديرا أو وزيرا كان يشغلني قطاع محدد اما الآن فالمشاكل والمشاغل كثيرة ومتنوعة ، وتفرض نفسها على فى كل وقت فلا استطيع أن أركز تفكيرى على موضوع معين . لهذا فأنا أكتب أقل من قبل ، وأعتنى أقل بما أكتبه .
* ماذا تكتب ؟
- انى أكتب أو أرتجل خطبا فى مناسبات أو ملتقيات ثقافية أو شبابية ، ثم أخذ المادة الخام وأهذبها ، فتكون نصا نثريا ، على أن أجمع النصوص لاحقا فى كتاب . فكلما أتتنى فرصة لالقاء محاضرة لا اتردد ، كما قد يتردد غيرى من السياسيين فى أغلب الدول لأنهم يعتبرون الثقافة مضيعة للوقت ، أنا على العكس منهم أغتنم هذه المناسبات لكى أرجع الى نفسى للتعبير عما يشغلنى فكريا وحضاريا لأفلت من جاذبية العمل اليومى والمشاكل المرهقة .
* لكل كاتب قارئ يحضر حين يكتب أمامه ، يخاف منه ، يكتب له . من هو قارؤك ؟
- الشبان بصفة عامة ، ليس لى قارىء معين .
* ما هو الكتاب الذى تحلم بكتابته ؟
- أرجو أن أجد الوقت لكى أكتب مذكراتى ، ليس من وجهة زمنية أو سياسية ، بل من وجهة انسانية ، من نوع (( الأيام )) لطه حسين فأنا مثله تعذبت كثيرا فى شبابى وعشت تجارب لا تخلو من شحنة انسانية ثرية ، فقد يجد فيها القراء العرب تجاوبا أو تماثلا مع ما عاشوه . ولكننى لا أعرف ما اذا كنت سأكتب هذا الكتاب يوما ما .
* الى جانب السياسة والفكر انت تحب الرياضة وفي هذا الأمر أنت مثل نادر بين الحكام العرب . ماذا تجلب لك الرياضة ؟ أمازلت تمارسها ؟ .
- لا أزال أمارسها . أنا لم أدخن فى حياتى ولو مرة ، الرياضة هى سجارتى وافيونى ومتعتى ، عندما أمارس الرياضة أشعر براحة الاعصاب وبهدوء المزاج . فأنسى الهموم وأتجدد ، وأشعر بأن الحيوية تزداد ، إنى أرثى لحال المحرومين من الرياضة ، فهم لا يعرفون أى شئ ضيعوا . فان الله رزقنا
جسما ، وعلينا أن نروضه وأن لا نخجل منه وأن نوفر له أوفى لياقة ممكنه . للجسم امكانيات خارقة ، وله علاقة بالروح والمزاج . الرياضة أمر عجيب ومنعش . ولن أتخلى عنها ما دمت حيا . ثم انى اعتقد ان بعض السياسيين يحتاجون الى الروح الرياضية .
* من أنت ؟ هل تعرف نفسك ؟ بماذا كنت تحلم ؟ هل صرت الشخص الذي حلمت به ؟ ماذا تؤمل أن تفعل بعد ؟
- لم أحلم أبدا أن أصير وزيرا أو وزيرا أول ، كنت احلم ان اصبح استاذا .
* بهذه البساطة ؟
- أجل ، وكنت أحلم بأن اخدم بلادى وأساهم فى معركة تحرير نوبس ، وان اخدم غيرى . ان خدمة الغير أمر راقني فى طفولتى وشبابى بحيث ان وجودى فى الحكومة هو امتداد لهذه الخدمة ، وللنضال من أجل تحرير تونس فحينما دعانى السيد الرئيس لأكون مديرا عاما للاذاعة والتلفزة (1900-1964) أو وزيرا للدفاع الوطني ( 1969-1968 ) أو غيرها من المهمات والمسؤوليات الحكومية ، كنت أفاجأ دائما ، خاصة حين كلفنى بالوزارة الأولى . انه شرف عظيم ومسؤولية جسيمة أنا لم أحلم بأن الاقدار ستيسر لى خدمة بلادى فى هذا المستوى وبهذه الامكانيات .
* أنت من عائلة متواضعة تيتمت مبكرا منشأ متواضع وحياة صعبة اذن فكيف تقلدت كل هذه المناصب وتحملت كل هذه المناصب واضطلعت بكل هذه المسؤوليات ؟ أية صفات فيك جعلتك تصل الى ما وصلت اليه ؟ هل ساعدتك الظروف .
- فقدت أبي وأنا فى المدرسة الصادقية وكنت أؤمن بأن العلم والنجاح فى التعليم ، الثانوى والعالى ، هو المدخل الضامن للارتقاء في السلم الاجتماعى على أساس خدمة الغير . فالاستاذ يستطيع أن يخدم غيره لأنه يدرس الشباب . لهذا كنت حريصا على النجاح فكنت دوما طالبا مجتهدا الا انني جمعت دوما بين الدرس والعمل فى الشارع أى فى الحزب وفى الهيئات الثقافية والنقابية . أتذكر اننى كنت عندما أعود الى تونس فى العطل الصيفية أقضى وقتى فى إلقاء المحاضرات والمشاركة فى التمثيليات وتنظيم الرحلات متنقلا بين المناطق ومتعرفا عليها ، اما البعض من زملاء الدراسة فكانوا يقضون أوقاتهم فيما لا يعنى بل كانوا يتثاءبون حياتهم . ومما ساعدنى على الوصول الى هذه المناصب هو طول النفس
وثقة الرئيس وثقة الشعب ، فالمسؤولون والمواطنون جربونى منذ ثلاثين سنة فى كل المسؤوليات التى تقلدتها . اذ لا توجد قرية فى تونس لم أزرها او لم ألق فيها محاضرة أو خطابا لقد رأوا فى الرجل المخلص الذى لم يلعب بعقله بريق المسؤوليات أو الالفاظ ، بل ظل متواضعا صادقا ومحبا لشعبه . تكونت بينى وبينهم علاقة تقدير متبادلة وانا ، فى نهاية الامر لم نقلب ولم أتقلب ، سواء لما كنت تلميذا يتيما أو أستاذا مربيا أو حين صرت وزيرا أول .
* أنت جدى .
- أجل ، لكن هذا لا يعنى اننى لا أحب الهزل والنكتة ، آخذ الأمور وأباشرها بشكل جدى وعندما اتخذ قرارا أو أضع هدفا لى فاننى أسخر كل امكانياتى وأذهب فيه بكليتى وأعيشه بصدق .
* أليس غياب والدك ، وانت الصبي والوحيد فى العائلة هو الذى جعلك تأخذ الأمور بجدية - وأنت تعتمد على نفسك - لتصبح عصاميا الى هذه الدرجة ؟
صحيح ان وفاة والدى تفسر هذا بالاضافة الى تواضع أحوالنا الاجتماعية . هذا ما جعلنى أعتمد دوما على نفسى ، فى زواجى ، فى اختيار مهنتى ثم فى ممارستها وفى حياتى الاجتماعية فلا أعرف للتردد والحيرة سبيلا وهذا ما اذكر به الشباب دوما .
* ماذا تتمنى أن يحفظ لك التاريخ من مسيرتك الشخصية . اية انجازات .
أولا لا ينسى انني حاولت قدر استطاعتى التأثير على مناهج التعليم بحيث تخدم المبادىء والاختيارات القومية ، وخصائص شعبنا العربى المسلم . هذا أهم شئ خصصت له جهودى ثانيا الجهد الذى بذلته فى أعمالى وكتاباتى من أجل الشباب لتوجيهه وتكوينه وذلك منذ ثلاثين سنة على الأقل ثم لا تنسوا مجلة (( الفكر )) !
* السؤال الأخير يبقى لك أن تطرحه على نفسك ، وأن تجيب عنه اذا أردت .
- هذا سؤال طريف السؤال الذى أهتم به دوما هو مستقبل العرب الثقافى . ان الكثير من مشاغلى لا يهم تونس فقط بل العالم العربى ، فالثقافة العربية متذبذبة ومهددة بإخطار عديدة : صهيونية واستعمارية ، ومهددة أيضا بالتقوقع من جهة وبتقليد أعمى للغرب من جهة اخرى . ولهذا فان السؤال والجواب هو : متى يهتدى الملوك والرؤساء العرب الى عقد قمة لتوحيد المناهج التربوية ، حتى يصنعوا شبابا يتكلم لغة واحدة لأن الوحدة العربية لا تكون ولا يصنعها الا جيل جديد من العرب يتكلم لغة واحدة ويرنو الى قيم عليا واحدة ! .

